لَبيب والعالِم ..

تقرير عن كتاب جديد للمهندس عزام حدبا 

 

قالت جنان : سلطة الخضار التي حضرتها شهية وذكية

فقالت عنان : أيضاً ،  الشمس تشرق كل يوم من جديد !

 

ماذا قصدت عنان !!؟؟

الإجابة الصحيحة : كل السلطات التي تحضرها جنان زكية ولذيذة .

 

هذا الحوار المُلحق بسؤال ، هو أحد أنماط الأسئلة في امتحان البسيخومتري – القبول للجامعات -  في فصل التفكير الكلامي وبالأخص في باب : المنطق ، فهم تحليل استنتاج . بِمثل هذا النمط المُمَيَّز من الأسئلة الذي يحث العقول على الفهم ولا يعتني بمعرفتهم المسبقة للأمور يتفضل علينا العالمِ في بداية كل جلسة مع إبن أخيه لبيب بحكاية لا علاقة لها بالدين إلا تلك العلاقة الخفيّة التي لا يُدركها إلا ذوي البصائر والألباب وكل ذلك في سبيل إيصاله – لبيب-  لمستوى يستطيع من خلاله فهم الفلسفة الإسلامية ونظرتها للحياة والإنسان والمجتمع .

 

 فمِن الحديث عن كيفية اختيار حبة تفاح من صحن كل تفاحه متشابه يستخلص مسألة الاختيار القويم ومن كبسة – زر- تاب ( TAB ) في لعبة من الألعاب الإستراتيجية يكشف كيفية نظرة الدين للأمور من فوق وكذلك الشمولية ومن نظرية زينون في قَطع المسافات يبرهن كيفية التمييز بين الشبهات والمفارقات – التي يثيرها أعداء الإسلام – وأما استغلال الوقت كله بالنجاعة الأكبر ويضرب لنا مثلا في جرة مُلئت بالحجارة الكبيرة وبعد إمتلائها ندخل الحجارة الصغيرة بينها ، لقد كان هذا النهج سائداً في تلك الصفحات التي تُنعش الأفكار وتغذي الالباب من خلال البراعة والإبداع في ضرب الأمثال كما وكان يحث لبيب على تدوين كل القواعد التي علمه إياها من خلال الامثال المضروبة والاحداث العابرة .

 

أما لبيبٌ فهو فتى فضولي ، يبلغ من العُمر أربعة عشرَ ربيعاً ويُكن في صدره حُبا عظيما لدينه ولكنه يُواجه كل يوم بأفكار غريبة مُلحدة مِن قبل زملائه في المدرسة ولطلما شعر بالحماسة في الرد عليهم ولكن الجهل بأمور الدين حال بينه وبين الرد في أكثر من حال ، وأما العالِم فهو عَمّه المُهندس في علم الحاسوب العَالِم بأمور الشريعة وقد أوتي من العِلم ما يؤهله للخوض في مسائل الفلسفة الإسلامية وجعل يستفيد من علم الحاسوب في تحليل المفاهيم والعقائد لإيمانه بأن الإنسان والمجتمع كلهم خاضعون لنواميس كونية تماما مثل الذرات والمجرات وسائر المخلوقات الفيزيائية مع مراعاة الاختلافات في بعض الوجوه من حيث التعقيد والغموض . حتى برع في إيصال الفكرة وغرس العقائد والرد على الشبهات المُستثارة والأفكار الضالة وكذلك المناهج المُضلة . وفي ظلال هذا الفهم ، رحب العم بإبن أخيه ليكون طالبا عِنده يأخذ عنه أمور الدين ويفهمها ليواجه بها العالم من حوله .

 

ولما اجتمع الخُلق وحسن السلوك مع العِلم والإيمان في صدر العالم وقوبل ذلك بالفضول وحب المعرفة والصبر من قِبَل الطالب نجد المفاهيم والمعان تنغرس في ذِهن الفتى كانها المطر المنهمر على الارض العطشى . وإن وُجد ذلك في لبيب فلا يُستبعد أبداً ان تنغرس هذه المفاهيم الواعية في ذهن القارئ الحيران مهما إلتبست عليه الامور واشتد فيها الإبهام والغموض ومهما كانت خلفيته الفكرية ومستواه الفكرية وفئته العمرية .

 

في الـ 315 صفحة إستطاع المهندس البارع عزام حدبا ، ان يتناول أهم القضايا في فهم الدين الإسلامية فمن البديهيات كإختيار الإله وإختيار الدين إلى المسائل الفكرية كالمراة والخير والشر الى العقائدية كالقضاء والقدر والغيب وصولا الى الجوانب التنموية مثل تنظيم الوقت وترتيب الاولويات والإنسجام مع الذات وغيرها .

 

أخيراً : في الإعتراف بفضل وأفضلية مثل هذا العمل المميز لا يَسعني سوى الإستشهاد بحادثة واحدة ، فبعد قراءة عدد من صفحات الكتاب قمت بعرضه على أختي بِنت الأربعة عشر عاما ومع علمي أنها ليست من أصدقاء الكتاب ( بالشكل المطلوب ) إلا انها قرأت 150 صفحة في يوم واحد !!! وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على البراعة في الكتابة والتفنن في التأليف والإبداع في التفكير ، فحري بِنا أن ندخل المَكتبة القريبة بَدلاً من دخول مطعم الوجبات السريعة القريب وأن نطلب هذا الكتاب الذي هو غذاء يغذي ارواحنا وعقولنا فنكون قد كسبنا طبقا فِكريا لا يُستهان بقيمته وأما الوجبة فيمكننا ان نحضرها سريعة في البيت .

 

ونقول في مسك الختام ، كما قبّلت لبيب على جبينه وأغلقت كراسه ، فإننا نُقبل جبين الصفحات والأوراق ونبارك لك في عملك وكل كِتاب وأنت سالم وعقبال الجزأ الثاني .