ألفيته كعادته جالسا و هو يقلب صفحات جريدة و بجانبه كومة من الجرائد القديمة فألقيت عليه السلام فأشار برأسه ولم يرفعه
قال: أ أنت هو؟
قلت: نعم أنا هو ثم دنوت منه وقلت أراك منهمكا منشغلا كأن أمرا قد حيرك تبحث عنه في هذه الكومة من الجرائد قد سكنتها دابة الأرض
قال:هو كذلك لعلي أجد فيها حقيقة ضاعت في غمرة السنين
قلت: هناك حقائق كثيرة ضاعت فلما هذه دون غيرها حيرتك
قال: لأنها أكبر الحقائق في قضيتنا و رأسها و لست المحتار الوحيد بل أنت واحد منهم
قلت: أنا لست من المحتارين ولكن أخبرني أهو أمر صعب بالقدر الذي يعجز مثقفا مثلك
قال: ليس كما تظن و لكن..... ثم سكت
قلت: لكن ماذا؟ أتمم لقد حيرتني
قال: ها أنت الآن من المحتارين
قلت: لا ليست حيرتي كحيرتك
قال: بل أنت أشد حيرة مني فلا تماري
قلت: كيف لقد أبهمت على الأمر
قال: أنا حيرتي مجنونة تتعقل أما أنت حيرتك عاقلة تتجنن
قلت: بالله عليك ما هذه الفلسفة الجنونية
قال: ليست فلسفة جنونية بل هي فلسفة تعقلية
قلت: ولكن فلسفتك هذه تحتاج الى نقد و تمحيص
قال: أنت لست أبا حامد حتى تنتقد و لا أنا أخطأت كما أخطأ سقراط حتى أنتقد
قلت: نعم أصبت فهي كما تقول ولكن أفصح حتى أفهم
قال: هو عنوان في الجريدة أوقفني و أقلقني و أهمني و شغلني و آلمني
قلت: و لما كل هذه المترادفات التى تدعوا إلى الهول
قال: لأنها كذلك وأكثر فرب كلمة أضحكت ورب كلمة أبكت
قلت: ولكن ما رأيت بسمة على محياك و لا دمعا على خديك
قال: بسمة القلب و دمعته لا ترى بل تفهم وتدرك ولكن أنت لا تعرف الا ما عرفوك
قلت: لا علينا أنا لا اعرف الا ما عرفوني ولكن هي عناوين كثيرة أيها تقصد
قال: هي كثيرة ولكن تشبه بعضها بعضا
قلت: أبهمت علي الأمر من حيث أردت الإفصاح
قال: لعلك لم تقرأ كتاب الأضداد للأنباري
قلت: بلا قرأته ولكن ما علاقة هذا بما نحن فيه
قال: بل هو الموضوع أصله و فصله
قلت: اضرب لذلك مثلا حتى أفهم
قال: كقولهم محادثات مباشرة و غير مباشرة فهي كضربة مباشرة و غير مباشرة
قلت: الأولى ليست كالثانية فهذه تقال في المحادثات و الأخرى تقال في كرة القدم
قال: ولكنهما يشتركان في لفظ واحد و هو مباشرة و غير مباشرة
قلت: في كرة القدم يقال ضربة مباشرة و غير مباشرة و تكون آلة الضرب هي الرجل أما في محادثات مباشرة و غير مباشرة تكون آلة الخطاب هي اللسان
قال: أنت ترى ظاهر الكلام أما أنا فأعرف معاناه و مغزاه
قلت: علمني مما علمك الله
قال: اعترف أنك لا تعرف الا ما عرفوك
قلت: أعترف و زيادة
قال: لا تقل وزيادة لأن الشيء إذا زاد عن حده انقلب إلى ضده
قلت: أقررت أني لا اعرف إلا ما عرفوني
قال: اعلم يا هذا أن معنى الألم قد يأتي بضربة رجل أو صفعة كف أو كلمة من فم
قلت: رحماك اخبرني ما تقصد بكل هذا فإني أرى أننا ابتعدنا عن الموضوع فقد سألتك عن حيرتك فذهبت إلى الألفاظ و المعاني
قال: وهل يورد المهالك إلا رجل أو يد أو فم أو ما تعرفه و اعرفه
قلت: رويدك فأنت مثقف كبير وأنا متعلم صغير فأخبرني عن قضيتنا هاته وأرفق في الحديث
قال: ها أنت أقررت بأنك لا تعرف إلا ما عرفوك
قلت: أقررت و أنت من الشاهدين
قال: بل قل أقررت و الأمة على ذلك من الشاهدين
قلت: و الأمة على ذلك من الشاهدين
قال: هذه قضية ليست كغيرها لأن فيها متحدث واحد وسامع وحيد
قلت: ولكن لا تتم المحادثات المباشرة الا بطرفين
قال: هذه قضية فيها طرف قوي له كل الحقوق و طرف ضعيف ليس له حق إلا أن يتنازل وبهذا تكون كضربة مباشرة في مرمى لا حارس فيه
قلت: و المحادثاث الغير مباشرة
قال: هي أشر من الاولى
قلت: كيف تكون شرا و فيها طرف ثالث
قال: ويحك متى كانت قضيتنا فيها طرف ثالث
قلت: لم افهم
قال: إعترف أنك لا تفهم إلا ما فهموك
قلت: أعترب و الامة شاهدة على ذلك
قال: إعلم أن الطرف الثالث أو الرابع أو الخامس هو نفسه الطرف الاول
قلت: إذا هذه مكيدة فهو يعززه و يؤازره
قال: هو كذلك و عليه فهي كالضربة الغير مباشرة لأن الضعيف لا مدافع ولا حارس في مرماه فمتى قذفت الكرة دخلت
قلت: إذا هذه ليست محادثات ولا أجد لها اسما
قال: فإن لم تجد لها اسما فعندي إسمها
قلت: هات إسمها
قال: غير حرفين في الكلمة ستجد إسمها
قلت: هم سبعة أحرف أيهم أغير وبما أغيرهما
قال: و يحك أ لزلت لا تعرف الا ما عرفوك
قلت: استحلفك بالله ألا ترهقني
قال: اجعل على الحاء نقطة و أبدل الثاء عينا
قلت: و جدتها فهي مخادعات
قال: هذه هي اللفظة الحقيقية
قلت: فهمت و الآن أخبرني عما يحيرك في هذه الجريدة
قال: أ بعد كل هذا و لم تفهم أنظر الى العنوان
قلت: أشر إليه بإصبعك حتى أعرفه
قال: الذي يحمل رقمين مزيفين سبعة وستة
فنظرت فإذا هو مكتوب دولة فلسطين في حدود سبع و ستين
قلت: و ما الحيرة في هذا
قال: ثكلتك أمك وأبوك و ثكلك إخوتك
قلت: عدت لفلسفتك فلست أفهم
قال: إذا أنت لا تبصر
قلت: بل رأيت العنوان الذي تشير اليه و ليس فيه ما يحير
قال: سألتك هل تبصر وليس هل ترى
قلت: وما الفرق بينهما
قال: الفرق كبير فقولنا يرى نقل الشكل أما قولنا بصر فقد أدرك المضمون
قلت: صدقت فعلمني مما علمت
قال: إذا أنت تعترف أنني أعرف و أنت لا تعرف
قلت: بل قد يجهل أحدنا ما يعرفه الآخر
قال: كلا أنت لا تعرف إلا ما عرفوك أما أنا فأعرف الذي يجب أن يعرفه
قلت: ولكن ها أنت قد حيرك رقمان صغيران فلو كانت أرقاما كبيرة ذات جذور و كسور لاحترت أكثر
قال:ها أنت قد سقطت في الخطأ ثانية لأنك لا تعرف الا ما عرفوك
قلت: كيف أنا لم أخطئ
قال: بل أخطأت لأنك لم تعرف أن السبعة و الستة رقمان يخفيان وراءهما أرقاما أخرى
قلت: أتعبتني فأخبرني و أنا خطاء و كل ابن آدم خطاء
قال: واعترف أنك أخطأت البارحة قبل اليوم
قلت: وأعترف أنني قد أخطأت اليوم و الأمس قبله
قال: الخطأ إذا تكرر يتحول إلى تصور كاذب
قلت: صدقت فاخبرني ما العجب في الرقمين
قال: ها أنت تخطيء ثالثة
قلت: أعدنا الى ما سبق ...... هات ما يأتي
قال: و هذا خطأ رابع لو أدرك الناس ما سبق لأحسنوا التصرف فيما يأتي
قلت: هذا كلام وجيه و صحيح
قال: إذا اعترف أنك أخطأت أولا وثانيا وثالثا ورابعا
قلت: و أعترف أنني أخطأت خامسا و سادسا
قال: قد سبقت الأحداث فلما يأتي بعد خامس و سادس
قلت: بالله عليك لا تعود الى الأمر وأخبرني و لا ترهقني
قال: و كيف لا نعود و قد أخطأت فالواجب أنعود كلما أخطأت حتى لا تتفلت الحقائق و يغم عليك الصواب
قلت: صدقت فصوبني حتى لا أظل خاطئ
قال: لقد قلت ما العجب في الرقمين و الصحيح هو أن تقول ما العجب في التاريخ
قلت: ما دخل التاريخ في السبعة و الستة
قال: لأنهما أضيفتا الى كلمة دولة و حدود
قلت: لا أرى أي خطأ في هذه الجملة
قال: في هذه الجملة خطأ و زور وافتراء و بهتان و كذب
قلت: كيف زور التاريخ و نحن نحصيه أياما و شهورا وسنين
قال: لعلك أحصيته شروقا و غروبا و لم تحصيه تاريخا
قلت: أخطأت و أعترف أنني لا أعرف الا ما عرفوني
قال: أحسنت إذ قلتها لأنني كنت سأطلب منك ذلك
قلت: أخبرني الآن
قال: لقد حذفت عشرون سنة من تاريخ قضيتنا
قلت: كيف وقع هذا و نحن نتتبع التاريخ يوما بيوم و هو مسجل
قال: ويحك يا هذا
قلت: أعترف أني لا أعرف و أنت أعلم مني
قال: أتعرف التاريخ زمانا و مكانا أم زمانا و حسب
قلت: لم أفهم عنك
قال أعترف أنك لا تعلم إلا ما علموك و أني أعلم ما يجب أن يعلم
قلت نعم وأجل
قال: لا قيمة للتاريخ إلا بظرفيه الزماني و المكاني
قلت: أفصح
قال: إن السبعة و الستة أكلتا عشرين سنة مضت من تاريخ الأمة
قلت: كيف هذا ؟ و التاريخ مسجل يعرفه المؤرخون ,
قال: ويحك ألا تعلم ان السبعة و الستة تسبقهما الثمانية و الأربعة في المكان و الزمان
قلت: لم أفهم عنك
قال: ثكلتك أمك وأبوك و ثكلك إخوتك
قلت: و ثكلتني أمتي
قال: هو كذلك و ما تفعل أمة بأبناء لا يعرفون تاريخها
قلت: صدقت فأخبرني
قال: متى اغتصب الصهاينة فلسطين
قلت: سنة ثمانية و أربعين
قال: إذا فبين التارخين عشرون سنة من تاريخ أمتنا مغيب
قلت: و هو كذلك
قال: إذا و جب أن يقال دولة فلسطينية في حدود ثمانية وأربعين لا سبعة وستين وإلا.... تم سكت
قلت: وإلا ماذا....فقد حيرتني
قال: اعترف أنك لا تعرف إلا ما عرفوك
قلت: اعترف
قال: إن لم نقل دولة فلسطين في حدود ثمانية وأربعين فنحن بذلك نبحث عن مأوى لأسرة لا عن وطن لأمة و عن مأرب نناله لا عن حق ضاع نسترده و عن بعض أفراد لا عن الشعب كله و بالتالي تكون حرب سبعة و ستين و ما قبلها خطأ و تضيع بذلك كل القضايا و يبقى في أيدينا من فلسطين ثلاثة حروف الاولى و يأخد المغتصب الباقي و هو الأهم
قلت: كيف؟ هذه طلاسم تتكلم بها
قال: اعترف أنك لا تعرف إلا ما عرفوك
قلت: أعترف أني لا أعرف و لا أفهم
قال: إن كلمة فلسطين تتكون من ستة حروف فإذا أخذنا نصفها تكونت لدينا كلمة فلس و الفلس الزهيد من المال و هذا ما تعبر عنه دولة فلسطين في حدود سبع و ستين و بقيت كلمة طين عند المغتصب و الطين يمثل الأرض و فلسطين أرض و وطن لأمة و هذا ما لا يريده المغتصب
قلت: صدقت و ما هي باقي القضايا التي تضيع
قال: ويحك قضية القدس و اللاجئين و قضايا لا تستطيع أن تفهمها
قلت: ولكن نحن نطالب بعودة اللاجئين و القدس
قال: و يحك ثكلتك أمك وأبوك و ثكلك إخوتك وأمتك التي لا تعرف تاريخ ميلادها
قلت: ويحي
قال: كل شيء ناصفتموه مع المغتصب
قلت: فهمني
قال: أخبرني ألستم تطالبون بدولة في حدود سبع و ستين
قلت: نعم
قال: إذا فقد تنازلتم للمغتصب عن شطرها الأكبر و هو حدود ثمانية وأربعين
قلت: نعم وبعد
قال: وتطالبون بالقدس الشرقية
قلت: نعم و بعد
قال: قد تنازلتم عن القدس الغربية و القدس لا تنقسم
قلت: و بعد
قال: و تنازلتم عن نصف الشعب الفلسطيني و الشعب لا ينقسم
قلت: كيف
قال: نصفه أو أكثره شرد و هجر خلال عشرين سنة التي تنازلتم للمغتصب عنها
قلت: لم أفهم عنك
قال: ثكلتك أمك وأبوك و ثكلك إخوتك و أمتك التي لم تبرها
قلت: ويحي من غبائي فأخبرني
قال: نصف الشعب كان يقيم في حدود ثمانية وأربعين و في شطري القدس غربيها و شرقيها و مساكنهم شاهدة على ذلك فإذا طالبتم بالقدس الشرقية و حدود سبع و ستين فقط كأنكم بهذا تقولون نحن لا نطالب بعودة اللاجئين إلا قليلا منهم
قلت: هذا تحليل صائب
قال: اعترف أنك لا تعلم إلا ما علموك
قلت: أعترف و أقر و أشهد الأمة على ذلك
قال: هل فهمت
قلت: فهمت غير أنك لم تحدثني عن قضايا أخرى لا أفهمها
قال: اعلم أن المطالبة بدولة في حدود سبع و ستين هو تكذيب لتاريخ أمة و تزوير لحقائق و تلقين تاريخ تنقصه عشرين سنة لجيل تضيعون حلقة تواصله بما قبله
قلت: صدقت
قال: و أخشى أن يأتي زمان فتطالبون بدولة فلسطين في حدود ألفين و ستة
قلت: أ يكون هذا
قال: نعم إذا زور تاريخ الأمة