من مشاهدتي لتقرير وثائقي بثته إحدى الفضائيات العربية ، سعيا منها لتسليط الضوء على بعض ما خلفته آلة الإجرام الصهيونية في عدوانها الجائر على جنوب لبنان ( تموز \ 2006 ).

استوقفني مشهد مأساوي مؤثر ، بكل ما تحمل المأساة من معنى ، لطفل لبناني في الثامنة من عمره تقريبا ، ينبش بين أنقاض البيوت المدمرة ، وهو يبكي بعلو صوته ، غير آبه بمن حوله من طاقم التصوير ولجان الهلال الأحمر والمنظمات الإنسانية المحملة بالمساعدات للمنكوبين اللبنانيين .

فتقترب منه معدة ذلك التقرير لتسأله ..عن الذي يبكيه بهذه الحرقة ؟ وعن ماذا يبحث تحت ركام الأنقاض ؟

فيرد عليها ببراءة المفجوع بفقد الغوالي , وبهيئة تتفطر لها القلوب, وهو يتنهد بصوت متحشرج ودموعه الحَرِّىْ تجري على خديه : ( بَدِّي إمي ) .

فتنتقل المعدة بالسؤال لوالده - الواقف بجواره -  فيرد بقوله والألم يعتصره :

 قتلت والدته في القصف الأخير ، ومنذ أيام وهو على هذه الحالة ، ينبش بين الأنقاض ، ويبكي بلا انقطاع , ولا يردد إلا تلك الجملة الحارة التي لا أجد لها حلا أو جوابا ( أريد أمي ).

      أحاول في هذه الكلمات أن رسم تلك الحالة المغرقة بالسريالية ، من وحي شعوري وتماهي مع صرخات ذلك الطفل البريء ، الذي لم يعد يجد ما يتكأ عليه ، بعد افتقاده لأهم عزيزين يُستنجد بهما عند الشدة ( حضن الأمُ  و حضن الأمّة ) .

 

أريدُكِ أمِّيْ

محمود ناجي زيد الكيلاني     

أريْدُكِ أمِّيْ

فـَليَـتـْرُكونيْ إلـْيكِ أسِيْر . .

دَعونيْ أراها

لَعلِّيْ أقـَبِـِّـلُ مِنها الجَبينْ

قـُبَيْلَ وَداعيْ الأخيْر . .

ليُجْريْ شـَـذاهَا بــِروحيْ

مِـياهَ الحَياه !

دَعونيْ . . . دَعونيْ

حـَنانُ الأمُوَمَةِ مَرسىْ عـُيوني . .

و مَعْـنىْ وُجوديْ

و بـَلْسَمُ سُهْديْ

دَعونيْ أمـَلـِّيْ بـِمِبْصَرِ طـَرْفيْ

بقايا شـُعوريْ الدَّفينْ . .

تـُرانيْ بـِلاها

أعْيشُ التـِـياهَ . .

يـَتيمُ الرُؤيَّا

فـَـقيدُ المَراسيْ

بـِـِسَاح ِالدّمارِ وَكون ِالمَآسيْ . .

خُذوا خـُبْزَكُمْ

وارجِعوني إليْها !

خُذوا مالـَكم

واجْمَعونا مَعا ً!!

خُذوا مُؤنـَتيْ

و ألحِقوني بأمِّيْ !!!

خـُذوا دُمْيـَتيْ

واترُكونيْ أسِير !!!!

فـَإنِّيْ كـَبُرْتُ بـِهذيْ الشُهورْ

وما عُدْتُ من حَرْبِ ( تـَمُّوزَ ) طِفـْلٌ صَغيْر ! ! !!!!

تـُرِكْتُ  لـِوَحْديْ

بـِوَجْديْ الأثير

بـِقـَـلـْبيْ أناجي  . .

فأينَ المُجيرْ؟ *

أرَدِدُ جـِيْبيْ

أريدُكِ أمَّيْ  -  -

فـَرُدِّيْ بـُنـَيـَّا . . وَعودي إلـَيـَّا

فـَقـَلْبي كَسيْرٌ ونوريْ حَسير

وأنت ِالـثـُرَيَّـا لـِهذيْ الـُظلـَمْ . .

دُعاكِ . . رِضاك ِ

يفكُ القـُيُود

وأنت ِ لِنـَفـْسيْ

مَشاعِلُ نـُورٍ تـُيُنيرُ الدُروبَ

كـَبَدْرٍ مُشِع بـِوَسْط ِالنُجوم . .

وَ بـَلْوايَ أنـِّيْ . . بـِبُعدك أمَّيْ

سَأحْيا ضـَريـْراً بـِمَرَّ السِنينْ  . .

( أعِدْ ليْ الحَبيبَة يا مُستـَحيْـلْ) * *

أحِنُ إليها

لـِتـَـلْـمِسَ شَعـْري . .

وَتوقِظَ نـَومِيْ

لِصَحْوَةِ فـَجْريْ . .

لِتـَمْسَحَ دَمْعيْ وَتـَكْشِفَ هَمَّيْ

وَ أرجو الوِصَالَ  . .

رَجاءَ الذَليلْ !!

فأحـْـلى الوِئامُ . . بـِقـُبْـلَةِ أمّي

وخيرُ الكـَلام . . بـِهَمْسَةِ أمّي

ولـَحْنُ الوُجودِ . . بـِبَسْمَةِ أمّي

بـُعيدك أحيا

رَبيعيْ قِفارٌ . .

خـَريفٌ مُريْعْ

وَ شَمْسيْ بـِصَيْفٍ

كَبْرْدِ الثـُلوجْ

وناري رَمادٌ ِبـِجَو ٍصَقيْع . .

وَخـَطْويْ أماماً

مَسِيْرُ التـَقـَهْـقـُر نـَحْوَ الرُجوعْ . .

أبـِـِيْتُ لِوَحْديْ . . . فريدا ًبـِوَجْديْ

وخـَـلـْـفيْ جـِدارٌ

( بـِصَمْتيْ . . . مَنيْعْ )

يـُرَجيـْـكِ طـَيـْفيْ

تـَفـَطـَرْتُ . . . عُوديْ

تـَيَـتـَمْتُ . . . عُوديْ

فأنـْتِ جـِنانيْ كَما كـُنـْتِ دَوماً

وَفاءُ وُعوديْ

مَلاكي الرَحُوم . .

فـَهُبِّيْ بـِحُضْنٍ

يُسَرِّيْ لِنـَفـْسيْ

مَعانيْ السُّكونْ . .

وَهُزِّيْ بـِكـَفٍ

كَما كـُنـْتِ دَوماً

زِمامَ السَريْرْ . .

أفـَدِّيـْكِ أمِّيْ

بـِعُمْريْ وَدَمِّي

وَيحْميك طرفي بِرمْشيْ وجـِفـْنيْ

فهيا . . فـَعودي

فأنت السَلامُ بـِوَقـْتِ الحـُروبِ

وأنت المَلاذُ بـِساع ِالهُروب

بـِفـَقـْدِكِ أمّي

أقـَدْتيْ بـِصَدْريْ جـِمَارَ المِـحـَنِْ

وَأضْحىْ شُروقيْ مـَـَنايا الغـُروبْ . .

فـَمَنْ بَعْدَ أمّي يـُقـَبـل جـُرْحيْ؟ ؟

وَمن بَعْدَ أمّي يـُنـَفِسُ كـَرْبيْ

يـُزيْـلُ هـُمومي

والقـَـذىْ مِنْ عـُيونيْ ؟ ؟ ؟

فبَسْمَةُ أمّيْ بشَهْدِ البَراريْ . .

بأغـْلىْ الهَدايا

لِرقـْيايََ سِحْرٌ

( يُشَفـِّيْ )

وأمَي لـِخـَوْفيْ

بـِمَسْحـَةِ كـَفٍ

تـُزيْحُ الوَهَنْ

وأمِّيْ لِحَزنيْ

بـِنـَفـْـثـَةِ عَطْفٍ

أفولُ الحَزن

هِيَ الحبُّ

والحُبُّ مِنـْها وَفـيْها..

سَأبحثُ عـَنْها بكلِّ الديار

و تـَحْتَ الدَمارِ النـَدِّي . .

لَعليْ

أرى شالَها المُزدَهِيْ

ثوبَها

مِشْطها .. نـَولـَها .. كُحْـلَها

صُورَتيْ . . . في َيدَيها!!

سَأسْريْ بـِفـَجْريْ

لأسْالُ عـَنـْهاْ بأقصى الشَمال ِ . .

َووَسْطَ البِلادْ

وَفيْ كـُلِّ مَشْـفىْ . .

سَأبحثُ عـَنْها بأرض الجـَـنوبْ

بـِعـَيْـتا وَشـَبـْعا

وبَيْنَ المَقابـِرِ مَثوىْ الغـِياب

وإنْ كانَ ما كانَ

حلَّ الفِراقُ بـِأمْرِ القـَدَر ْ. .

سأكْـتـُبُ شاهـِدَ االبُعْدِ

مِنْ مِدادِ الوَريدْ . .

و أحيا أعَبَـقُ مِنْ رَمْسِ قبر ٍ

يـَضـُمُّ الرُفاتَ بأزكى عَبير

وأبْكيْ

بقـَدْر الضَحايا

بـِتِلْكَ السُجونْ

بقـَدْر شـُعُوبٍ

جواها الوَطنْ

لعلي أرَوِيْ التـُرابَ العـَـبَرْ

وإنْ كانَ ما كانَ

حلَّ الفِراقُ بـِأمْرِ القدر . .

أعَزيْـكِ نـَـفـْسيْ

بأنَ الشَّهادَةَ حَقُّ الشَريفْ

ويـَكْفيكِ فـَخْراً

بـِأنـِّيْ سَأدْعىْ

( بإبنِ الشَهيْدَةِ )

طوْلَ الزَمَنْ . .

وَيَوْمَ الحِسابِ سَألْقىْ أمامِيْ

شـَفاعـَةُ أمِّيْ

وَنحيا بـِخـُلـْدٍ مَعاً . .

ولـَكِنَ . . . قـَلْبيْ

يـُنَكِدُ عَيْشيْ

بـِهـاجـِسِ ثـَأريْ

وأسْمَعُ أمِّي تـُنادي :
حبيبي  بـُنـَيـَّا .. هـَـلـُمِّ إلَـيـَّا

تـَعالَ لِصَدْريْ بـِهذيْ الجـِنانْ . .

أجيبُ النِداءَ :

بـِلـَبيكِ أمِّي . .

سَآتيْ بـِفـَوريْ

و أكْمِلُ صَرخي

إليْـكُمْ غـُزاتيْ

قـَواتل حُلمي

صَوانِعُ سُمِّيْ

سَـليْبيْ الضـَميْر . .

فهذا بَيانيْ

قـَراريْ الأخيْر :

سَأكـْبـُرُ يـَوْماً

لآخـُذَ حـَقـِّيْ

بـِقـَهْريْ

سَأصْـنَعُ مَرْكِبَ ثـَأريْ

وَأجْريْ بـِدَمْعيْ مِياهَ البُحور

وأشـْريْ بـِكَبْديْ زُوَادَ المَسْير

وَأغريْ بـِزَفـْريْ رِياحَ الغـَضَبْ

وأجْمَعَ شَمْـليْ بـِكـُلِّ أسِّي ٍ

عََرتـْهُ المآسي بفِعْــلِ اليَهودْ

لأبـْـلُغَ حـُلْميْ . . . بلقياكِ أمّي

بـِذاكَ المَصيْر . .

سَيـَكْبـُرُ حلْميْ وَيصْبـِحَ شَعْباً

عـَزيزاً مُهاب

سأوفيْ بـِوَعْديْ

وَداعاً. . . لأمِّي

لِمَعْـنىْ الوُجودِ بـِهذيْ الحَياة

لِقاءٌ قـَريْبٌ

بـِذاكَ المَصيْر .  .

المُجيرْ  : الأمة  *

** المستحيل : الموت

********

فسُؤلي إليْكم

لأحفاد ِخالد!

لـِرَبْعِ المَطايَا بماض ٍ بَعيدْ . .

فـَمـا ذَنْبُ طـِفـْل بـِعُمْرِ الوُرودْ

لـِيَكـْبـُرَ جـَبْراً بـِهذيْ الخـَطايا ؟

ٍوما ذَنـْبُ طـِفـْـل

لـِيَـفـْقِدَ أمَّاً

بفِعـِلِ اليَهود ..

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.