رثاء النفس في الشعر الجزائري القديم
محمد بوعلاوي جامعة تلمسان - الدجزائر -
إذا كان الإنسان قد بكى غيره وأجاد فنفسه أولى بالبكاء كلما أحس باليأس ودنو الأجل، وخلد الشعر العربي قصيدة " مالك بن الريب " التي رثى بها نفسه حين استشعر وفاته بعيدا عن ذويه في "خراسان"، منها قوله:
|
ألاَ ليت شــــعري هل أبيتــن ليلــــة |
|
بجنب الغضا أزجي القلاص النواجيا |
|
فليت الغضا لم يقطع الركب عرضه |
|
و ليـــت الغضا ماشى الركاب لياليا |
حيث طرق شعراء الجزائر القدماء هذا الموضوع ، وأول من بكى نفسه " بكر بن حماد التيهرتي "بمقطوعة([1])، قال فيها: ( من بحرالطويل)
|
غفلتُ و حادي الموتِ في أثري يحدو |
|
فإنْ لــم أرحْ ميتاً فلابـــدّ أن أغــدو |
|
أرى عمري ولـّى و لــم أتركِ المُنـــى |
|
و ليـس معي زادٌ و في سفري بُعد |
|
أنعّم جسمـــي باللبـــاس و ليـــنِـــــه |
|
و ليس لجسمي من قميصِ البلى بدُ |
|
كأنّي به قد مــدّ فــــي بــرزخِ البلــــى |
|
و من فوقه تربٌ و من تحتـــه لحدٌ |
|
و قد ذهبـــتْ تلك المحــاسنُ و امّحت |
|
فلم يبــقَ فوق العظــم لحمٌ و لا جلدٌ |
|
عســـى غافـــــرَ الزلات يغفر زلتــي |
|
فقد يغفـــرُ المولــــى إذا أذنب العبدُ |
|
أنا الفردُ عند الموت و الفردُ في البلى |
|
و أبعث فرداً فارحمِ الفردَ يـــا فـــردُ |
أشار الشاعرإلى غفلته وقد أشرف على الموت وزاده من التقوى قليل ، ثمّ صور حالته في القبر، وفي الأخير سأل الله (عز وجل) أن يغفر ذنبه ، وقد ارتدى الشاعر مسوح الحكيم الزاهد الذي يستخلص عبرة الموت ولا يعي مجالا للتفكير في الحياة، تسوقه برفق عاطفته الدينية، فكانت أبياته هادئة النغمات بلا انفعال والمقطوعة فلسفية كثيرة الشبه بزهديات " أبوالعتاهية ".
وناجى في قصيدة([2]) ثانية أهل القبور، بقوله: (من بحر البسيط)
|
قــفْ بالقبـــورِ فنـــاد الهامدينَ بها |
|
من أعظـــمٍ بليـــــتْ فيها و أجسادِ |
|
قـومٌ تقطعــتْ الأسبــــابُ بــــــهــم |
|
من الوصولِ و صاروا تحتَ أطوادٍ |
|
راحوا جميعاً على الأقدامِ و ابتكروا |
|
فلن يروحوا و لن يغدوا لهم غادٍ |
|
و الله لــــو ردّوا و لــــو نطقـــــوا |
|
إذاً لقالــوا: التقى من أفضلِ الزاد |
|
ما بالقلوبِ حيــــاةٌ بعد غفلتــــــها |
|
و اللهُ سبحانه منــــها بمرصــــادِ |
|
أين البقـــاءُ و هـــذا الموت يطلبُنا |
|
هيهاتَ هيهاتَ يا بكرَ بن حمــــــادِ |
الموت يهدم لذات الإنسان ، وكلّ واحدٍ يقف من الدنيا على سفرٍ، وخير الزاد التقوى، عبردعت الشاعرإلى ندب نفسه بمواويل البكاء والتفجع .
وفي بيت واحدٍ نعى الشاعر نفسه حين أحس بدنوأجله ، فقال: (من بحر الرجز)
|
أحبو إلى الموت كما يحبو الجملْ |
|
قد جاءني ما ليس لــــي فيـــــه حيلْ |
وله قصيدة(3) أخرى ذكر فيها الموت والهرم، قوله: ( من بحر الطويل)
|
لقد جمحتْ نفسي فصدّتْ و أعرضت |
|
و قد مرقتْ نفسي و طالَ مُروقها |
|
فيا أسفي من جنــحِ ليـــلٍ يقـــــودُها |
|
و ضــــوء نهــــارٍ لا يزال يسوقها |
|
إلى مشهـدٍ لابــــد لـــي من شهــودِه |
|
و من جرعٍ للمـــوت سوف أذوقها |
|
ستأكلـــهــا الديــدانُ في باطن الثرى |
|
و يذهبُ عنــــها طيبـُـــها و خلوقها |
|
مواطــنُ للقصــــاص فيـــها مظالــمٌ |
|
تؤدى إلى أهل الحقــــوقِ حقوقــُـها |
|
سحـــاب ُالمنايــا كـــلّ يومٍ مظلـــــةٌ |
|
قد هطلت حولي و حـــال بروقـــها |
|
و للنفس حاجـــاتٌ تروحُ و تغتــــدي |
|
و لكنّ أحــاديثَ الزمــــانِ يعوقـُــــها |
صورالشاعر الإنسان وآماله التي لا حدود لها حتى يباغته الأجل، وكل ذلك برؤية ثاقبة تفلسف الموت والحياة.
أمّا " ابن خميس التلمساني" ( 645 – 708 هـ) (1247 –
|
إنْ كنـــتَ تجــــهل أننــــي لا أرقـــدُ |
|
فأسأل يخبــرك السّهى و الفرقدُ |
Previous article: رثاء الأبناء في الشعر الجزائري القديم Next article: لو كنت يهوديا لحاربت إسرائيل