في إحدى ليالي أواخر عام 1847، اجتمع في بيت تاجر شاب في بيروت جمعٌ من الوجهاء والقناصل الأجانب وأعيان المدينة، ليشهدوا شيئًا لم يألفوه من قبل: رجال يقفون على منصة خشبية، يتقمصون شخصيات غير شخصياتهم، ويتبادلون الحوار والغناء بالعربية، في حكاية عن رجل بخيل وما يجرّه بخله عليه من مواقف مضحكة. لم يكن الحاضرون يعرفون أنهم يشهدون لحظة تأسيسية في تاريخ الثقافة العربية، يتفق كثير من مؤرخي المسرح على اعتبارها بداية المسرح العربي الحديث بمعناه الغربي. وكان صاحب البيت والفكرة والنص هو مارون النقاش.
قبل النقاش: هل عرف العرب المسرح؟
قبل الحديث عن النقاش، لا بد من سؤال طالما شغل الباحثين: هل كان العرب يجهلون المسرح تمامًا قبل منتصف القرن التاسع عشر؟ والجواب أن العرب عرفوا أشكالًا من الفرجة الشعبية تحمل عناصر مسرحية واضحة، وإن لم تكن مسرحًا بالمفهوم الأوروبي، ومنها:
- خيال الظل: وهو فن انتشر في مصر والشام وغيرهما، تُحرَّك فيه دمى جلدية خلف ستارة مضاءة. ومن أشهر ما وصلنا منه "بابات" ابن دانيال الموصلي، الذي عاش في القاهرة في القرن الثالث عشر الميلادي، وهي نصوص تمثيلية ساخرة تعد من أقدم النصوص الدرامية العربية الباقية.
- الحكواتي: الذي كان يقص في المقاهي سير عنترة والظاهر بيبرس وأبي زيد الهلالي، مستخدمًا صوته وجسده وأدواته لتجسيد الشخصيات.
- الأراجوز (القره قوز): بدماه المتحركة وحواراته الساخرة.
- المقامات: التي حملت عناصر الحوار والشخصية والحبكة، وإن ظلت نصوصًا تُقرأ لا تُمثَّل.
- التعازي والاحتفالات الشعبية: وبعض الطقوس الاحتفالية التي تضمنت عناصر التمثيل والتقمص.
غير أن المسرح بمعناه المعروف، أي العرض الذي يقدمه ممثلون على خشبة أمام جمهور، وفق نص مكتوب يقوم على الحوار والصراع، لم يظهر بالعربية إلا في القرن التاسع عشر، في سياق النهضة واتساع الاحتكاك بأوروبا.
مارون النقاش: التاجر الذي أحب الفنون
وُلد مارون النقاش في مدينة صيدا سنة 1817م، ثم انتقلت أسرته إلى بيروت حيث نشأ وتعلم. وكان شابًا متعدد المواهب والاهتمامات، فدرس العربية وآدابها، وتعلم اللغتين الإيطالية والفرنسية، وأتقن التركية، واهتم بالموسيقى والشعر والحساب، وعمل في التجارة، كما شغل عملًا في جمرك بيروت.
وفي عام 1846، سافر النقاش في رحلة تجارية إلى إيطاليا، وهناك شاهد المسرح الأوروبي، ولا سيما الأوبرا الإيطالية، التي تجمع بين التمثيل والغناء والموسيقى. وقد أدهشه هذا الفن، وأدرك أن فيه وسيلة جديدة للتسلية والتهذيب معًا، فعاد إلى بيروت وفي ذهنه حلم: أن يقدّم لأبناء وطنه فنًّا مماثلًا بلغتهم.
"البخيل": الليلة الأولى
لم يكن الطريق سهلًا. فلم يكن هناك مسرح ولا ممثلون ولا جمهور يعرف آداب الفرجة المسرحية. فقرر النقاش أن يبدأ من الصفر: حوّل جزءًا من بيته إلى مسرح، ودرّب أفرادًا من أسرته وأصدقائه على التمثيل، وكتب نصًا مستوحى من مسرحية "البخيل" للكاتب الفرنسي موليير.
لكن النقاش لم يترجم موليير ترجمة حرفية، بل اقتبسه وأعاد صياغته بروح عربية، فجعل الحوار شعرًا موزونًا مغنّى في كثير من مواضعه، متأثرًا بالأوبرا التي شاهدها في إيطاليا، وأضاف إليه شخصيات ومواقف تناسب الذوق المحلي، وأدخل فيه أسماء عربية. وقد عُرض "البخيل" في أواخر عام 1847، ويُعدّ هذا العرض في نظر أغلب المؤرخين أول عرض مسرحي عربي حديث.
وقد ألقى النقاش قبل العرض خطبة مهمة، شرح فيها للحاضرين ماهية هذا الفن الجديد وفائدته، مؤكدًا أن المسرح ليس لهوًا فارغًا، بل وسيلة لتهذيب الأخلاق ونقد العيوب الاجتماعية بطريقة ممتعة. وتكشف هذه الخطبة عن وعي مبكر بالوظيفة الاجتماعية للمسرح، وعن إدراك النقاش أنه يقدّم شيئًا يحتاج إلى تمهيد وإقناع.
"أبو الحسن المغفّل": من ألف ليلة وليلة إلى الخشبة
شجّعه نجاح التجربة الأولى، فكتب مسرحيته الثانية "أبو الحسن المغفّل، أو هارون الرشيد"، التي عُرضت حوالي سنة 1849 أو 1850. وهنا خطا النقاش خطوة أكثر أصالة، إذ لم يقتبس من الأدب الأوروبي، بل استمد موضوعه من التراث العربي نفسه، من حكايات "ألف ليلة وليلة"، وتحديدًا من حكاية "النائم اليقظان"، التي يجد فيها رجل بسيط نفسه فجأة في قصر الخليفة، وقد صار "خليفة ليوم واحد".
وتُعدّ هذه المسرحية من أنضج أعمال النقاش، لأنها مزجت بين الشكل المسرحي الأوروبي والمضمون العربي التراثي، وفتحت بابًا سار فيه المسرحيون العرب طويلًا من بعده: استلهام "ألف ليلة وليلة" والتاريخ العربي في بناء نص مسرحي حديث. وقد عرضها النقاش في حضور شخصيات رسمية، وكان من أبرز نجاحاته.
"السليط الحسود" وبناء المسرح الأول
وفي عام 1853، قدم النقاش مسرحيته الثالثة "السليط الحسود"، وهي كوميديا اجتماعية تنتقد الحسد والطباع السيئة. وفي هذه الفترة حصل على إذن رسمي من السلطات العثمانية لبناء مسرح ملاصق لبيته، وهو ما يمكن اعتباره أول مبنى مسرحي عربي في العصر الحديث.
رحيل مبكر
لم يُمهل القدر مارون النقاش طويلًا. ففي عام 1855، سافر في رحلة تجارية إلى مدينة طرسوس في الأناضول، وهناك أصيب بالحمى وتوفي عن ثمانية وثلاثين عامًا. ثم نُقل جثمانه لاحقًا إلى بيروت. وقد تحوّل مسرحه بعد وفاته إلى كنيسة بحسب وصيته كما تذكر روايات عديدة.
ولولا أخوه نقولا النقاش، لربما ضاعت نصوص مارون. فقد جمع نقولا مسرحيات أخيه الثلاث، مع خطبته الشهيرة ومعلومات عن حياته، ونشرها في كتاب بعنوان "أرزة لبنان" سنة 1869، وهو من أهم المصادر الأولى في تاريخ المسرح العربي.
من بيروت إلى القاهرة: آل النقاش يواصلون
لم تنتهِ رسالة النقاش برحيله. فقد حمل ابن أخيه سليم النقاش الشعلة، فشكّل فرقة مسرحية، وانتقل بها إلى مصر في منتصف سبعينيات القرن التاسع عشر، حيث كانت الظروف أكثر ملاءمة بعد افتتاح دار الأوبرا الخديوية في القاهرة عام 1869. وقدّمت الفرقة عروضها في الإسكندرية والقاهرة، وشاركه في ذلك أديب إسحاق ويوسف الخياط وغيرهما من الشوام الذين أسهموا إسهامًا كبيرًا في تأسيس الحياة المسرحية في مصر.
أبو خليل القباني: رائد المسرح الغنائي في دمشق
وفي دمشق، ظهر رائد آخر لا يقل أهمية، هو أحمد أبو خليل القباني، الذي وُلد في ثلاثينيات القرن التاسع عشر. وكان القباني شاعرًا وموسيقيًا وملحنًا ومنشدًا، فأسس في سبعينيات القرن التاسع عشر وثمانينياته مسرحًا غنائيًا يجمع بين التمثيل والموشحات والرقص والإنشاد، واستلهم كثيرًا من موضوعاته من التاريخ العربي وحكايات "ألف ليلة وليلة"، مثل "هارون الرشيد" و"عنترة" و"ناكر الجميل" وغيرها.
غير أن القباني اصطدم بمعارضة شديدة من بعض الأوساط المحافظة في دمشق، التي رأت في المسرح خروجًا على الأعراف، ولا سيما في ظهور الشبان بأدوار نسائية، وتعرضت عروضه للمنع، ويُروى أن مسرحه أُحرق. فاضطر القباني إلى الهجرة إلى مصر سنة 1884 تقريبًا، حيث لقي ترحيبًا ونجاحًا كبيرًا، وأسهم في تأسيس تقاليد المسرح الغنائي المصري، الذي سيبلغ ذروته لاحقًا مع سلامة حجازي وسيد درويش. ثم عاد إلى دمشق في أواخر حياته، وتوفي سنة 1903.
يعقوب صنوع: "موليير مصر"
وفي القاهرة، كان يعقوب صنوع قد أسس في عام 1870 مسرحًا بالعامية المصرية، قدّم فيه مسرحيات كوميدية اجتماعية تنتقد عادات المجتمع وأوضاعه، حتى لُقّب بـ"موليير مصر". وقد لقي في البداية تشجيعًا من الخديوي إسماعيل، لكن جرأته في النقد الاجتماعي والسياسي أدت إلى إغلاق مسرحه بعد نحو عامين. ثم اتجه صنوع إلى الصحافة الساخرة، فأصدر صحيفة "أبو نظارة" التي هاجمت الخديوي بشدة، مما أدى إلى نفيه إلى فرنسا عام 1878، حيث واصل إصدار صحيفته من باريس.
أسئلة التأسيس التي لم تنتهِ
لم تكن تجربة الرواد مجرد نقل لفن أوروبي إلى البيئة العربية، بل كانت مختبرًا لأسئلة كبرى ما زال المسرح العربي يطرحها حتى اليوم:
- سؤال اللغة: هل يكتب المسرحي بالفصحى أم بالعامية؟ فقد كتب النقاش بالفصحى المطعّمة أحيانًا بالعامية، وكتب صنوع بالعامية المصرية، وظل هذا الجدل قائمًا لعقود.
- سؤال الأصالة والاقتباس: هل يقتبس المسرحي من الأدب الأوروبي أم يستلهم التراث العربي؟ وقد جرّب النقاش الطريقين معًا، وانتصر القباني للتراث.
- سؤال الغناء: فقد امتزج التمثيل بالغناء منذ البداية، وظل المسرح الغنائي لعقود طويلة الشكل الأكثر جماهيرية في العالم العربي.
- سؤال الحرية: فقد اصطدم الرواد بالرقابة السياسية والاجتماعية، من إغلاق مسرح صنوع إلى إحراق مسرح القباني، وهو صدام تكرر في تاريخ المسرح العربي كثيرًا.
- سؤال المرأة: إذ كانت الأدوار النسائية في البدايات يؤديها رجال أو فتيان، قبل أن تقتحم المرأة الخشبة تدريجيًا في مصر والشام أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين.
الإرث الباقي
تكريمًا لمارون النقاش، تحمل مسارح وقاعات عدة في لبنان والعالم العربي اسمه، ويُحتفى به في المناسبات المسرحية بوصفه "أبا المسرح العربي". وقد عاد إليه المسرحيون والباحثون مرارًا، يدرسون نصوصه ويعيدون قراءتها. ومن اللافت أن الكاتب المسرحي السوري سعد الله ونوس عاد إلى شخصية أبي خليل القباني في مسرحيته "سهرة مع أبي خليل القباني"، التي تحتفي بالرائد الدمشقي وتطرح من خلاله أسئلة عن علاقة الفن بالسلطة والمجتمع.
مسرح النقاش بعين ناقدة
عند قراءة نصوص مارون النقاش اليوم، يلاحظ الباحثون جوانب قوة وجوانب ضعف، تعكس طبيعة البدايات. فمن جوانب القوة: جرأته على تقديم فن جديد تمامًا لمجتمع لم يعرفه، ووعيه المبكر بوظيفة المسرح الاجتماعية، وقدرته على المزج بين الأشكال الأوروبية والمضامين العربية، واختياره الكوميديا شكلًا مناسبًا لجمهور يحتاج إلى التسلية قبل التفكير.
أما جوانب الضعف، فمنها: غلبة الطابع الغنائي على الدراما أحيانًا، بحيث يتوقف الحدث ليفسح المجال للأغنية، وبساطة بناء الشخصيات وميلها إلى النمطية، كالبخيل والمغفل والحسود، واعتماد الحوار على الشعر المنظوم الذي قد يثقل الإيقاع المسرحي. لكن هذه الملاحظات طبيعية في عمل رائد يؤسس من الصفر، وقد عالجها المسرحيون الذين جاؤوا بعده تدريجيًا.
من الهواية إلى الاحتراف
كان المسرح في عهد النقاش هواية يمارسها أفراد الأسرة والأصدقاء في البيوت، ثم تحول تدريجيًا في عهد خلفائه إلى مهنة لها فرقها وممثلوها وجمهورها ومسارحها. وقد شهد مطلع القرن العشرين في مصر ظهور فرق مسرحية كبيرة، مثل فرقة جورج أبيض الذي درس المسرح في فرنسا، وفرقة الشيخ سلامة حجازي، ثم فرقة رمسيس ليوسف وهبي، وفرقة نجيب الريحاني الكوميدية، وفرقة فاطمة رشدي. كما ظهرت ممثلات رائدات كسرن حاجز منع المرأة من الصعود إلى الخشبة. وفي الشام والعراق وتونس والمغرب، نشأت حركات مسرحية محلية لها ملامحها الخاصة.
وهكذا فإن البذرة التي غرسها النقاش في بيته البيروتي، والتي رعاها القباني في دمشق وصنوع في القاهرة، أثمرت خلال أقل من قرن حركة مسرحية عربية واسعة، صارت لها معاهد متخصصة ومهرجانات كبرى، مثل أيام قرطاج المسرحية ومهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي.
خاتمة
بدأ المسرح العربي الحديث في بيت تاجر بيروتي شاب، بممثلين هواة من أهله وأصدقائه، وبنص مقتبس عن موليير. ومن تلك البداية المتواضعة، امتد هذا الفن إلى دمشق والقاهرة وبغداد وتونس والرباط، وأنجب أسماء كبيرة مثل توفيق الحكيم ويوسف وهبي وسعد الله ونوس وعبد الكريم برشيد وغيرهم. وإذا كان مارون النقاش قد رحل وهو في الثامنة والثلاثين من عمره، فإن حلمه الذي حمله من إيطاليا قد عاش بعده أكثر من مئة وسبعين عامًا، وما زال يتجدد كلما رُفعت ستارة على خشبة عربية، وجلس جمهور في الظلام ينتظر أن تبدأ الحكاية.