كتبهـا : سالم أيوب
لا أعلم ما سبب اختيار الحزب الديمقراطي الأميركي لصورة الحمار كشعار للحزب، كما أنني لا أعلم لما اختار الجمهوريين الفيل لحزبهم أيضاً. لكن هذا غير مهم الآن بعد نجاح السيد باراك أوباما بانتخابات الرئاسة القادمة. لقد كتبت ثلاثة مقالات سابقة أعبر فيها عن عدم تأييدي لدخوله البيت الأبيض كرئيس، ولكن بعد أن حدث ما حدث صباح هذا اليوم، الذي اعتبره مأساوياً لكافة قطاعات المجتمع الاميركي، فلا مجال أمامي إلا أن أقبل بأوباما رئيساً "أسوداً" أميركيا ولو إلى حين ميسرة.
أرجوا ممن يقرأ لي أن لا يفسر موقفي هذا بالعنصرية.. فأنا لست كذلك.. ولست أميركياً أيضاً ولا أحمل غير جنسيتي التي ولدت بها، ولا أحب السياسة الأميركية ولا ساستها بل أعنفها دائما منذ أن عرف القلم دربي في الكتابة. ولكني بكل فخر أقول، ومن حقي ذلك فكلما عطست أميركا أصبنا نحن بالانفلونزا، أنا لا أقبل بأن يكون الرئيس الأميركي القادم أسود البشرة، حيث كان عِّرقه وإلى زمن قريب يستلهم الهمم كي يهرب من تحت عباءة العبودية أو العنصرية التي سادت المجتمع الأميركي "المستنسخ" منذ نشأته. فلا أحد يعلم ما الآتي مستقبلا! فالمجتمع الأميركي عنصري من الدرجة الأولى مهما حاولنا أن نقنع أنفسنا بغير ذلك.
لقد عانا "النيجرز" كثيراً من العنصرية في المجتمع الاميركي الأصيل، بيض البشرة، وصلت إلى حد المهانة، خلال النصف الأول من القرن الماضي وإلى بداية السبعينيات، حين كان يكتب على واجهات المحال التجارية وخاصة المطاعم عبارة "ممنوع دخول الكلاب والسود" بالإضافة إلى ما يلقونه من شركة خطوط أتوبيسات، مدينة مونتغمري في ولاية ألاباما، التي اشتهرت بإهانة عملائها من الافارقة، حيث كانت تخصص لهم المقاعد الخلفية في حين لا تسمح لغير البيض بالمقاعد الأمامية.
عنصرية المجتمع "الأبيض" التي جاءت بعد تحرر الزنوج الأميركيين، أفرزت في خمسينيات القرن الماضي مارتن لوثر كينغ، كاهن الكنيسة المعمدانية في أتلانتا والحاصل على شهادة الاختصاص في علم الاجتماع، كزعيم أميركي لذوي الأصول الأفريقية. فنشط سياسيا وإنسانيا مطالبا بإنهاء التمييز العنصري ضد بني جلدته. تابع مارتن لوثر كينغ ورفاقه نضالهم من اجل الحقوق المدنية للسود في الولايات المتحدة، وراحوا يحرزون الانتصار تلو الانتصار.
ولكن مع بداية العام 1964 بدأت أعمال الشغب تتكاثر في مختلف أنحاء البلاد وخصوصا مع ازدياد أعمال العنف التي ارتكبها العنصريون من أعضاء منظمة "كوكس كلان" ومثيلاتها، وراح الضحايا من السود يسقطون في هارلم ونيوجرسي وايلينوي وبنسلفانيا. ومع أن عام 1965 شهد انتصارا آخرا "للنيجرز" حين وقع الرئيس نيكسون القانون الذي يمنح السود حق الاقتراع في الانتخابات، ولكنه شهد أيضا اغتيال المناضل الأسود المعروف باسم "مالكوم X".
تابع العنصريون البيض أعمال الشغب لإرهاب السود وثنيهم عن مطالبتهم بحقوقهم. فكانوا يتصدون للمظاهرات السلمية التي يقوم بها هؤلاء. وكان أسوأ أعمال الشغب ما حصل في مدينة ديترويت عام 1967 وحصد أكثر من 367 بين قتيل وجريح. مما دفع الزعماء السود مارتن لوثر كينغ وفيليب راندولف وروي ويلكينز وويتني يونغ إلى توجيه نداء بوقف أعمال العنف. وفي ابريل 1968 وأثناء جولة لمارتن لوثر كينغ في مدينة ميمفيس، وفيما كان يخطب في الجماهير المحتشدة أمام الفندق الذي كان مقيما فيه، أطلق عليه قناص النار فأصابه في عنقه، ثم توفي في المستشفى بعد ساعات قليلة.
سردي لملخص تلك الأحداث هو للإشارة إلى أن هناك حقد دفين بين السود والبيض لن يتمكن باراك حسين أوباما من محو آثاره بين فئات مجتمع متعدد للأعراق والأثنيات والطوائف والأديان والمذاهب. أضف إلى ذلك ازدياد عدد الأميركيين ذوي الأصول اللاتينية الذين باتوا يشكلون عنصر ضغط كبير وفعال أثرت بشكل واضح في انتخابات الرئاسة الجديدة. ولا أعتقد أن أوباما سيكون رئيسا توافقيا كما يروج له في وسائل الإعلام، فالتحديات التي تواجه الأسود القادم إلى البيت الأبيض هي أكبر بكثير من الشعارات المأمول تحقيقها.
ذي بلاك بريزيدنت نيدس تو ييرز، أور مايبي مور، تو أوفرويلم ذي إيكونوميك كرايسيس ويتش سيبريدد رابيدلي أوول أووفر ذي وورلد، عفوا لقد كتبت منطوق تلك الجملة الانجليزية بالعربية لمن يدعون أنهم مثقفون أو ممن يعيشون في الولايات المتحدة من العرب ويدعون أنهم أخبر منا نحن بالشؤون الأميركية، وترجمتها "قد يحتاج الرئيس الأسود لعامين، أو أكثر، لمعالجة الأزمة الاقتصادية التي تتأثر بها أصقاع العالم كله". والسؤال هنا، هل سيجد الرئيس الأسود متسعاً من الوقت كي يكون توافقياً؟!
أزمة الاقتصاد العالمي التي تسببت بها الولايات المتحدة في طريقها للتسبب في ركود اقتصادي عالمي نأمل أن لا تكون نتائجها كنتائج الركود الذي حدث عام 1929. في ذلك الوقت جاءت للعالم مصيبة اسمها "هتلر"، وإن كنت لا أكرهه، وبحرب عالمية كان ترتيبها الثانية بين أقرانها ذهب ضحيتها ملايين البشر. وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية اتخذ الاهتمام الأميركي بالمنطقة أبعاداً جديدة، وذلك عندما خرجت الولايات المتحدة المتعطشة للنفط منتصرة من تلك الحرب، وأخذت على عاتقها صياغة نظام عالمي جديد كان الشرق الأوسط يمثل أولوية مركزية فيه. وفي إطار النظام الجديد خاضت الولايات المتحدة حرباً أخرى باردة مع الاتحاد السوفييتي الذي كان متعطشاً هو الآخر لمصادر الطاقة في المنطقة.
الخوف كل الخوف يكمن بالسر الذي من ورائه نجح باراك أوباما في معركة الرئاسة!! لقد عاصرت بضع حملات انتخابية للجمهوريين في سباق الرئاسة الى البيت الأبيض، وتابعت جيدا كيف كان نزالهم في المعارك السابقة، فهم كالضباع الكاسرة على الفريسة. أما ما حدث خلال هذه الحملة وما أفرزته من نتائج، أكاد أجزم أن من كان يتنافس مع الديمقراطيين ليسوا الجمهوريون. فنجاح أوباما الأسود ليس من قبيل الصدفة بل هو مخطوط له ذلك.. فعار مصائب الركود القادم يراد له أن يوصم بعرقيات أخرى يتشكل منها المجتمع الأميركي "السود". فعلى صعيد الداخل الأميركي نحن أمام تفتت لكيان فيدرالية الدولة وإلى الكونفدرالية وثم الانفصال والاستقلال التام. قد يكون البعض لا يعلم الفرق بين الفيدرالية والكونفدرالية والأمانة الصحافية تفرض علي أن أشرح المفهومين كي نقف أمام مشهد جلي لأسباب نجاح أوباما بالسباق الرئاسي.
فالفيدرالية تعني الاتحاد الاختياري أي التعايش المشترك بين الشعوب والاقليات وحتى بين الشعب الواحد في أقاليم متعددة، والاتحاد الاختياري هو أحد ممارسات حق تقرير المصير، المنصوص عليه في العهود والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان وميثاق الأمم المتحدة.
وعرفت الفيدرالية بتعريفات عدة منها : "الدولة الفيدرالية، هي دولة واحدة، تتضمن كيانات دستورية متعددة، لكل منها نظامها القانوني الخاص واستقلالها الذاتي، وتخضع في مجموعها للدستور الفيدرالي، باعتباره المنشئ لها والمنظم لبنائها القانوني والسياسي، وهي بذلك عبارة عن نظام دستوري وسياسي مركب".
أما الكونفدرالية : "هي اتحاد بين دولتين أو أكثر من الدول ذات الاستقلال التام بعد عقد معاهدة تحدد الأغراض المشتركة التي تهدف الدولة الكونفدرالية إلى تحقيقيها ويتمتع كل عضو فيها بشخصيةٍ مستقلة عن الأخرى وتديرها هيئات مشتركة.. تتكون من ممثلين من الدول الأعضاء لتحقيق الأهداف المشتركة وهذه الهيئة تسمى الجمعية العامة او المؤتمر وأعضائها يعبرون عن رأي الدول التي يمثلونها، وتصدر القرارات بالإجماع، وتعتبر نافذة بعد موافقة الدول الأعضاء عليها".
والفرق بين الدولة الفيدرالية والكونفدرالية هو :
1 لكل دولة عضو من أعضاء الاتحاد الكونفدرالي الحق في ممارسة السياسة الخارجية والتمثيل الدبلوماسي الفعلي. أما أعضاء الدولة الفيدرالية فلا يحق لهم ذلك ويكون التمثيل الدبلوماسي والسياسة الخارجية من اختصاص السلطة التنفيذية في الدولة الفيدرالية الحكومة المركزية.
2 لدول أعضاء الدولة الكونفدرالية حق إعلان الحرب بشكل منفصل. أما أعضاء الدولة الفيدرالية حكومات الأقاليم لا يحق لهم ذلك، لأنه من صلب صلاحيات الحكومة المركزية الحكومة الفيدرالية.
3 الحرب التي تحدث بين أعضاء الدولة الكونفدرالية حرب دولية، أما الحرب التي تحدث بين أعضاء الدولة الفيدرالية فهي حرب داخلية إقليمية.
4 كل خرق للقانون الدولي من قبل أحد أعضاء الدولة الكونفدرالية يتحمل نتائجه وحده وليس بقية الأعضاء والعكس هو الصحيح في الدولة الفيدرالية.
5 تشرف على الدولة الكونفدرالية هيئات مشتركة بين الدول الأعضاء، أما في الدولة الفيدرالية الحكومة المركزية هي التي تدير الدولة وتترأس أعضائها.
6 يحق لكل دولة عضو في الاتحاد الكونفدرالي الانسحاب متى شاءت لكونها دولة مستقلة، أما أعضاء الدولة الفيدرالية فليس لهم الحق لأنهم يعتبرون أقاليم وجزء لا يتجزأ من الدولة الفيدرالية.
7 مواطنو الدولة الكونفدرالية يتمتعون بجنسية بلدهم وليست هناك جنسية موحدة للدولة الكونفدرالية، أما مواطنو الدولة الفيدرالية يتمتعون بجنسية الدولة الاتحادية الفيدرالية وهناك جنسية موحدة للدولة الفيدرالية عكس الدولة الكونفدرالية تتعدد الجنسيات بتعدد الدول.
8 في الاتحاد الكونفدرالي يتعدد رؤساء الدول بتعدد الدول، حيث لكل دولة رئيسها، أما الدولة الفدرالية المركزية تتميز بوحدة رئيس الدولة وسيادة موحدة.
مما سبق، أخشى أننا أمام تكرار لمشهد الحرب الأهلية الأميركية 1861 1865 التي نشبت بين الحكومة الفيدرالية التي عرفت بـ"الاتحاديون" مقابل أحدا عشر ولاية جنوبية متمسكة بالعبودية. فقد أسست هذه الولايات ما سمي الولايات الكونفدرالية الأميركية وأعلنت انفصالها عن باقي الولايات الشمالية. وقد نكون أمام رئيس أسوأ من الرئيس السابق جيمس بوكانان الذي أوصل عهده إلى انفصال الولايات الجنوبية، ولم يمنع نشوب الحرب الأهلية التي خلفت أكثر من 970,000 قتيل 3% من مجموع السكان في ذاك الوقت تتضمن مقتل 620,000 جندي ثلثيهم عن طريق الأمراض.
الرئيس الجديد باراك أوباما، الطامح إلى انعاش الاقتصاد الأميركي من غيبوبته المصرفية، يأمل أن يجد الحلول المناسبة لمنع حدوث الركود الاقتصادي في الولايات المتحدة والعالم، مع أني أشك في نجاحه، فالأزمة الحالية كبيرة جداً لدرجة أن أميركا التي ترزح تحت طائلة مديونيات تبلغ 20 تريليون دولار، وحربي أفغانستان والعراق، لن تستطيع أن تستمر بضخ حوالي بـ 5 تريليون دولار أخرى لسد العجز المصرفي للبنوك الأميركية.
إذاً ما العمل؟ أعتقد أن خروج الولايات المتحدة من واقع الازمة بات مستحيلاً! والمشهد أمام مفترق طرق أولهما التمهيد لكونفدرالية تجمع الولايات الخمسين كمرحلة أولى في مسار الانفصال للكيان الفيدرالي، وإذا فشلت تلك المحاولة فنحن أمام حرب أهلية محتملة. أما الثانية فهي خوض "حروب النفط" خوفا من فك الدول المنتجة بيع نفطها بالدولار بعد التضعضع المحتمل لقيمة الدولار في الأسواق العالمية. وأعتقد أن التركة الثقيلة جداً التي سيخلفها جورج بوش ورائه كانت سبباً مقنعاً للكثير من أعضاء الحزبين الجمهوري والديمقراطي للعزوف عن تحمل مسؤولية المستقبل المظلم للولايات المتحدة بسبب أن التاريخ لا يرحم من يعبث عبطاً بمستقبل مصائر عالم ويرهنه لصالح أشخاص بمؤسسات أرادت الهيمنة على العالم من خلال آلة عسكرية طورت لأغراض التدمير والنهب لا التعايش السلمي.
الساسة الأميركيون أدركوا هذا الأمر فلا أذكياء حزب "الفيل" ولا "الحمار" تسابقوا لتحمل المسؤولية بالوصول إلى المكتب البيضاوي. ففي كلا الحزبين هناك سياسيون كبار لم يوضعوا على أجندة التصفية الداخلية لنيل دعم الحزب للترشح لانتخابات الرئاسة. من هي هيلاري وما هو ثقلها في حزب "الحمار"؟ ومن هو أوباما أيضاً؟ كذلك، من هو ماكين؟ فهو رجل قناعات أكثر من رجل حزب, ويدير ظهره أحيانا للنواب الجمهوريين بل حتي لجورج بوش نفسه, خصمه في الانتخابات التمهيدية في2000. وقد تخلي عنه معظم شخصيات الحزب الجمهوري ومنهم علي سبيل المثال وزير الخارجية السابق كولين باول. لقد وضع الحزب الجمهوري ماكين لخوض سباق الرئاسة لأنهم يعلمون مسبقا عدم نجاحه، وأشك أن ماكين وضع بيلين نائبة له كي لا يربح هو أيضاً في السباق. وإلا ما تفسير أن تمويل حملة أوباما وصل الى مليار دولار في حين أن ماكين لم يتعنى غير أن يضع لحملته تمويل خاص لا يتعدى 5 مليون دولار! لهذا أعتقد أن ترشيح أوباما والتخطيط لنجاحه بشتى الطرق جاء على مقولة "ما في بهلبلد غير هالولد" من يتمتع بعنصر الغباء المستفحل كي يكيدوا له مصيبة أنه أصبح رئيساً للولايات المتحدة في ظروف لا يعلم أحد عقباها على الجميع.
ربما لم نجب صراحة عن سؤال عنوان المقال ولكن بكل تأكيد نفضنا بعض التراب عن عقول كثيرة أرجو أن لا تنساق وراء ما يروج إعلامياً عن أسباب نجاح أوباما كالأزمة الاقتصادية حرب العراق وأمور أخرى كأنه الرئيس التوافقي وأن بايدن هو العقل والسياسي المحنك! فما وراء الأكمة من مشاهد لأحداث غير متوقعة قادمة ستصعق العقول والقلوب.