ليس سوى قلم : ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ بوقفة رؤوف

           مقالات كثيرة تطل علينا يوميا في صحافتنا المكتوبة , مقالات تتنوع بين السياسية والاجتماعية والاقتصادية والفكرية والأدبية والدينية , مقالات ذات طابع تحليلي أو تقريري أو تقيمي أو نقدية

مقالات تختلف من حيث قوة تأثيرها على القراء ,فهناك مقالات يقف المرء عند كل سطر فيها ,مدققا كل كلمة من كلماتها ,يتفاعل مع موضوعها , ويعيد قرأتها , وربما يحتفظ بها كقصاصة , و هناك مقالات يندم أنه قرأها لأن موضوعها ربما كان تافها وان كان مهما فربما عولجت بطريقة سيئة

 هناك مقالات يشعر القارئ فيها أنه أضاف معلومة جديدة لرصيده الثقافي ,أو أنها بجد عالجت شيء من اهتماماته ,أو عبرت عن ما يختلج صدره بكل أمانة,وهناك مقالات اقتصرت وظيفتها على ملء جزء من الصحيفة , لكن ماذا بوسعنا سوى أن نقول إنها سنة الله في خلقه هناك الجيد والرديء , القوي والضعيف ,الجميل والقبيح ,هذا التدرج في القوة والجمال والتأثير لا يقتصر على أنواع الحيوات من إنسان وحيوان ونبات بل يتعدى إلى الأفكار والمواضيع باعتبارها انعكاس لشخصيات كاتبيها ,لكن الأمر المهم هنا هو أنه مع اختلاف الكتاب وتفاوت مستوياتهم التعليمية و مكتسباتهم الثقافية ومداركهم الفكرية إلا أن أداة تعبيرهم واحدة وهي القلم

ووظيفة القلم غير باقي الوظائف ,ممزوجة بالفرحة والألم توقظك الأفكار ليلا وهي تصرخ في اضطراب وأنت تهرع لتمسك بالقلم حتى تجسدها في الورقة , إن الأفكار حين تكون في الرأس تكون كالأرواح الهائمة تثير  الرعب والفزع تصرخ هنا وهناك ولا تهدأ حتى يعثر على جثتها وتوارى في القبر أين ترتاح الراحة الأبدية وراحة الأفكار الهائمة حين تدون في ورقة , إن القلم يأبى أن يداهن أو ينافق يأبى المناورة والمراوغة يأبى كتابة مقال تراه ابيض كجير المقابر وداخله تجد جثث متحللة , إن القلم قديس ,خيانته لا تغتفر وليس لها توبة وأسأل الله أن يكون في عون حامله لأنه وان بدا مبتسم فان همّ الكتابة لا يفارقه ,مسؤولية كشف الأخطاء والمطالبة بتصحيحها لا حبا في الفضيحة لكن عملا بواجب النصيحة يأبى أن يكون شيطانا أخرس ,ان القلم لا يجلب لصاحبه سوى المتاعب لكن صاحبه لا يستطيع الاستغناء عنه فهو قلبه النابض الثاني وهو توأم روحه ,فالزوجة تناصبه العداء لأنه ينافس زوجها في وقتها وغيرها يناصبه العداء لأنه عين سحرية يبرز ما مورس في خفاء ان القلم يسبب لصاحبه قبل غيره الألم لكن شتان بين الألمين وحتى الطبيب لا يستطيع علاج هذا الألم وان كان مجرد ألم وأحسن من عبر عن هذه المعاناة أحمد مطر حين قال :

جسَّ الطبيبُ خافقـي

وقـالَ لي :

هلْ ها هُنـا الألَـمْ ؟

قُلتُ له: نعَـمْ

فَشـقَّ بالمِشـرَطِ جيبَ معطَفـي

وأخـرَجَ القَلَــمْ!

**

هَـزَّ الطّبيبُ رأسَـهُ .. ومالَ وابتَسـمْ

وَقالَ لـي :

ليسَ سـوى قَلَـمْ

فقُلتُ : لا يا سَيّـدي

هـذا يَـدٌ .. وَفَـمْ

رَصـاصــةٌ .. وَدَمْ

وَتُهمـةٌ سـافِرةٌ .. تَمشي بِلا قَـدَمْ !