بسم الله الرحمن الرحيم
تكملة الجزء الثاني من البحث الأول :
ولأن اليوم ليس الأمس فشباب اليوم ليسوا هم شباب الأمس ، و أحلام و آمال الشباب اليوم تختلف عن أحلام و آمال شباب الأمس ، وقضايا و هموم شباب اليوم تختلف عن قضايا و هموم شباب الأمس ، كما أن قضايا شباب الغد لن تكون متطابقة بالكامل مع قضايا شباب اليوم .
وفي هذا البحث نحاول أن نستعرض أهم قضايا و هموم وتطلعات جيل الشباب ، مع اعطاء رؤية و حلول لما يواجهه الشباب من قضايا شائكة ، ومشاكل مستعصية .
وهي بالتأكيد ليست قضايا سهلة الحل ، ولكنها ليست صعبة أيضا" اذا توفرت عند جيل الشباب الإرادة الفولاذية ، والعزيمة القوية والثقة بالنفس ، والهمة العالية ، والنشاط الدائم .... فالتحلي بهذه الصفات الخيّرة القادرة على تجاوز و حل كل ما يواجه جيل الشباب من مشاكل ومصاعب في طريق بناء الذات وتحقيق النجاح ، وصنع المستقبل .
.......................................... نهاية المقدمة
البحث الأول :
البناء الروحي
خلق الله الإنسان ككائن فريد من نوعه ، وقد كرمه وفضله على سائر المخلوقات الأخرى ، فالإنسان باعتباره أشرف المخلوقات و أعظمها ، يتحمل في مقابل ذلك مسؤولية البناء و التعمير و الإصلاح ، ,إقامة العدل ، ونشر الخير ، وتعيم الفضائل ، ومنع الرذائل ، إنها مسؤولية الأمانة .
والإنسان كائن عجيب من حيث الخلقة والقدرة ، فقد خلقه الله عز وجل مزدوج الطبيعة ، فيه عنصر مادي طيني ، وعنصر روحي سماوي و نتيجة لتركيب الانسان المزدوجة من عنصرين الطين و الروح فأن عنصر الطين يشده إلى الارض ، وما ترمز اليه من شهوات وملذات و غرائز ، وهو بحاجة إلى اشباع غرائزه وشهواته من مأكل و مشرب وملبس ومسكن ومنكح ...
في حين أن عنصر الروح يدفعه نحو اشباع ميوله و رغباته الروحية و المعنوية / كما يدفعه كذلك الى الرقي في مدارج السمو الروحي ، والتحليق في سما المثل والقيم .
وقد زود الانسان بالغرائز المادية التي تدفعه وتحثه على القيام بعمارة الارض ، وتكثير الجنس البشري ، وإدارة الحياة .
و لولا هذه الغرائز لانعدم التقدم والتطور و التحضر ، ولا نقرض الجنس البشري منذ قديم الزمان كما انقرضت الديناصورات منذ ملايين السنيين .
كما زود الإنسان بالميول و الرغبات والغرائز الروحية و المعنوية كي يقوم بعبادة الله عز وجل :
( وما خلقت الجن و الانس الا يعبدون )سورة الذاريات ، 56
و لولا ذلك لما عبد الإنسان الله عز وجل ، ولما شعر بالحاجة اليه ، ولما تذوق لذة محبته .
ومن الضروري خلق التوازن بين الجسم والروح ، كي لا يطغى جانب على حساب آخر ، إذ لو طغى الجانب المادي ( الطيني ) في الإنسان على الجانب الروحي فإن ذلك يهبط به الى مستوى البهائم أو اضل سبيلا" .
ولو طغى الجانب الروحي على الجانب المادي فإن ذلك سيؤدي به الرهبة و التصوف و الإنعزال عن الحياة ، ومن ثم ترك القيام بمسؤولية عمارة الأرض ، وبناء الحضارة و إدارة الحياة ، وهذا ما يؤكد لنا أن التوازن الدقيق هو المنهج الصحيح في التربية وبالخصوص جيل الشباب .
فلا تطغى قبضة الطين على نفخة الروح ، ولا نفخة الروح على قبضة الطين ، فالله عز وجل خلق الإنسان مزيجا" منهما ، ويريد منه أن يعيش كذلك ! .
والشباب حيث القوة العنفوان و الشعور بالعجب و الإقتدار أحوج ما يكونون للتوازن الدقيق بين متطلبات الجسم و لوازم الروح ، ولأن النفس أميل بطبيعتها إلى الإنشداد إلى غرائزها وشهواتها المادية ، فإن الشباب بحاجة قوية الى مجاهدة النفس ، و ممارسة الرياضة الروحية ، وترويض الذات على سلوك طريق الحق و الهدى والصلاح .
وجيل الشاب حيش يعيش صراعا" قويا" محتدما" و يوميا" بين شهواته ورغباته المادية من جانب ، و ميوله و رغباته الروحية المعنوية من جانب آخر ، يقع في إمتحان عسير ، فإن قدم شهواته على مبادئه وقيمه و مثله ، فإنه بذلك يكون قد اتخذ إلهة هواه ، و إما أ، ينتصر لمبادئه وقيمه و مثُله الدينية ، عندئذ يكون قد اجتاز الإمتحان بنجاح !
و الإسلام لا يمنع من اشباع الغرائز المادية و لكن يجب ان يكون ذلك بالحلال ، و بوسائل مشروعة ، وضمن حدود و ضوابط الشرع ، و إلا فلا يمكن للإنسان أن تجاوز و يتجاهل حاجاته المادية من اكل و شرب و جنس ومال .....
وليس من الصحيح أن يكون الإنسان منعزلا" عن الجانب المادي في كيانه ، وإنما نتحدث هنا عن الإنسياق وراء الشهوات ، و الإنغماس في الملذات بطرق غير مشروعة ، ومن دون حدود ولا قيود .... فهذا هو الممنوع و المحرم .
ولما أن الشباب هي مرحلة الهيجان واستيقاظ الغرائز لابد من الإهتمام بالجانب الروحي للشباب ، فهم أحوج ما يكونون إلى الارتباط بالخلق عز وجل ، والتقرب إليه و التوسل به ، وبذلك يقترب الشباب أكثر و أكثر من ربه وخالقه تبارك و تعالى .
وفي عصر طغت فيه المادية على كل شيء ، و لك بفعل الحضارة المادية والتي تركز على كل ما هو مادي ، وتتجاهل كل ما هو روحي و قيمي ، أصبح السباحة في بحر الشهوات و المادية الحديثة ، وعنوان المدنية و التقدم و التحضر !
و قد قسمت الفلسفات المادية الحديثة المعرفة إلى طبيعة ( فيزيقيا ) وما وراء الطبيعة ( ميتافيزيقيا ) فاعترفت الأولى و أنكرت الثانية و اعتبرتها مجرد خرافات و أساطير و تصورات ابتدعها الانسان من وحي خياله و تفكيره ، وهذا ما ادى الى تقويم العلاقة بين الانسان من وحي خياله وتفكيره ، وهذا ما أدى إلى تقوية العلاقة بين الإنسان و الطبيعة وكل ما هو مادي و محسوس ، و الانقطاع عن عالم الروح وكل ما هو قيمي و مثلي ، وقد انعكس هذا سلبا" على سلوك الإنسان وممارسته المادية ، فالإنسان في ظل الحضارة المادية أصبح يمارس كل الوسائل المشروعة وغير المشروعة في سبيل الوصول إلى غاياته وأهدافه ، وإن كان ذلك على حساب الأخلاق والقيم الإنسانية .
أما فلسفة الإسلام تجاه الإسلام فهي قائمة على التوازن بين أبعاد الإنسان و مكوناته الروحية و العقلية والجسمية ، وهو لا يجيز الوصول الى الغايات و الأهداف النبيلة إلا من خلال وسائل و أساليب نبيلة أيضا" .
و وحدة الخالق وتوحيده حرر الإنسان من عبودية الذات ، ومن عبودية الإنسان لأخيه الإنسان ، وبذلك يتحقق للإنسان الحرية الحقيقة القائمة على توحيد الله عز وجل ، و الخضوع له ، ورفض الخضوع لأي كائن آخر .
و تعتبر العبادات الشعائرية من صلاة و صوم و حج و زكاة ... وسائل مهمة لبناء الروح ، و تنمية المثل و القيم الروحية في الإنسان .
كما أن تلاوة القرآن الكريم ، والدعاء ، والمناجاة الأثر الأكبر في تنمية الروح و تغذيها .
إن التزام الشباب بالصلاة و الصيام و الزكاة والحج و الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وتلاوة القرآن والدعاء و الإبتهال الى الله سبحانه و تعالى هو الذي يحافظ على شعلة الدين في نفوس الشباب ، وينمي الأبعاد الروحية لديهم ، مما يجعلهم أقوياء أمام ضغوط النفس ، و أعباء الحياة ، و مغريات الحضارة المادية الحديثة .
و التمسك بالقيم الروحية و المعنوية هو أفضل حصانة للشباب من الإنهيار أمام مغريات المادة ، أو تحول إلى عبيد الشهوات ، كما أن البناء الصلب للجوانب الروحية هو الذي يجعل الشاب قريبا" من الله ، و محبوب عنده ، وعند الناس .
فإذا أردت أن تكون محبوبا" عند الله قريبا" منه ... فليكن شبابك وحياتك كلها لله عز وجل وفي طاعته و عبادته ...................
نهاية البحث الأول .... ولله الحمد