محمود أبو الوفا .. الشاعر البائس
ياسر محمد غريب مصر
شاعر أصيل كادح، يواجه عاهة دائمة، وفقرا يتفق مع عاهته في صفة الدوام، وقد تجاوز الستين من عمره وما زال يتردد على عمله كل يوما متوكئا على عكازه، وما هذا العمل؟ إنه التصحيح في إحدى المطابع، ولو استغنت عنه المطبعة لمات من الجوع، وهو يقيم في منزل متواضع إيجاره الشهري مائة وعشرين قرشا، ولا يتوفر له في هذا المسكن جو الراحة النفسية أو الدراسية العلمية أو الترفيه الذهني ... وهذا الشاعر يعيش بفكره ومشاعره وانفعالاته ووثباته الذهنية كل دقيقة من يومنا، بل كل دقيقة من غدنا. وهو عصامي بني نفسه كفنان أصيل، وبنى نفسه كشاعر عميق نابض، أحس إنسانيته وآمن بالإنسان .
هذا ما قاله الشاعر كامل الشناوي عن شاعرنا البائس محمود أبو الوفا منذ ما يقرب من أربعين سنة، وقد عاش هذا الشاعر بعد ذلك عشرين سنة، وحاله لم تتغير إلى الأحسن، بل لقد زادت سوءا. وهذه الظروف الاجتماعية القاسية التي حاصرت أبو الوفا قد خلقت عنها حالة نفسية لا تقل قسوة؛ يعبر عنها الشاعر بقوله :
|
بدت فلم تلق فيها أى إقبال |
|
كأنني فكرة في غير موضعها |
وقد فاق محمود أبو الوفا شيخ المعرة في مآسيه، فلم يكن رهين محبسين كأبي العلاء ، بل كان رهين محابس ثلاثة؛ عينه التي فقد الإبصار بها، وساقه التي بترت بعد مرض، وداره التي لم يكن يغادرها .
بينه وبين شوقي :
ويحكي أبو الوفا عن نفسه فيقول: إن شوقي أمير الشعراء .. ازدراني عندما رآني أول مرة، وصغرت في نظره لعرجي، كنت أرتضي الزي الذي ارتضيته لنفسي..الجلباب والطاقية والبالطو..والعكازة التي هي ساقي الثانية..ونفر شوقي من ذلك المنظر السوقي في الحفل الكبير، واستعظم أن يشارك في الحفل شاعر على هذا النحو.. فنفرت منه بدوري، وقاطعته بعد أن ألقيت قصيدتي وأفحمته..ولقد تراجع شوقي بعد هذا الحادث، وأسف وسعى إليه وقال في مناسبة سفره إلى أوربا لتركيب ساق صناعية له:
|
ساق فكيف إذا استعاد الساقا ؟! |
|
سباق غايات البيان جرى بلا |
فلسفة الشاعر في الحياة :
أما جماع فلسفة الشاعر ومذهبه الفني فيلخصها في أبيات منتقاة تتصدر غلاف ديوانه .. أنفاس محترقة يقول فيها :
|
من راغب في فؤاد صادق حان؟ |
|
أمشي وقلبي على كفي أقول ألا |
إن الظروف القاسية التي مر بها الشاعر جعلته يرى نفسه أهلا لأن يكون بديلا لـ " لجان فالجان " بطل رواية البؤساء، وفي ذلك نراه يخاطب فكتور هوجو قائلا :
|
يشكو من الزمن اللئيم العاتي |
|
يا صاحب البؤساء جاءك شاعر |
ويبدو أن الصبغة الحزينة البائسة التي طبع بها شعر أبو الوفا، هي التي بعثت في كلماته الحياة، والتي – لولاها – لكانت عرائسا من الشمع باردة لا حراك فيها، ولا روح بها، وعن ذلك يقول مصطفى صادق الرافعي: "ولولا أن الحكمة وفت الأستاذ أبو الوفا قسطا من الألم، ووهبته نفسا متألمة؛ حصرتها في أسباب ألمها حصرا لا مفر منه، لفقدت زهرته عنصر تلوينها، ولخرج شعره نظما حائلا مضطربا منقطع الأسباب من الوحي، غير أن جهة الألم منه هي جهة السماء إليه".
وإننا لنظفر بهذا اللون في معظم قصائد أبي الوفا، والتي يتحدث فيها عن معاناته في عالمه، وعن آماله المحطمة وعن مشاعره المحترقة فهو يقول في عن حظه النكد، ودنياه التي لا تسمح له حتى بالابتسام:
|
أن عاقبتني على بعض ابتساماتي |
|
أحب أضحك للدنيا فيمنعني |
آمال أبي الوفا وآلامه :
ويرى الدكتور أحمد زكي أبو شادي أن أبا الوفا فاض شعره عن ثورة الحرمان، فعبر عن آلامه وآلام أمثاله، ثم آمال أمته الراسفة في الهوان والفاقة والجهل والمرض، وأنحى باللائمة على المسئولين بدئا بوالده حيث قال:
|
ووالد أنجبا للبؤس أمثالي |
|
أبي وفي النار مثوى كل والدة |
وقراءتنا لدواوين أبو الوفا تدفعنا إلى أن نقرر أن الأبيات السابقة ليست كما يوحي كلام الدكتور أبو شادي معاتبة للقدر وساخطة عليه، بل هي لا تعدوا أن تكون مداعبة فكرية طريفة لذهن المتلقي لا أكثر؛ ذلك أن حياة أبو الوفا تدل على أنه كان رجلا مؤمنا بقضاء الله وقدره، فعندما عمى أبو الوفا سنة 1969م، كان خاضعا لأمر الله وقضائه، فبعد أن انضم فقد البصر إلى فقد الساق والفقر وهي كما قال الشاعر :
|
لما أمهرن إلا بالطلاق |
|
مساو لو قسمن على الغواني |
يقول صابرا محتسبا :
|
ويا معطي الليل الظلام فأظلما |
|
تبـاركت يا معطي النـهار ضياءه |
وكان أبو الوفا إنسانا مؤمنا بدينه ووطنه، لا يحركه عن هذا الإيمان شيء مما لاقى من النوائب، وكذلك لم تبهره شهوات الدنيا وملذاتها، والتي رآها عن بعد أو عن قرب؛ فعندما سافر إلى باريس للعلاج وأمضى بها ما يقرب من سنة لم يستطع أن يستسيغ الإباحية التي رآها في أوربا تحت عنوان التحضر والمدنية والحرية، وهو في ذلك يختلف عن أولئك الذين ما إن تطأ أقدامهم هذه البلاد الباردة، أو يشمون رائحتها يجري لعابهم ويخلعون عن أنفسهم لباس الدين والوطن؛ فكتب وهو في فرنسا في إحدى قصائده التي يعلن فيها براءته من هذا التحضر الزائف، ويعلن ولائه لوطنه ولغته من قلب فرنسا ويقول:
|
في مصر أو في الشام هن بلادي |
|
وطني هـو الفصحى فكل بلادها |
ولعل خير عزاء لهذا الشاعر الذي يجهله الكثيرون هو تلك الكلمات التي قدم به الدكتور عبد الحليم محمود شيخ الأزهر ديوانه الأخير حيث قال: " كذلك عاش أبو الوفا حياته وطنيا ثائرا ومجاهدا صادق العزم في سبيل وطنه، وكان الشعر سلاحه في الدفاع عن قضاياه، ويتميز شعره في هذا المجال بالصدق والقوة والحماسة التي تلهب المشاعر، وتستجيش النفوس وتستنهض الهمم والعزمات .
المرأة عند أبي الوفا :
وهناك جانب أخر في حياة أبي الوفا لا نستطيع إهماله هو المرأة، فهو شاعر رقيق القلب، شفيف العاطفة، إذ كان شعره مزيجا من الأنفاس المحترقة والأشواق الملتهبة، فقد كان يحمل بين جنبيه قلبا عامرا بالحب والجمال، ولعل من حظه النكد أن هذا القلب المرهف الحس لم يبل مع الأيام، بل
زادته – كالجوهر – قيمة وصفاء؛ لذا كان محط الإهمال عندما كبرت سنه، وفي ذلك يقول :
|
هيهات تسمعني رباب |
|
الحب يصقله العتاب |
وشاعرنا في الحقيقة لم يكن بأحسن حالا في شبابه منه في هرمه، فقد لازمه الصدود والنكران فتى وشيخا:
|
سأظل أشكو في الحياة بضيق ؟! |
|
رباه ما هذا الشقا وإلى متى |
ورغم ذلك فإن أبا الوفا كان يتمنى أن يصل كل عاشق إلى مراده، وهو ما وصفه سيد قطب بلهفة المحروم الذي لا يهم بإطفاء هذه اللهفة ولا يجشم نفسه عناء إروائها، بل يكتفي بالأسف من بعيد فاستمع له، وهو يقول :
|
ليتني كنت إلها |
|
آه يا يوم لقاها |
|
كنت صيرتك في الأيام يوما لا يضاهى | ||
فنلمح فيها جشع المحروم حين يجد، أو يتصور أنه وجد، وأكثر تلك اللهفة وهذا الجشع على المرأة، فالمرأة على أمثاله أبعد منالا حتى من المال فهو أكثر لهفة عليها وأكثر جشعا في الاستمتاع بها.
( وأبحت الناس للناس خدودا وشفاها ) وبالطبع فهو في مقدمة هؤلاء الناس .
ولغصة الحرمان في شعر أبو الوفا مواطن كثيرة من أبدعها وأجملها قصيدته "تغريدة " التي يقول فيها :
|
نوحي بشكواك أو نوحي بشكوانا |
|
صداحة الروض ما أشـجاك أشـجانا |
وإذا كان أبو الوفا أفاض كثيرا في شعره عن هذه الآلام وهذا البؤس فهو يرى أنه كبح جماح نفسه عن الحديث عن هذه المعاناة، لأن الأوتار لا تتحمل أنغامها الحزينة:
|
أخشى أغنيها |
|
في مزهري ألحان |
محمود أبو الوفا في عيون معاصريه :
وتباينت الآراء كثيرا حول محمود أبو الوفا، فعباس العقاد يراه شاعرا مجيدا ويستحق الالتفات إليه، على الرغم من أن أبا الوفا يروي أن العقاد كان يذهب إليه ليطلعه عما كتبه عنه وكأنه يريد مني لثم يده !! والرافعي يقول عنه إنه شاعر ملء نفسه ما في ذلك شك، أما سيد قطب فيعده شاعرا حتى ولو لم ينظم بيتا واحدا من الشعر، وعلى الجانب الآخر نجد طه حسين يقسو على محمود أبو الوفا كثيرا ويتحامل عليه ولا يعتبر ما كتبه شعرا بل هو مجرد نظم ركيك. ولكن د / محمد مندور يتخذ موقفا وسطا من الفريقين ويراه من شعراء الأعراف .
بين طه حسين و أبو الوفا :
ويروي الأديب وديع فلسطين واقعة هامة عن نقد طه حسين لأبي الوفا فيقول: عندما صدرت الطبعة الأولى من ديوان أنفاس محترقة للشاعر محمود أبي الوفا بمقدمة للدكتور يعقوب صروف، طلع الدكتور طه حسين على قراءة جريدة الوادي بمقال نقدي عاتب فيه صروف لاهتمامه بتقديمه هذا النظم إلى القراء، وقال عن شعر الشاعر أنه نظم ولا شعر فيه … …
ولما قرأت مي زيادة مقالة طه حسين هاتفته هو وصروف ودعتهما لزيارتها في منزلها في موعد حددته لهما. وفي يوم الوعد جاء طه حسين وكان يعاني ضيقا بسبب فصله من الجامعة، فاصطحبته إلى شرفة المنزل ريثما يجيء فؤاد صروف، فلم يكد يجلس على المقعد حتى انقبضت عضلات وجهه وأخذ يتأفف ويعيد التأفف في نقمة على أولئك الذين أبعدوه عن كلية الآداب، ولما تكررت أصوات التأفف والزمجرة، أرادت مي أن تسري عنه فرددت على مسامعه قول الشاعر :
|
أن عاقبتي على بعض ابتساماتي |
|
أحب أضحك للدنيا فيمنعني |
فوجم طه حسين ثم سألها: ماذا قلت؟ فأعادت رواية البيت. فقال طه حسين لمن هذا الشعر؟ فلم يعرض على من قبل؟ فأجابت مى : لواحد من الشعراء، والشعراء كثير نحفظ أشعارهم وننسى أسماءهم، فألح طه حسين في معرفة قائل هذا الشعر الجميل فقالت مي: إنه لمحمود أبي الوفا .
واربد وجه طه حسين حين سمع اسم الشاعر الذي قسا عليه قسوة شديدة . وحدث نفسه قائلا: ماذا يقول الناس لو نقلت هذه الواقعة وهم الذين قرءوا أحكامي الجائرة على هذا الشاعر، في حين أن بعض شعره لم أسمع به من قبل؟ وطلب من مي أن تكتم هذا عن الناس، ولاسيما عن الشاعر، ولكن مي قالت:"بشرط أن لا أكتمه عن فؤاد صروف الذي كتب مقدمة الديوان، ونال ما نال من النقد". ثم حدث أن عرف الجميع هذه الواقعة بعد، فليس بين الأدباء أسرار ..
ماذا يريد أبو الوفا :
وأخيرا؛ فإننا نقف طويلا أو قصيرا أمام الإبداع ثم نجتهد في معرفة ما هي الرسالة الموجهة التي يريد الأديب بثها في النفوس، إلا أن أبا الوفا كفانا مؤنة البحث عندما أوضح لنا في مثالية صادقة هادئة وهادفة ماذا يريد عندما قال :
|
على من ليس يملك ما يريد |
|
أريد وما عسى تجدي أريد |
وبهذه الأمنية الجميلة يتوجه إلى الحياة ذلك الشاعر الذي خاصمته الحياة، وبهذه الدعوة الخيرة يصلى في محرابها ويريد لها الحب .. والسلام .