تخيّل كتابًا ضخمًا يتألف من ثلاثة مليارات حرف، مكتوبًا بأبجدية لا تعرف إلا أربعة حروف، ونسخة منه موجودة في كل خلية من خلايا جسمك. هذا الكتاب هو "الجينوم" البشري، وفيه التعليمات التي تحدد لون عينيك وطولك وطريقة عمل أعضائك، واحتمال إصابتك ببعض الأمراض. وأحيانًا يحدث خطأ مطبعي صغير، حرف واحد في غير مكانه، فيُصاب الإنسان بمرض وراثي يرافقه طوال حياته. والسؤال الذي حلم به العلماء طويلًا: هل يمكن أن نصحح هذا الخطأ المطبعي كما نصحح خطأ في ملف على الحاسوب؟ منذ عام 2012 تقريبًا، صار الجواب أقرب إلى "نعم"، بفضل تقنية تحمل اسمًا غريبًا: كريسبر.
من البكتيريا بدأت الحكاية
المفارقة أن هذه التقنية الثورية لم يخترعها الإنسان من العدم، بل اكتشفها في عالم البكتيريا. ففي أواخر ثمانينيات القرن العشرين وتسعينياته، لاحظ باحثون، منهم العالم الإسباني فرانسيسكو موخيكا، وجود تسلسلات غريبة متكررة في الحمض النووي لبعض البكتيريا، تتخللها مقاطع قصيرة مختلفة. وأُطلق على هذه التسلسلات اسم "CRISPR"، وهو اختصار إنجليزي لعبارة طويلة معناها: "التكرارات العنقودية المتناظرة القصيرة منتظمة التباعد".
ثم اكتشف العلماء أن تلك المقاطع القصيرة المختلفة ليست سوى أجزاء من الحمض النووي لفيروسات هاجمت البكتيريا في الماضي. أي أن البكتيريا تحتفظ بـ"صور" لأعدائها، كما تحتفظ الشرطة بصور المطلوبين، فإذا هاجمها الفيروس نفسه مرة أخرى، تعرّفت عليه، وأطلقت عليه إنزيمًا يقطع حمضه النووي ويعطله. إنه نظام مناعي بدائي لكنه بالغ الذكاء.
من الدفاع البكتيري إلى أداة في يد العلماء
في عام 2012، نشرت العالمتان إيمانويل شاربنتييه الفرنسية وجينيفر داودنا الأمريكية، مع فريقهما، بحثًا أظهرتا فيه أن هذا النظام البكتيري يمكن تحويله إلى أداة قابلة للبرمجة لقطع الحمض النووي في أي موضع يحدده العالم. وفي العام التالي، أظهرت فرق بحثية أخرى، منها فريق العالم فنغ تشانغ في معهد برود الأمريكي، إمكانية استخدام التقنية في خلايا الثدييات والإنسان. وقد أدى ذلك لاحقًا إلى نزاع شهير على براءات الاختراع بين المؤسستين.
وفي عام 2020، مُنحت شاربنتييه وداودنا جائزة نوبل في الكيمياء، تقديرًا لتطويرهما "طريقة لتحرير الجينوم". وكانت هذه من المرات القليلة التي تفوز فيها امرأتان معًا بجائزة نوبل في مجال علمي، كما أنها جاءت بعد ثماني سنوات فقط من نشر البحث الأصلي، وهي مدة قصيرة جدًا بمقاييس نوبل، مما يدل على حجم الثورة التي أحدثتها التقنية.
كيف يعمل المقص الجيني؟
لنبسّط الأمر قدر الإمكان. يتكون نظام كريسبر الأكثر استخدامًا من مكونين رئيسيين:
- الإنزيم Cas9: وهو "المقص" الذي يقطع شريط الحمض النووي.
- الحمض النووي الريبي الموجِّه (gRNA): وهو "نظام الملاحة" أو "العنوان"، وهو تسلسل قصير يصممه العلماء ليطابق الموضع المطلوب بالضبط في الجينوم.
حين يدخل هذا الثنائي إلى الخلية، يبحث الدليل عن التسلسل المطابق له بين مليارات الحروف، فإذا وجده التصق به، وقام المقص بقطع الشريط في هذا الموضع تحديدًا. وبعد القطع، تحاول الخلية إصلاح الشريط المقطوع بآلياتها الطبيعية، وهنا يستطيع العلماء التدخل: إما بتعطيل الجين المستهدف، أو بتزويد الخلية بنسخة مصححة تستخدمها قالبًا للإصلاح.
ولعل أقرب تشبيه لذلك هو وظيفة "البحث والاستبدال" في برامج معالجة النصوص: تكتب الكلمة التي تريد البحث عنها، فيجدها البرنامج في مستند ضخم، ثم تستبدلها بكلمة أخرى.
لماذا أحدثت كريسبر ثورة؟
لم تكن كريسبر أول تقنية لتحرير الجينات، فقد سبقتها تقنيات أخرى. لكن تلك التقنيات كانت معقدة ومكلفة، وتحتاج إلى تصميم بروتين جديد لكل موضع مستهدف، وهو عمل قد يستغرق شهورًا. أما كريسبر، فيكفي فيها تغيير تسلسل الدليل القصير، وهو أمر سهل ورخيص نسبيًا، يمكن إنجازه في أيام. وهكذا تحولت تقنية تحرير الجينات من امتياز لعدد محدود من المختبرات المتقدمة إلى أداة متاحة لآلاف المختبرات حول العالم.
من المختبر إلى المريض: أول علاج معتمد
كانت اللحظة التاريخية في نوفمبر 2023، حين وافقت هيئة تنظيم الأدوية في المملكة المتحدة على علاج اسمه "كاسجيفي" (Casgevy)، ليكون أول علاج قائم على تقنية كريسبر يُعتمد رسميًا في العالم. وبعدها بأسابيع، في ديسمبر 2023، وافقت عليه إدارة الغذاء والدواء الأمريكية لعلاج فقر الدم المنجلي، ثم في مطلع 2024 لعلاج الثلاسيميا بيتا المعتمدة على نقل الدم.
ويعمل هذا العلاج بطريقة ذكية: إذ تُستخرج الخلايا الجذعية المكونة للدم من نخاع عظم المريض، ثم تُعدّل في المختبر بتقنية كريسبر لتعطيل جين يُسمى BCL11A، وهو الجين الذي "يطفئ" إنتاج الهيموغلوبين الجنيني بعد الولادة. وحين يُعطّل هذا الجين، تعود الخلايا لإنتاج الهيموغلوبين الجنيني، الذي يعوّض الخلل في الهيموغلوبين الطبيعي. ثم تُعاد الخلايا المعدلة إلى جسم المريض بعد علاج تحضيري يفرغ النخاع من خلاياه القديمة.
وقد أظهرت التجارب السريرية أن أغلبية كبيرة من المرضى المعالجين تخلصوا من نوبات الألم الحادة في فقر الدم المنجلي، أو استغنوا عن نقل الدم المنتظم في الثلاسيميا.
لماذا يهمنا هذا في العالم العربي؟
لهذا الإنجاز أهمية خاصة لمنطقتنا، فأمراض الدم الوراثية مثل الثلاسيميا وفقر الدم المنجلي منتشرة في عدد من البلدان العربية، ولا سيما في منطقة الخليج والمشرق وشمال إفريقيا، ويساعد على انتشارها ارتفاع معدلات زواج الأقارب في بعض المجتمعات. ويعيش آلاف المرضى في هذه البلدان على نقل الدم كل بضعة أسابيع منذ الطفولة، مع ما يصاحب ذلك من مضاعفات.
وقد كانت دول خليجية من أوائل الدول التي سارعت إلى اعتماد هذا العلاج، إذ أعلنت جهات تنظيمية في البحرين والسعودية موافقتها عليه بعد فترة وجيزة من الموافقات البريطانية والأمريكية، وهو مؤشر على اهتمام المنطقة بهذه التقنيات.
لكن التحدي الأكبر يبقى في التكلفة، إذ يتجاوز سعر العلاج الواحد مليوني دولار أمريكي في السوق الأمريكية، فضلًا عن حاجته إلى مراكز طبية متقدمة قادرة على زراعة النخاع. ولهذا فإن برامج الفحص قبل الزواج، التي تطبقها دول عربية عديدة، تظل حتى الآن خط الدفاع الأول والأقل تكلفة للوقاية من هذه الأمراض.
ما بعد المقص: أدوات أكثر دقة
لم يتوقف التطور عند كريسبر التقليدية. فقد طوّر العلماء، ومنهم فريق ديفيد ليو في الولايات المتحدة، أدوات أكثر دقة:
- التحرير القاعدي (Base Editing): وهو يشبه "الممحاة والقلم"، إذ يغيّر حرفًا واحدًا في الحمض النووي إلى حرف آخر دون قطع الشريط كاملًا، مما يقلل الأخطاء.
- التحرير الأولي (Prime Editing): الذي أُعلن عنه عام 2019، ويُشبَّه بـ"معالج النصوص" الجيني، إذ يمكنه إجراء أنواع أوسع من التعديلات بدقة عالية.
وفي عام 2025، أُعلن في الولايات المتحدة عن حالة طفل رضيع وُلد بمرض استقلابي وراثي نادر وخطير، صمم له الأطباء والباحثون علاجًا مخصصًا بتقنية التحرير القاعدي خلال بضعة أشهر فقط، في سابقة اعتبرها كثيرون بداية عصر "الطب الجيني المفصل على مقاس المريض الواحد".
استخدامات تتجاوز الطب
لا تقتصر تطبيقات كريسبر على علاج الأمراض البشرية، بل تمتد إلى مجالات أخرى:
- الزراعة: لتطوير محاصيل أكثر تحملًا للجفاف والملوحة والآفات، وهو أمر بالغ الأهمية لمنطقة تعاني من شح المياه مثل منطقتنا العربية.
- التشخيص: إذ طُوّرت اختبارات تشخيصية سريعة تعتمد على كريسبر للكشف عن الفيروسات وغيرها.
- البحث العلمي: حيث أصبحت أداة أساسية لفهم وظائف الجينات، بتعطيلها واحدًا تلو الآخر ودراسة النتائج.
- مكافحة الأمراض المنقولة: عبر أبحاث على تعديل البعوض الناقل للملاريا للحد من تكاثره، وهي أبحاث ما زالت تثير نقاشًا بيئيًا واسعًا.
الوجه الآخر: الأسئلة الأخلاقية
كل تقنية قوية تحمل معها مخاطر بقدر قوتها. وقد هزّت العالم العلمي في نوفمبر 2018 أنباء إعلان العالم الصيني خه جيانكوي أنه عدّل أجنة بشرية بتقنية كريسبر، ووُلدت منها توأمتان، بهدف جعلهما مقاومتين لفيروس نقص المناعة. وقد قوبل إعلانه بإدانة دولية واسعة، لأن التجربة أُجريت خارج الأطر الأخلاقية والقانونية، ولأن التعديل في الأجنة ينتقل إلى الأجيال اللاحقة، ولأن عواقبه لم تكن معروفة. وحُكم على العالم بالسجن ثلاث سنوات في الصين.
وتطرح هذه الحادثة وغيرها أسئلة كبرى:
- الفرق بين العلاج والتحسين: فتصحيح جين يسبب مرضًا قاتلًا شيء، و"تحسين" صفات مثل الطول أو الذكاء أو لون العينين شيء آخر تمامًا، قد يفتح الباب أمام ما يسمى "الأطفال حسب الطلب".
- الخلايا الجسدية والخلايا الجنسية: فتعديل خلايا الدم لدى مريض بالغ يؤثر فيه وحده، أما تعديل الأجنة أو الخلايا التناسلية فينتقل إلى الذرية، وهو ما تمنعه قوانين كثير من الدول.
- العدالة في الوصول: فإذا بقيت هذه العلاجات حكرًا على الأغنياء والدول المتقدمة، فقد تزيد الفجوة الصحية بين البشر.
- الأخطاء غير المقصودة: إذ قد يقطع المقص أحيانًا في مواضع غير مستهدفة، مع آثار لم تُفهم بالكامل بعد.
وقد تناول عدد من الهيئات الفقهية والعلمية في العالم الإسلامي قضايا الهندسة الوراثية بالبحث، ومال كثير منها إلى إجازة استخدامها في العلاج والوقاية من الأمراض، مع التحفظ على استخدامها لأغراض التحسين أو بما يمس الأنساب والكرامة الإنسانية. وهو نقاش مرشح للتطور كلما تقدمت التقنية.
العالم العربي ومختبرات المستقبل
لا يقتصر دور العالم العربي على استقبال هذه التقنيات من الخارج، بل بدأت مؤسسات بحثية عربية تدخل هذا المجال. فقد أطلقت دول عدة برامج وطنية لدراسة الجينوم، ومنها برامج في السعودية والإمارات وقطر، تهدف إلى رسم خريطة للتنوع الجيني لدى سكان المنطقة، وفهم الأمراض الوراثية الشائعة فيها. وتعد هذه البرامج خطوة أساسية، لأن معظم قواعد البيانات الجينية في العالم مبنية على عينات من أصول أوروبية، مما يجعل فهم الأمراض لدى الشعوب الأخرى ناقصًا.
كما تعمل جامعات ومراكز بحث عربية على تطبيقات كريسبر في الزراعة، لتطوير أصناف من المحاصيل كالقمح والأرز والنخيل أكثر تحملًا للحرارة والجفاف والملوحة، وهي تحديات مصيرية في منطقة تعد من أكثر مناطق العالم شحًا في المياه، وتتأثر بشدة بتغير المناخ.
غير أن التحدي الحقيقي يبقى في الاستثمار المستدام في البحث العلمي، وفي تأهيل الكفاءات الشابة، وفي بناء أطر قانونية وأخلاقية واضحة تنظم استخدام هذه التقنيات، بما يحقق الاستفادة منها ويحمي المجتمع من مخاطرها.
مصطلحات للقارئ
- الجين: جزء من الحمض النووي يحمل تعليمات صنع بروتين معين.
- الجينوم: مجموع المادة الوراثية في الكائن الحي.
- الطفرة: تغيّر في تسلسل الحمض النووي، قد يكون غير ضار وقد يسبب مرضًا.
- العلاج الجيني: علاج يقوم على إدخال جين سليم أو تعديل جين معيب.
- الخلايا الجذعية: خلايا قادرة على التحول إلى أنواع متعددة من الخلايا، ومنها خلايا الدم.
خاتمة
بدأت قصة كريسبر في بكتيريا صغيرة تحاول الدفاع عن نفسها ضد الفيروسات، وانتهت، حتى الآن، في مستشفيات تعالج أطفالًا كانوا محكومين بنقل الدم مدى الحياة. وبين البداية والنهاية، تختصر هذه القصة جمال العلم: فضول نظري بحت يتحول بعد عقود إلى أمل حقيقي لملايين البشر. لكنها تذكّرنا أيضًا بأن القدرة على إعادة كتابة شيفرة الحياة مسؤولية هائلة، تحتاج إلى حكمة أخلاقية لا تقل عن البراعة العلمية. فالمقص في يد الجرّاح أداة شفاء، لكنه في يد أخرى قد يكون شيئًا مختلفًا تمامًا.