قال أحد الحكماء لابنه :
( يا بني ، إذا سُئل غيرُك فإيَّاك أن تكون أنت المجيب ، كأنَّك قد أصبتَ غنيمةً ، أو ظفرتَ بعطيَّةٍ ، فإنَّك إن فعلتَ ذلك ، أزريت بالمسئول ، وعنَّفتَ السائل ، ودللت السفهاء على سفاهة صمتك وسوء أدبك )
قوله أزريتَ : أَزْرَى به إِزْراءً قَصَّرَ به وحَقَّرَه وهَوَّنه .. والإِزراء التَّهاوُن بالشيء يقال أَزْرَيْت به إِذا قَصَّرْتََ به وتَهاوَنْتَ وازْدَرَيْته أَي حَقَّرته ؛ فالازْدِراء الاحْتِقارُ والانْتِقاصُ والعَيْبُ وهو افْتِعالٌ من زَرَيْت.
والتعنيف : التعيير واللوم ، وأصلها من ( عنف ) يَعْنُفُ عُنْفاً وعَنافة وأَعْنَفه وعَنَّفه تَعْنيفاً وهو عَنِيفٌ إذا لم يكن رَفيقاً في أَمره ، وهي ضد الرفق.
ودللت السفهاء على : قال بعض أَهل اللغة أَصلُ السَّفَهِ الخُُِفَّةُ ومعنى السفيه الخفيفُ العقل.
ولعلَّ هذه الحكمة تجعلنا على مقالةٍ (فن الإصغاء ) للكاتب ( سيف نصر ) في مجموعة مقالاته بعنوان : ( حزمة ضوء – تأملات في الزمن الآني ) :
فن الإصــغــــاء
الاتصال هو أهم مهارة في الحياة ، فنحن نقضي معظم ساعات اليقظة في الحديث والتواصل الكلامي ، ونقضي سنواتٍ عديدة في تعلم كيفية الكلام ونبدع فيه أحياناً ، وسنوات في كيفية القراءة والكتابة ونتدرب على ذلك مبكراً ، أمَّا الإصغاء بالمقارنة فلم يجد أي نصيب من ذلك في حياتنا ، ولم نسمع بأن هناك منهجاً للإصغاء ، ولا مركزاً للتدريب على فنون الإصغاء ، ولا حتَّى اهتمام على المستوى اسري لهذه المهارة رغم أهميتها. وإنَّ القلَّة التي تجيد فن الإصغاء لم تخرج من إطار الموهبة الفرديَّة أو الاجتهاد الشخصي المحدود.
تختلف مستويات الإصغاء وفقاً لأهميَّة الحديث عندنا عندما يتحدث شخص آخر :
- فيجوز أن نتجاهله ولا نصغي إليه على الإطلاق.
- ويجوز أن نردد أمامه التظاهر بالاصغاء وتردد ( آه ، نعم ، بالله ، ياااخِ ، صحيح...) وبعض الأصوات التي تعبِّر عن المتابعة والانتباه ..
- ويجوز أن نمارس الإصغاء الانتقائي ، وهو الاستماع فقط إلى أجزاء معينة من الحوار وبشكلٍ انصرافيٍّ نقفز من موضوعٍ خر دون ترتيبٍ.
- أو ربُّما نمارس إصغاءً منتبهاً بتركيزٍ واهتمامٍ بقلوبنا وعقولنا ومشاعرنا ، وهو أعلى مستويات الإصغاء .
وهذا الأخير يمكن أن نطلق عليه ( الإصغاء الاستغراقي ) ، وهو الإصغاء بنية الفهم الخقيقي للشخص المتحدِّث عاطفياً وفكرياً من خلال شعوره ، دوافعه ، مرجعياته ، مُثُلِه ، والطرقة التي يرى بها العالم ، وليس مهمَّاً أن نقف أو نتعاطف معه.
العديد منا لا يصغي بنية الفهم بل يصغي بنية الرد ، ويكون ردَّه تعبيراً عن مثلِهِ ورأيه الخاص.
إننا في الغالب لا نسمع آخرين بل ننتظر بنفاد صبر مداخل لأخذ أدوارنا في الحديث ، ونستخدم في ذلك كلماتٍ توقيفيَّة ، أو نكمِّل عبارات الآخرين بكلمات مثل : ( صحيح ، مفهوم ، واضح ..) حتى نتمكن من إبداء وجهة نظرنا بشكل سريع .
إنَّه انتهاز للفرص وشكل من أشكال المبارزة الكلامية ، أو لعبة كرة المضرب ، فعل ورد فعل ، ويفقد الحوار معناه ، ويتجاوز حدود المنطقيَّة أحياناً.
ليس سهلاً أن تكون مستمعاً جيِّداً ؛ فطريقة الكلام تختلف من شخصٍ خر ، ومن حالةٍ خرى ، وتتدرج من هادئةٍ حنونةٍ مرتبةٍ سلسة إلى منفعلةٍ ساخرةٍ غير منسجمةٍ فاترة. إنها فعلاً تحتاج إلى قدر كبير من الطاقة ، وهذا هو التحدي في أن تكون مستمعاً جيِّداً.
إنَّ أسهل طريقةٍ لفهم المتحدِّث والاستمتاع بالحوار أيَّاً كان نوعه أن تسمعه بقلبك وعقلكَ ، وأن تعطيه فرصة التعبير بحرية لتوضيح رأيه كاملاً ، والابتعاد من محاولة إثبات الذات بالمقاطعة ، أو النقد ، أو الانفعال ، وأن تتقبل أفكاره مهما كان رأيك فيها ، حينها ستفهم مشاعره ودواخله وطريقة تفكيره دون عناءٍ ، بل سيكون الحوار مفيداً وممتعاً ومشوِّقاً.