الإعلام المغربي بين شعارالمهنية وعقدة ملف الصحراء الغربية. بقلم:لحسن بولسان لايجهل أشقاؤنا في المملكة المغربية أن أول المبادئ العامة لميثاق الشرف الإعلامي الدولي عموما والعربي خصوصا تقوم على حقين، حق التعبير وحق الإطلاع ، وأن الإعلام مطالب بنشد الحقيقة في خدمة الحق والخير.ورغم الشعار الذي يُرفع في المغرب عن حرية الصحافة ،إلا أنه يبدو جلياً أن هذا المبدأ غائب وأن المهنية والموضوعية والإحترافية صفات لا تتوفر في الإعلام المغربي عندما يتعلق الأمربمعالجة تطورات قضية الصحراء الغربية ، إذ بقيت صورة الشعب الصحراوي بعيدة عن الموضوعية وتفتقر إلى الصدقية والدقة، وتميل إلى التهويش والتهويل والمبالغة، وتعتمد على الأخبار الكاذبة و المحرفة أو المصنوعة ،وظلت صورة مشوهة تواصلت حتى بداية التسعينات ،قبل أن تبدأ محاولات محتشمة لتسليط الأضواء على حقيقة تطورات نزاع الصحراء الغربية التي كانت أكثر من ظالمة لأن الإعلاميين المغاربة لا يرون تطورات النزاع إلا بعين واحدة هي عين النظام والجور والتحريف. فكل ما كتب عن الصحراء الغربية وذيع وبث كان روايات تفتقر إلى الواقع ،خطابها موتوراً.. حاقداً.. مضللاً.. من دون خجل أو حياء وتفشت ثقافة التحريف على نطاق واسع وأضحت مقياساً لتناول النزاع الصحراوي المغربي . وبهذا لا يمكن للباحث عن الحقيقة في المملكة المغربية أن يجدها عند هؤلاء المتأثرين بالدعاية الرسمية وببعض الصور المركبة عن الشعب الصحراوي. وحتى عندما حاولت بعض الأقلام المغربية من قبيل السيد على لمرابط رفع الرقابة الذاتية أتتهم الرقابة الخارجية مدججة بكل الذرائع ورمتهم في السجن. فمنذ إندلاع حرب الصحراء الغربية و الإعلام المغربي يتعامل مع هذه القضية بأسلوب كله إنفعال وعاطفة. ورغم أن الوهم قد إنقشع اليوم بفعل الوقائع على الأرض ، غير أن مايدعو إلى الدهشة أن بعضاً من الوسائط الإعلامية المغربية التي ترفع شعار المهنية والإحتراف مصرة على النوم في سرير الوهم و تحريف الواقع وبعيون معصوبة كي لا تُرى الحقائق التي ظلوا يحجبونها ويُلبسونها أثوابا ليست لها. ولا حاجة للتذكير هنا بأن سيطرة النظام على الإعلام بكل ألوانه وتوجهاته شكل أحد الأسباب الرئيسية وراء عدم قول الحقيقة فيما يخص نزاع الصحراء الغربية ، مما حد بشكل كبيرمن فرص النقاش الموضوعي حول حقيقة كفاح الشعب الصحراوي ومطالب المغرب بمنطقة لا يعترف له العالم بأية سيادة عليها ،وهذا ما أسهم إلى حد بعيد في تدني قدرة الشعب المغربي على فهم حقائق حرب الصحراء الغربية،بالإضافة إلى جهل عدد كبير ممن يكتبون عن الموضوع جوهر الملف ، وتعمد البعض الأخر تشويه صورة الكفاح الصحراوي بسوء نية مبيت. تلفزة إذا شهدتها، و إذاعة إذا سمعتها، ثم جرائد كلما قلبتها وتصفحتها جميعا لاتشعرإلا وأنك أمام مؤسسة واحدة وناي يعزف معزوفة واحدة ولوحة لونها واحد قاتم لايتغير، تحليلاتها وعناوينها وسطورها وما بين السطور لاينطق إلا بلغة ثابتة عنوانها الإساءة لصورة الشعب الصحراوي وعدم تحرى الحقيقة من تزوير وتشويه الحقائق والترويج للكثير من العادات التي يحاوَل فيها رسم صورة عكسية عن واقع كفاح الشعب الصحراوي حتى أصبحت نظرة المغاربة للصحراويين نظرة تعصبية. فمن كتاباتهم ومعالجاتهم ينبثق هذا العزم على تصوير كفاح الشعب الصحراوي تصويرا مشوها.وليس المجال مفتوحا الآن لتعداد مواقف جمة أبرزت هذا التوجه الواضح في الحقل الإعلامي المغربي ، وللتذكير فقط نشير إلى الحملات التي شنها الإعلام المغربي ضد الشعب الصحراوي وكيف حاول أن يعطي صورا كاذبة ومنافية للحقيقة:مرتزقة، إنفصاليون ،ضالون ، أحوش ….هذه بعض من الأوصاف التي كان الإعلام المغربي ينعت بها الشعب الصحراوي وإشتغل على ترسيخها حتى بات البعض يتصور أن في الصحراء الغربية أناس من أكلة لحوم البشر،و حتى أصبحت أغلب عقول أبناء الشعب المغربي محشوة بالأوهام والأخطاء والأفكار المسبقة عن الشعب الصحراوي . لقد ثبت اليوم في المغرب أن أضاليل الإعلام لا يمكن أن تغير الواقع على الأرض فيما يخص تطورات وحقيقة النزاع ،وأن الحال أصبح يجبر الإعلام المغربي أن ينحاز للحقيقة، لأن كل ما يبنى على خلافها هو زائف وخادع.والحقيقة التي تأكدت اليوم بعد حرب مؤلمة بالصحراء الغربية كان ضحيتها الشعبين الشقيقين الصحراوي والمغربي ، لسان حالها يقول إن هناك في أرض الصحراء الغربية شعب لا يرضى بحياة خارج حضنها الدافيء والمستقل والحر، ولا جدوى من التلاعب في الألفاظ والمصطلحات والمسميات إذا كانت الوقائع ومن بعدها الحقائق مدركة بالعين المجردة وبالأبعاد الثلاثية لليقين الذي زرعته تلك الأرض في وجدان الصحراويين على إمتداد مساحتها ، مثلما هو يقين قرارهم بعدم التنازل عن ذرة تراب منها. وقد لا نكون مبالغين إذا أكدنا هنا أنه ورغم التضليل الإعلامي إجتاز الشعب الصحراوي كعادته و بمهارة جميع هذه المؤامرات الضالة ووصل البرالعالي أقوى مكانة ودورا ،بل باتت هذه الحملات إفلاس رسمي لصانعيها ومنظريها وإحباط لمنفذيها.فهذه جريدة المشعل المغربية تنقل في عددها الصادر يوم الخامس أيار2008، عن العاملين بوكالة الأنباء المغربية شهاداتهم "باستفحال الممارسات الضاربة بأخلاقيات المهنة وواجب الحياد والموضوعية عرض الحائط، ،كاشفين "الحملات الممنهجة ضد جهات وصحافيين مستقلين لا يخدمون الطروحات الرسمية للمملكة ". فبعد سنة 1991 أصبح المغاربة يقرون لك أنهم خدعو بحملة تضليل إعلامية واسعة النطاق شنها المغرب بمساعدة جهات غربية وحتى عربية ، ويتسألون عن إنسياق الصحافيين المغاربة وراء الرواية المغربية الرسمية المغالطة والمنافية للحقيقة.فعلى الأرض نرى الأمم المتحدة تأتي للإقليم للإشراف على تنطيم إستفتاء تقرير المصير،و البوليزاريو تطلق سراح الألاف من أسرى الحرب المغاربة ،ووسائل الإعلام الدولية تنقل صور إنتفاضات شعبية بالمدن الصحراوية تطالب بتقرير المصير،.وهاهي البوليزاريو تبسط كامل السيادة على حوالي 33%من تراب الصحراء الغربية وتقيم علاقات دبلوماسية مع مختلف دول وشعوب العالم. لا شك أن هذه الحقائق وغيرها أحرجت الإعلاميين المغاربة لأنه إستحال عليهم إخفاء الحقيقة بسبب تطور وسائل الإتصال وقدرة الإنسان الصحراوي على إيصال حقيقة كفاحه للعالم . وبدأت بعض الوسائط المغربية ولو أنها قليلة في محاولات لوضع الأمور في نصابها وتصحيح المسارات الخاطئة والصور المشوهة الناجمة عن الحملات الإعلامية الدعائية،ولا ننكر أن مبادرات بعض الجرائد ساهمت في نزع تلك الغشاوة التي خلقت أمس على أعينهم وأعين الشعب المغربي أساسا، والمقام سانح أن نعبربإسم كل صحفي وكتاب الساقية الحمراء ووادي الذهب عن كامل تقديرنا لزيارة السادة أحمد بن شمسي والمهدي السكوري عن جريدة "نيشان" المغربية للمخيمات أخيرا وللسيد على لمرابط قبلهم ونأكد للصحافة الدولية والعربية أن هذه المخيمات مفتوحة لكل من يريد الإطلاع على الحقيقة عن قرب ونتمنى أن يتم تجاوز التعتيم الإعلامي المفروض على الشق المحتل من الصحراء الغربية ويسمح للصحافة الدولية بولوجها . صحيحٌ أن محاولات بعض الوسائط الإعلامية في المغرب لن تعيد التاريخ إلى الوراء،ولن تلغي تلك النتائج المأساوية التي سببتها الحرب وما ترتب عليها من نتائج كارثية وخطيرة على المنطقة المغاربية ، لكنّ ذلك قد يشكّل مقدمة لمراجعة جادة لكل ما قيل ونشر وإزالة ذالك الغشاء الأجوف والبحث عن الحقيقة المحجوبة .وكم نطمح نحن أبناء الصحراء الغربية أن نرى الإعلام المغربي حاضرا، تعليقا وتحليلا وتوثيقا، يخدم الرسالة الإنسانية والإعلامية المتوخاة من وسائل الإعلام مجسدا تلك المهنية التي يدعيها اليوم،إنسجاما مع أهم مبدأ للصحافة وهو" الحرص على رفض مبادئ التمييز العنصري، والتعصب بجميع أشكاله، والنضال في سبيل المبادئ العادلة وحق الشعوب في تقرير مصيرها وحق الأفراد في الحرية والكرامة." أليس إمتحان حرية الإعلام في المغرب اليوم يبدأ بالذات بالمعالجة الصادقة للموضوع؟وإعطاء حرية مأمولة في النقاش في تلك الوسائط التي تتدعي الإحترافية والمهنية ؟أليس التميز بالأكيد هوالإلتزام المهني الذي يمر عبر حق القاريء والمستمع والمشاهد في الإطلاع على الحقيقة ولا شيئ غير الحقيقة؟ بالصدق والدقة لا بد أن تظهر الحقائق شفافة، وتتراجع حلبة الرقص الإعلامي ،فتسليط الأضواء على حقيقة كفاح الشعب الصحراوي يجسد خطوة في الإتجاه الصحيح، لأن المعالجة الصادقة للموضوع ستؤسس لمحال لقواسم مشتركة بيننا نحن جميعا كنا في الصحراء الغربية أو في المملكة المغربية ،قواسم يمكن البناء عليها إذا ماتوفرت النيات الحسنة لإحقاق الحق ، وخاصة إذا ما أرادت الرباط تحقيق الحل العادل وضمان السلام الحقيقي بالمنطقة المغاربية،وتنفيذ قرارات الشرعية الدولية ذات الشأن. لقد قلنا من قبل وسنؤكد من بعد إننا لسنا من أكلة لحم البشر، نحن شعب أجبرنا على الكفاح من أجل الحرية والسلام ونكن للشعب المغربي كل الإحترام والتقدير ،ولم يفارقنا أبدا وفي كل الأزمات التأكيد على أن الشعب المغربي شقيق وسنبقى متمسكين بثوابتنا لإحقاق حقنا وضمان الحل العادل وإشاعة السلام الذي نطمح إليه ولكن لا نستجديه . فبهذه الرؤية تتبدل صورة الإعلام المغربي القاتمة،ويتبدل دوره من طرفٍ يوهم بغير الحقيقة ظل مجندا لدعم الحرب ضد الشعب الصحراوي وقرع طبولها وإشعال فتيل نيرانها عمدا في المنطقة، إلى طرف المعالجة الحقيقية ، ومن ثم المساهمة في بناء مستقبل واعد يسعى إلى شد الأواصر وتعميق التفاهم والتفاعل بين الشعبين الشقيقين الصحراوي والمغربي، لا لإشعال الحقد والدغينة بينهما وتهديد المستقبل بالحروب القائمة على أسباب وهمية وخلق أجواء تجسر علاقات الشعبين لتعزيز مفاهيم وقيم التسامح والديمقراطية وإحترام الأخر في الوجود وتحديد ملامح علاقات ثنائية أخوية صادقة بين الدولة الصحراوية والمملكة المغربية . فعندما تتوفر مثل هذه الإرادة وتُعلن على الملأ، يُصبح السلام والحل في متناول اليد وفي مرمى البصر،فالإعلام المغربي بمهنيته والساسة المغاربة بشجاعتهم والصحراويون بحرصهم على تمتين علاقاتهم المستقبلية مع جارهم من الشمال، يتم تحقيق الحل العادل وعندها ستنطفي نيران الثأر الصحراوي وتتعافى المملكة المغربية من وجع الضميرالذي سببته لها مغامرة حرب الصحراء الغربية. لحسن بولسان:صحافي من الصحراء الغربية.
الإعلام المغربي بين شعارالمهنية وعقدة ملف الصحراء الغربي
- التفاصيل
- كتب بواسطة: لحسن بولسان
- المجموعة: مقالات متنوعة
- الزيارات: 6