في ذكرى رحيله : ناصر لازال يسكن أرواحنا
بقلم : زياد ابوشاويش
ثمان وثلاثون عاماً مرت على رحيل زعيم الأمة جمال عبد الناصر ولا زالت أحلام فتى العروبة وابنها البار تسكن قلوبنا وأفئدتنا. عز العرب ، كرامتهم ، وحدتهم ، فلسطينهم ، حريتهم ، استقلالهم ، ثرواتهم، وكل ما يمت إلى تقدمهم وتعزيز مكانتهم عمل لها القائد العربي الكبير جمال عبد الناصر حتى وافته المنية يوم الثامن والعشرين من أيلول 1970، ذلك اليوم الأسود في شهر مليء بالأحزان والذكريات المؤلمة قبل وفاته وبعدها.
لقد تربى جيل كامل على مباديء وقيم ناصر، وناضل أكثر من جيل لتحقيق الأهداف التي رسمها من أجل وحدة الأمة وعودة فلسطين لأهلها وتحت عناوين القيم والمباديء والمفاهيم الثورية التي بذر بذورها وأرسى أسسها في خمسينيات وستينيات القرن الماضي حين كان يشير بيده فتتجه الأنظار إلى ما يشير إليه، وحين كان يطلب تلبي القلوب قبل السواعد ما أراد وطلب فسلام على روحه الطاهرة وسلام على كل من ناضل بجانبه وعاضده يوم أن تصدى ببسالة العظماء الملهمين لمعارك الحصار والتجويع والتركيع التي شنت عليه من الاستعمار وأعوانه سواء فيما يخص بناء السد العالي أو بعد تأميم قناة السويس وقبلها في كسر احتكار السلاح ودعوته للحرية وتصديه لحلف بغداد وغيره من المؤامرات في أكثر من قطر عربي لإبقائنا تحت هيمنة الدول الكبرى الناهبة لثرواتنا وخصوصاً النفط ، ولا تزال بعض تلك المعارك تدور رحاها حتى اليوم، ولا تزال أصداء تلك المعارك وعقابيلها تتردد في جنبات الوطن العربي ولا تجد من يكملها بذات السوية التي رآها فقيدنا العظيم ولا بتلك الروح الوثابة والواثقة التي خاض بها الرئيس جمال عبد الناصر تلك المعارك.
إن حال الأمة اليوم أحوج ما يكون لتمثل قيم وأهداف وسلوك ذلك الفتى القادم من أعماق صعيد مصر ومن حر قبائلها العربية من بني مر ليقيم دولة العدالة والكرامة فوق تراب مصر الذي تم تدنيسه لألف سنة بأقدام الغزاة والمماليك ودويلات الطوائف.
لقد كان يوم رحيله يوم حزن وفجيعة عشناه بكل تفاصيله المرة لكننا أدركنا ونحن نودع ذلك الزعيم الخالد أن مواصلة الدرب الصعب سيكون مكلفاً وشاقاً، وها نحن اليوم نرى بأم العين كيف تخلى الوارثون عن ارث قائدهم لندخل وتدخل الأمة حقبة الظلام والموت ونجد أنفسنا اليوم أبعد ما يكون عن تلك الشعارات القومية العظيمة التي نادى بها زعيم الأمة وبطلها الذي ودعته كما يليق بأبطال التاريخ وصانعيه.
لماذا نحتفل كل عام بذكرى وفاة جمال عبد الناصر ونقيم لذلك المهرجانات ونلقي الكلمات ونترحم على ارثه وتاريخه الناصع؟ لاشك أن العظماء يؤسسون بأعمالهم وإنجازاتهم مكانة تتلاءم مع ما أنجزوه وأبقوه لشعبهم ولأمتهم وفي هذا المقام فان الإجابة عن السؤال تطال هذا الأمر وتجليه بأسطع ما يكون من الحقيقة والواقع كما الوقائع والنموذج الذي تركه صاحب الذكرى. هل نتحدث عن تحرير الفلاح المصري من ربقة العبودية والمهانة، أم نتحدث عن إنهاء الملكية البغيضة ومباذلها وفسادها، أم عن تحرير الاقتصاد الوطني وتأميم القناة، أم عن التعليم المجاني والرعاية الصحية وكل ما يمت لرفاهية الشعب المصري وتحريره من الإقطاع ورأس المال التابع والاستغلال البشع والفروقات الاجتماعية المهينة إلى آخر تلك الإنجازات التي تمثل خير شاهد على ضخامة إنجازاته ونوعيتها؟ أم نتحدث عن النموذج في الإنسان الخلوق والمحب لأهله وبلده، نزيه القلب ، نظيف الكف، والبعيد عن كل ما يفسد المرء ويجعله عبداً لنزواته أو شهواته. انه القائد الذي رحل عن عالمنا وهو لا يملك أي رصيد في حسابات البنوك المصرية أو غير المصرية، ولم يورث أبنائه وبناته لا القصور ولا الشركات ولا الأموال المنهوبة من قوت الشعب ولقمة عيشه، ولو اقتصر الأمر على النزاهة والصفات الشخصية ونظافة اليد واللسان لكفاه ذلك تبجيلاً واحتراماً بين أبناء أمته العربية وشعب مصر الذي كان له وفياً في السراء والضراء. ماذا نقول عن تجربة الوحدة مع سوريا وكل تجاربه الأخرى غير أن الرجل استجاب لنبض الناس وأحلامهم فتحمل تبعات ذلك قلقاً وفشلاً ودرساً يستفاد منه للقادم من زمن نرجوه عزيزاً كريماً كما حلم به صاحب الذكرى. هل نتطرق لدعمه للثورات العربية وتحرر الأمة فنذكر الجزائر واليمن وفلسطين وتونس ولبنان ؟ نتذكر اليوم بكل الفخر ذلك الالتزام الكبير والمكلف بوحدة الوطن العربي وتداعيه لنصرة كل قطر يتعرض للخطر وكم كانت مروحة تأثيره واسعة ليس في الوطن العربي فقط بل في كل الدنيا.. آسيا ، أفريقيا ، أمريكا اللاتينية ، وفي كل مكان يتعرض فيه الإنسان للظلم وتجاه كل بلد يتعرض للعدوان وانتهاك الحرية والسيادة.
إن نموذج عبد الناصر صاحب الثورة النظيفة والذي لم تتلوث يداه بدم أبناء بلده لم يتكرر حتى اللحظة في انتظار أن يأتي قائد يرفع راية الأمة وأحلامها فوق أعلى جبل في الوطن العربي وينادي يا أمة العرب ويا أمة جمال عبد الناصر حان موعد الحرية والاشتراكية والوحدة. حان موعد فلسطين وكل أرض عربية مغتصبة لتعود إلى موطنها وأهلها.
اليوم ونحن نحتفل بالذكرى الثامنة والعشرين لرحيل أعز الرجال نتأسى بخلقه الرفيع وبهمته العالية وروحه التي لا زالت تلهمنا لمواجهة الاستعمار وأعوان الاستعمار كما كان يحلو له القول وهو يصرخ يا أمتي إلى الأمام وسننتصر. لجمال عبد الناصر علينا أمران الأول الترحم على روحه الطاهرة صباح مساء ونحن والله نفعل والثاني أن نسير على هدي خطاه الشريفة وصوب الأهداف والقيم التي نادى بها وأمل أن تحقق لنا العزة والكرامة ... فهل نفعل؟.
زياد ابوشاويش