مقارنة حول دور المرأة في المجتمع الفلسطيني قديما وحديثا
نادية أبو زاهر
يصعب الحديث عن دور المرأة الفلسطينية في المجتمع الفلسطيني الحالي دون مقارنته بما كان عليه دورها في السابق. وذلك لمعرفة ما هي التغيرات التي حصلت على هذا الدور. وربما أن من أكثر الصعوبات التي قد تواجه أي باحث أو دارس عند عقده مقارنة بين دور المرأة الفلسطينية قديما وحديثا:
1- عدم توفر إحصائيات حول المرأة الفلسطينية قديما.
2- رغم ارتفاع نسبة الدراسات الفلسطينية التي تهتم بقضايا المرأة حديثا مثل التعليم، والصحة الإنجابية، والعنف ضد النساء، والتمييز ضد المرأة الفلسطينية، ودورها في التنمية. ودورها النضالي والكفاحي، إلا أن هذه الدراسات تركز على المرأة حديثا، وغالبا ما تركز على الفترة ما بعد قدوم السلطة الفلسطينية، أو كحد أقصى الفترة الواقعة ما بعد الانتفاضة الفلسطينية عام 1987، لكن هذا لا يعني عدم وجود دراسات تحدثت عن دور المرأة النضالي التي سبقت هذا التاريخ وتحديدا في الفترة الواقعة ما بعد تشكل منظمة التحرير الفلسطينية. ومن الملاحظ أنه يندر أن نجد دراسة تعقد مقارنة حول دور المرأة في عملية مقارنة ما بين دورها قديما وحديثا.
3- صعوبة تحديد فترة زمنية دقيقة للمقارنة للحديث عن دور المرأة الفلسطينية وذلك لأن عملية التطور على دورها جاء بصورة متراكمة، لكن في الغالب يتم تحديد الفترات الزمنية مع الأحداث السياسية الهامة في فلسطين، مثل احتلال فلسطين عام 1948، أو عام 1967، أو الانتفاضة الأولى عام 1987، تشكل السلطة الفلسطينية عام 1996، أو الانتفاضة الثانية عام 2000.
على الرغم من جميع الصعوبات التي ذكرناها سابقا، إلا أننا سنحاول عقد مقارنة بين دور المرأة الفلسطينية في الفترة ما قبل عام 1967، وبين دور المرأة الفلسطينية ما بعد هذا العام. وعند الحديث عن عقد مقارنة بين دور المرأة الفلسطينية في المجتمع الفلسطيني فإننا لا نعني بالضرورة حدوث تغير جذري في بعض أدورها قديما وحديثا، وإنما قد يكون هناك أدوار لا زالت تمارسها المرأة الفلسطينية ولم يحدث عليها أي دور مع حدوث بعض التغيرات عليها. كما نلفت النظر إلى وجود تمييز بين المرأة في الريف والمدينة، الأمر الذي ينعكس على دور كل منهما، وسنتطرق إلى هذا التمييز. سيتم ترتيب الأدوار التي سنتحدث عنها انطلاقا من الأدوار التقليدية مثل الإنجاب وغير ذلك وصولا إلى الأدوار غير التقليدية مثل وصول المرأة إلى مناصب سياسية مثل المجلس التشريعي.
1- المرأة الفلسطينية والإنجاب:
الدور التقليدي للمرأة الفلسطينية هو الإنجاب، وهذا الدور لها لم يتغير حديثا، لكن يمكننا عقد مقارنة حول هذا الدور من خلال التغيرات التي حصلت عليها:
يلاحظ اختلافا في نسبة الإنجاب للنساء قديما وحديثا، مع ملاحظة اختلافها في المدن عنها في القرى. فما يميز نسبة الإنجاب لدى النساء قديما، الارتفاع الملاحظ لهذه النسبة عنها حديثا. وقد يعود ارتفاع نسبة الإنجاب قديما عنها حديثا لعدة أسباب، منها: الزواج المبكر جدا، والزواج المبكر يعني زيادة خصوبة المرأة وارتفاع قابليتها للإنجاب. إضافة إلى الحمل المتكرر بشكل سنوي تقريبا، إضافة إلى ارتفاع نسبة الأمية لدى النساء، حيث كانت النساء لا تتلقى التعليم قديما لا سيما في الريف، وهذا الأمر له انعكاسه على قلة وعي النساء بالنسبة لأضرار الحمل المتكرر على صحتهن، وعلى دخل الأسرة. كما ينعكس أمية النساء على عدم وعيهن لاستخدام وسائل تنظيم الأسرة. فيما نلمس أن هذه النسبة للإنجاب انخفضت حديثا، حيث تشير بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني للعام 2004، بأن نسبة المتزوجات حالياً (15-49) اللواتي يستخدمن (أو يستخدم أزواجهن) وسائل تنظيم الأسرة تصل إلى 50.6% موزعة على 55.1% في الضفة الغربية و 43.0% في قطاع غزة، ونوه التقرير ذاته إلى العلاقة الطردية القائمة بين درجة التعليم للأم ودرجة استخدام وسائل تنظيم الأسرة من قبل الأم أو الزوج . ففي الوقت الذي تصل فيه نسبة النساء اللواتي حصلن على تعليم إعدادي 50.9% من نسبة النساء اللواتي يستخدمن هذه الوسائل ، ترتفع هذه النسبة لتصل إلى 56.7% لدى النساء اللواتي حصلن على درجة تعليم دبلوم متوسط فأعلى.
2- المرأة والزواج:
لم يتغير دور المرأة قديما كثيرا عنه حديثا في أن تكون زوجة، لكن الاختلاف يتعلق بسن الزواج. حيث كانت المرأة قديما تزوج في سن مبكرة جدا، فالمرأة التي كانت تبلغ العشرين من عمرها دون أن تتزوج كانت تصنف من العوانس، أما في الوقت الراهن فقد ارتفع سن الزواج نسبيا لدى النساء مقارنة بالسابق بسبب زيادة إقبال النساء على التعليم لا سيما الجامعي منه، وهو ما لم نكن نشهده قديما، حيث أن الأمية كانت متفشية بين النساء. لكن ارتفاع سن الزواج على الرغم أنها قللت من نسبة الإنجاب إلا أن نسبة العنوسة بين النساء ارتفعت بشكل ملاحظ، فعلى سبيل المثال كان يندر أن تجد امرأة أو اثنتين في قرية فلسطينية صغيرة معينة دون زواج، لكن اليوم تجد في نفس القرية وجود العشرات من النساء غير المتزوجات. ومن الملاحظ أن نسبة العنوسة لدى المدن تزيد عنها لدى القرى، لأن القرويون يميلون إلى تزويج بناتهم في سن مبكرة أكثر من المدن، وإن كان هناك تزايد مستمر في نسبة العنوسة في القرى مؤخرا.
3- المرأة والعمل:
كما سبق وأشرنا، فقد فالمرأة الفلسطينية كان لها دورا تقليديا وهو الإنجاب، وما يترتب على هذا الدور من وظائف أخرى كأن تكون زوجة، وربة في المنزل، وأم الخ. ومع أن هذا الدور لم يتغير كثيرا في الوقت الحالي، إلا أن المرأة الفلسطينية حديثا وإن كانت لا زالت تمارس ذات الدور التقليدي إلا أنها تمارس أدوارا أخرى إضافة إلى هذا الدور التقليدي كأن تكون معلمة، مهندسة، ممرضة، طبيبة، وموظفة. فيما أن المرأة قديما -الريفية- كانت تمارس العمل الزراعي.
ويعود اختلاف التوجهات في العمل للمرأة قديما وحديثا بسبب ارتفاع نسبة التعليم بين النساء حديثا مقارنة بما كانت عليه قديما. وتجدر الملاحظة إلى أن النساء في الريف في الوقت الحالي غالبا ما يفضلن التوجه إلى وظيفة التعليم وذلك بسبب العادات والتقاليد التي تمنع الفتاة الريفية من الاختلاط في العمل مع الرجال، لذا يندر أن نجد في الريف مثلا وحتى في الوقت الراهن طبيبة، أو أستاذة جامعية مقارنة مع نساء المدن، على الرغم من وجود الكثير من الفتيات المتفوقات من الناحية الأكاديمية في الريف وحصول بعضهن على فرص التعليم في الخارج، إلا أن كثيرا من النساء الريفيات حرمن من ذلك بسبب العادات والتقاليد التي تمنع المرأة في الريف من السفر بمفردها دون محرم، وهذه النظرة لسفر المرأة دون محرم تختلف في المدينة عنها في الريف، حيث نجد حرية أكثر للمرأة في المدينة للسفر بمفردها عنها في الريف.
على الرغم من هذا التطور على عمل المرأة الفلسطينية (بأن تعمل في مجالات مختلفة) إلا أن نسبتها في القوى العاملة مقارنة بالرجل لا زالت ضعيفة فوفقا لإحصائيات الجهاز المركزي الفلسطيني للإحصاء، فإن نسبة النساء في القوى العاملة والتي تتراوح أعمارهن من 15 سنة فما فوق, وصلت في العام 2004 إلى 13.2% من المجموع الكلي، في حين تصل نسبة الرجال من نفس الفئة العمرية في القوى العاملة إلى 66.6% من المجموع الكلي وارتفعت هذه النسبة ارتفاعا طفيفاً في العام 2005، لتصل إلى 14.1% مقارنة ب67.8% للرجال.
أما بالنسبة لعمل المرأة قديما خارج نطاق أسرتها فكان يتركز-كما سبق وأشرنا- على عملها الزراعي، -وهنا الحديث عن النساء الريفيات- حيث كانت تشكل العمود الفقري للعمل الزراعي، في حين كان الزوج يمارس أعملا أخرى في الغالب مثل التجارة والرعي ويترك الأعمال الزراعية للزوجة، لكن ذلك لا يعني أن الزوج لا يساعد في الأعمال الزراعية مطلقا. وهنا تجدر الإشارة إلى أنه يندر أن نجد نساء في الريف لا يعملن في الزراعة، إضافة إلى تربية الحيوانات المنزلية، وبالتالي كانت العائلة الريفية توفر غذاءها من صنع يدها، على عكس اليوم، حيث باتت الأسرة الريفية تقوم بشراء معظم احتياجاتها من الغذاء بعد أن كانت تنتجه المرأة الفلسطينية الريفية قديما، ويعود ذلك إلى أن المرأة الريفية قديما لم تكن تتعلم، وكان عليها أن تتكفل بالمقابل أن تساعد زوجها وأسرتها في الأعمال الزراعية لعدم وجود وظائف بديلة كما نجدها اليوم. في حين نرى المرأة الريفية حديثا لا سيما المتعلمات منهن نأين بأنفسهن عن العمل الزراعي. وباتت تميل معظم النساء الريفيات اليوم إلى حياة التمدن والتحضر بالابتعاد شيئا فشيئا عن الأعمال الزراعية.
4- المرأة والتعليم:
أشرنا إلى أن التعليم ساهم في تغير توجه المرأة الفلسطينية بالنسبة للعمل، كما انعكس على اختلاف أدوراها بشكل ملحوظ لا سيما من ناحية وصولها لمناصب قيادية. وتجدر الإشارة إلى أن النساء قديما- لا سيما في الريف- كن يحرمن من التعليم حيث كان التعليم مقتصر على الذكور، فيما أن هذه النسبة باتت في ازدياد ملحوظ في الوقت الحالي. لكن ومع هذا التقدم الملحوظ على نسبة تعليم المرأة الفلسطينية حديثا، إلا أنها تبقى ضعيفة مقارنة بنسبة تعليم الرجال. حيث تشير معطيات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني للعام 2003-2004، بأن عدد الطالبات في المدارس وصل إلى 538.563 من أصل 1.087.668، في حين, يصل عدد الطلاب من الذكور إلى 549.105. أما على مستوى الجامعات، 2002/2003 فيصل عدد الفتيات الملتحقات بالتعليم الجامعي إلى 48.489 من أصل 98.439 ، في حين يصل عدد الرجال إلى 49.950 . وفي الوقت ذاته, يصل عدد المعلمات في الجامعات إلى 425 من أصل 3.384 بينما يصل عدد المعلمين 2.959 ، وبشكل عام، تقل نسبة الإناث كلما ارتفعت نسبة التعليم، خاصة العالي. ويشير تقرير الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني 2005, بأن نسبة الإناث الحاصلات على بكالوريس فأعلى تصل إلى 5.4% في عام 2004، مقارنة ب9.2% للذكور في نفس العام.
وفيما يتعلق بالأمية, خاصة تلك المتعلقة بالنساء، فعلى الرغم من التحسن الذي طرأ على نسبتها مقارنة بالأعوام الماضية، بحيث بلغت معدلات الأمية للأفراد من فئة عمر 15 سنة فأكثر 3.7%بين الذكور و12.6% بين الإناث إلا أنَه ما زالت هناك فروقات بين كلا الجنسين والتي تعود لأسباب مجتمعية وثقافية واقتصادية وحتى سياسية. ويؤكد في هذا الصدد تقرير الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني /2005، بأن المرأة الريفية هي أكثر فئات المجتمع تهميشاً في التعليم، حيث وصلت نسبة الأمية بين الإناث في الريف الفلسطيني 16.6% في عام 2004، مقارنة ب12.4 في المخيمات و 9.6% في الحضر. مع ملاحظة أن نسبة الأمية للنساء الريفيات قديما كانت أعلى بكثير من النسبة الحالية.
5- المرأة والنضال:
المرأة الفلسطينية شكلت قديما وحديثا حالة فريدة من نوعها فيما يتعلق بالنضال الفلسطيني في مقاومة الاحتلال، وهناك أشكال مختلفة من نضال المرأة الفلسطينية يصعب ذكرها هنا. لكن ما تجدر ملاحظته عند مقارنة دور المرأة في النضال قديما وحديثا إلى أن المرأة قديما انخرطت بشكل أقل في الدور النضالي في مقاومة الاحتلال مما نجده حديثا. ودور المرأة في النضال يقل عنه بصورة كبيرة لدى الفتيات في الريف عنه في القرى وذلك بسبب النظرة السلبية السيئة في الريف لمن تتعرض للأسر. فتنأى النساء في الريف غالبا وحتى وإن كن متعلمات عن المشاركة في الأعمال النضالية وغالبا ما تترك هذه المهمة للرجال. ورغم أن المرأة الفلسطينية قديما انخرطت لا سيما بعد تشكيل منظمة التحرير الفلسطينية في أعمال نضالية وفدائية، إلا أن هذا الانخراط ازداد بنسبة ملحوظة جدا مع تفجر الانتفاضة الأولى عام 1987. لكن على الرغم من هذا التطور على انخراط المرأة في العملية النضالية التحررية، إلا أن هذا الانخراط بقيت نسبته ضعيفة مقارنة بانخراط الرجال فيه. لذا بقيت النساء غالبا يجري تجنيدهن في الأحزاب السياسية كجنود احتياط وقوة انتخابية لدعم النخبة في رجال السياسة، وليس لشغل مناصب قيادية رفيعة.
6- المرأة والمناصب السياسية والقيادية
يندر أن نجد قديما امرأة فلسطينية شغلت منصبا سياسيا أو قياديا، فهذه المناصب احتكرها الرجل لوقت طويل، وقد لا يجافينا الصواب إذا ما قلنا أنه قد يكون ضربا من المستحيل أن نجد امرأة فلسطينية في الريف شغلت منصبا سياسيا قديما. أما في الوقت الحالي فإننا نجد أن النساء باتت تشغل مناصب سياسية وقيادية وهو ما لم نكن نجده قديما. لكن وعلى الرغم من هذا التطور على دور المرأة إلا أنه لا يزال هناك تمييز واضح في المجتمع الفلسطيني بين الرجل والمرأة في شغل المناصب السياسية والقيادية على المستويات الثلاث: التشريعي، التنفيذي والقضائي. ففي المجلس التشريعي المنتحب عام 1996، لم تحصل المرأة إلا على خمس مقاعد من أصل 88 مقعداً في البرلمان، ولم تكن نتائج الانتخابات التشريعية الثانية 2006 أفضل بكثير، بحيث حصلت المرأة على سبعة عشر مقعداً من أصل 132مقعداً.
أما فيما يخص التمثيل الوزاري، فقد شغلت المرأة وزارتين (التعليم العالي والشؤون الاجتماعية) من بين خمسة وعشرون وزارة وذلك فقط في الأعوام 1996-1998، ثم انخفضت النسبة لتصل إلى وزارة واحدة وهي وزارة الشؤون الاجتماعية وذلك فقط من 1998-2003، وفي 2003، شكلت وزارة شؤون المرأة.
على مستوى المجالس المحلية، وحسب مؤشرات التنمية البشرية في الضفة الغربية والقطاع، فلم تتجاوز نسبة النساء المعينات 5% من مجموع المعينين في هذه المجالس، وعلى مستوى صنع السياسات، تولت النساء 15.2% من مناصب مدير عام فما فوق و12%من مناصب مدير، و25% من مناصب رؤساء أقسام، وتزيد بشكل عام نسبة النساء في الوظائف كلما انخفض السلم الوظيفي. فوصلت إلى 36.4% من الموظفين من ُسلَم الدرجات 8-4 في العام 2005 وفقاً للجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني.
على الصعيد القضائي، فقد أشار تقرير فريدم هاوس أن بين 1332 محامياً في الأراضي الفلسطينية، توجد فقط 141 امرأة ومن بين 46 قاضياً توجد فقط 4 قاضيات فقط, وعلى الرغم أن المرأة تمثل 13% من الموظفين الإداريين، إلا أنها تحتل فقط 3% من مناصب اتخاذ القرارات العليا, وذلك حسب الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني. وعلاوة على ذلك، يسيطر الذكور بشكل عام على الأحزاب السياسية في الأراضي الفلسطينية، بينما توجد ثماني نساء في مواقع اتخاذ القرار في أكبر حزب في فلسطين في مقابل 188 رجلاً.
رغم كل هذا التقدم على دور النساء في المناصب القيادية والسياسية مقارنة بدورها قديما إلا أن المرأة الفلسطينية شغلت فقط 4% من المواقع القيادية. وحتى اللحظة لم يسمح لها الرجل بالمشاركة في المفاوضات الجارية بين الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني، وبالتالي فهي لم يكن لها أي دور في تشكيل صناعة السلام لأنها مستبعدة عنه حتى الآن.