يعود الطفل من المدرسة صامتًا على غير عادته. يرفض الحديث عن يومه، ويتذرع بصداع أو ألم في البطن صباح كل يوم دراسي، ويطلب فجأة أن تغيّر له أمه طريقه إلى المدرسة، أو يعود بأدوات مكسورة أو مصروف مفقود دون تفسير مقنع. قد يظن الأهل أنه مجرد كسل أو تقلب مزاجي، لكن الحقيقة قد تكون أخطر: أن طفلهم يتعرض للتنمر. وهي ظاهرة قديمة قدم المدارس نفسها، لكنها أصبحت اليوم أكثر حضورًا وتعقيدًا، بعد أن امتدت من ساحة المدرسة إلى شاشة الهاتف، فلم يعد الطفل المستهدف يجد ملاذًا حتى في غرفة نومه.
ما هو التنمر؟
ليس كل خلاف أو شجار بين الطلاب تنمرًا. فالأطفال يختلفون ويتشاجرون ويتصالحون، وهذا جزء طبيعي من نموهم الاجتماعي. أما التنمر فهو سلوك عدواني له ثلاث سمات أساسية يتفق عليها الباحثون:
- القصد: فهو سلوك متعمد يهدف إلى الإيذاء أو الإذلال أو الإقصاء.
- التكرار: فهو لا يحدث مرة واحدة، بل يتكرر مع الضحية نفسها على مدى زمني.
- اختلال ميزان القوة: إذ يكون المتنمر أقوى جسديًا، أو أكبر سنًا، أو أكثر شعبية، أو ضمن مجموعة، بحيث يصعب على الضحية الدفاع عن نفسها.
ويُنسب إلى الباحث النرويجي دان أولويس، الذي بدأ دراساته المنهجية حول الظاهرة في سبعينيات القرن العشرين، الفضل في وضع الأسس العلمية لفهم التنمر المدرسي ومكافحته، وقد طوّر برنامجًا وقائيًا شهيرًا طُبّق في مدارس كثيرة حول العالم.
حجم الظاهرة
تشير بيانات منظمة اليونسكو، في تقرير نشرته عام 2019 حول العنف والتنمر في المدارس، إلى أن قرابة طالب من كل ثلاثة طلاب في العالم تعرض للتنمر من أقرانه مرة واحدة على الأقل خلال الشهر السابق للمسح. كما أظهر التقرير أن التنمر الجسدي هو الأكثر شيوعًا في مناطق عدة، ومنها منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، بينما يبرز التنمر النفسي في مناطق أخرى. وقد خصصت اليونسكو يوم الخميس الأول من شهر نوفمبر من كل عام يومًا دوليًا لمكافحة العنف والتنمر في المدارس، بما فيه التنمر الإلكتروني.
أشكال التنمر
1. التنمر الجسدي
ويشمل الضرب والدفع والركل وشد الشعر، وإتلاف ممتلكات الضحية أو سرقتها، أو أخذ مصروفها بالإكراه.
2. التنمر اللفظي
ويشمل الشتائم والسخرية والألقاب المهينة، والتعليقات على الشكل أو الوزن أو الطول أو لون البشرة أو اللهجة أو الوضع الاجتماعي أو الإعاقة. وهو من أكثر الأشكال انتشارًا، وكثيرًا ما يُستهان به بحجة أنه "مجرد كلام" أو "مزاح".
3. التنمر الاجتماعي أو العلائقي
وهو الشكل الأكثر خفاءً، ويشمل عزل الضحية عن المجموعة، ونشر الإشاعات عنها، وتحريض الآخرين على مقاطعتها، وإحراجها أمام زملائها. ويُلاحظ أنه شائع بين الفتيات بشكل خاص، وإن لم يقتصر عليهن.
4. التنمر الإلكتروني
وهو الشكل الأحدث والأسرع انتشارًا، ويحدث عبر الرسائل ومنصات التواصل الاجتماعي والألعاب الإلكترونية ومجموعات الدردشة. ويشمل نشر صور محرجة، أو تعليقات مسيئة، أو حسابات وهمية للسخرية من الضحية، أو إقصاءها من المجموعات الرقمية. ويتميز التنمر الإلكتروني بخطورة خاصة لأسباب عدة: فهو يلاحق الضحية في كل وقت ومكان، وينتشر بسرعة هائلة أمام جمهور واسع، ويصعب حذفه نهائيًا، وقد يختبئ فيه المتنمر خلف أسماء مستعارة.
لماذا يتنمر بعض الأطفال؟
من الخطأ أن ننظر إلى المتنمر على أنه "طفل شرير" بطبعه. فالتنمر سلوك مكتسب في الغالب، تقف وراءه أسباب متعددة، منها:
- التعرض للعنف في البيت، سواء بالضرب أو بمشاهدة العنف بين الوالدين.
- الرغبة في السيطرة ولفت الانتباه وكسب الشعبية بين الأقران.
- ضعف التعاطف وصعوبة فهم مشاعر الآخرين.
- غياب الحدود والرقابة الأسرية، أو على العكس، القسوة المفرطة في التربية.
- التعرض للتنمر سابقًا، فبعض المتنمرين كانوا ضحايا من قبل.
- التأثر بنماذج العنف في الإعلام والألعاب الإلكترونية.
- بيئة مدرسية تتسامح مع العدوان أو تتجاهله.
من هم الأكثر عرضة؟
يمكن أن يتعرض أي طفل للتنمر، لكن بعض الفئات أكثر عرضة من غيرها، مثل: الأطفال المختلفين في المظهر أو الوزن، وذوي الإعاقة أو صعوبات التعلم، والطلاب الجدد أو القادمين من بلدان أو مناطق أخرى، والأطفال الخجولين أو المنعزلين، والمتفوقين دراسيًا أحيانًا، والأطفال من أسر فقيرة. ومن المهم التأكيد هنا على أن الضحية لا تتحمل أي مسؤولية عما تتعرض له، فالمشكلة في السلوك العدواني لا في اختلاف الآخرين.
علامات تستدعي انتباه الأهل
نادرًا ما يخبر الطفل أهله صراحة بأنه يتعرض للتنمر، إما خوفًا من انتقام المتنمر، أو خجلًا، أو خشية أن يُتهم بالضعف، أو اعتقادًا بأن الكبار لن يفعلوا شيئًا. لذلك على الأهل الانتباه إلى العلامات غير المباشرة، ومنها:
- رفض الذهاب إلى المدرسة، أو التمارض المتكرر صباحًا.
- تراجع مفاجئ في التحصيل الدراسي.
- عودة الطفل بملابس ممزقة أو أغراض مفقودة أو كدمات غير مفسرة.
- تغيرات في النوم والشهية، أو الكوابيس المتكررة.
- الانطواء والحزن وسرعة الغضب.
- فقدان الأصدقاء، أو تجنب المناسبات الاجتماعية.
- القلق الشديد عند استخدام الهاتف أو بعده، أو حذف حساباته فجأة.
- عبارات تدل على تدني تقدير الذات، مثل: "لا أحد يحبني" أو "أنا فاشل".
الآثار: ليست مجرد "مرحلة وتمضي"
يردد بعض الكبار أن التنمر جزء طبيعي من الطفولة، وأنه "يقوّي الشخصية". لكن الدراسات التربوية والنفسية تثبت عكس ذلك تمامًا. فالتنمر قد يترك آثارًا عميقة وطويلة الأمد على الضحية، منها: القلق والاكتئاب، وتدني تقدير الذات، والتراجع الدراسي والتسرب من المدرسة، والعزلة الاجتماعية، والأعراض الجسدية المرتبطة بالتوتر. وقد تمتد بعض هذه الآثار إلى مرحلة البلوغ.
ولا يسلم المتنمر نفسه من العواقب، إذ تربط دراسات عدة بين التنمر المستمر في الطفولة وبين مشكلات سلوكية لاحقة، مما يعني أن التدخل المبكر يحمي المتنمر من نفسه بقدر ما يحمي الضحية. أما الطلاب المتفرجون، فيعيشون في بيئة من الخوف وعدم الأمان، وقد يتعلمون أن العنف وسيلة مقبولة لتحقيق المكانة.
ماذا يفعل الأهل؟
إذا كان طفلك ضحية
- استمع بهدوء: دون مقاطعة أو لوم أو انفعال، وأشعره بأنك تصدقه وأنه فعل الصواب حين أخبرك.
- لا تقل له "ردّ الضرب بالضرب": فهذا قد يعرضه لأذى أكبر أو لعقوبة مدرسية، ويعلمه أن العنف هو الحل.
- تواصل مع المدرسة: بهدوء وحزم، واطلب لقاء المعلم أو المرشد الطلابي، واعرض الوقائع بتفاصيلها وتواريخها.
- وثّق ما يحدث: ولا سيما في التنمر الإلكتروني، باحتفاظك بلقطات الشاشة والرسائل.
- عزز ثقة طفلك بنفسه: عبر الأنشطة التي يحبها ويتفوق فيها، وتوسيع دائرة أصدقائه خارج المدرسة.
- درّبه على الاستجابات الآمنة: مثل الابتعاد بثقة، وطلب المساعدة من الكبار، والبقاء قرب الأصدقاء.
- اطلب مساعدة مختص نفسي: إذا لاحظت علامات قلق أو اكتئاب مستمرة.
إذا كان طفلك متنمرًا
قد يكون هذا الاكتشاف صادمًا للأهل، لكن الإنكار أو التبرير يضر الطفل. والأفضل: أن تتعامل مع الأمر بجدية، وأن تبحث عن أسباب السلوك، وأن توضح لطفلك أن هذا السلوك مرفوض، مع الحفاظ على محبتك له. وعلّمه التعاطف بأن يتخيل مشاعر الضحية، واطلب منه الاعتذار وإصلاح ما أفسده، وراجع أسلوبك التربوي في البيت، وتعاون مع المدرسة على خطة لتعديل السلوك.
دور المدرسة: من رد الفعل إلى الوقاية
لا يمكن مواجهة التنمر بجهود فردية متفرقة، بل يحتاج إلى سياسة مدرسية متكاملة، تشمل:
- سياسة واضحة مكتوبة: تعرّف التنمر بأشكاله، وتحدد إجراءات الإبلاغ والتحقيق والعقوبات، وتُعلن للطلاب والأهل.
- قنوات إبلاغ آمنة: مثل صناديق الشكاوى السرية أو المرشد الطلابي، بحيث لا يخشى الطالب الانتقام.
- الرقابة في الأماكن الحرجة: كالساحات والممرات ودورات المياه والحافلات المدرسية، حيث يحدث معظم التنمر بعيدًا عن أعين المعلمين.
- تدريب المعلمين: على اكتشاف التنمر والتعامل معه، وعدم التهاون مع ما يبدو "مزاحًا".
- برامج التربية الاجتماعية والعاطفية: التي تعلم الطلاب التعاطف وإدارة الغضب وحل النزاعات بالحوار.
- تمكين المتفرجين: فالدراسات تشير إلى أن تدخل الأقران كثيرًا ما يوقف التنمر سريعًا. لذا ينبغي تعليم الطلاب أن الصمت مشاركة، وأن الوقوف مع الضحية أو إبلاغ الكبار شجاعة لا "وشاية".
- إشراك الأهل: عبر ورش توعوية ولقاءات دورية.
المعلم: القدوة الأولى
ومن المهم أن نعترف بأن بعض أشكال التنمر قد تصدر عن الكبار أنفسهم، حين يسخر معلم من طالب أمام زملائه، أو يطلق عليه لقبًا مهينًا، أو يقارنه بغيره بطريقة جارحة. فالمعلم الذي يحترم طلابه، ويعدل بينهم، ويرفض السخرية في فصله، يقدم أقوى درس عملي في مكافحة التنمر.
في قيمنا ما يعيننا
تحمل ثقافتنا العربية والإسلامية قيمًا راسخة تنبذ السخرية والإيذاء، وتدعو إلى الرحمة وحفظ الكرامة. فالقرآن الكريم ينهى صراحة عن السخرية والتنابز بالألقاب في قوله تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَىٰ أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ" (الحجرات: 11). ويمكن للمربين أن يستثمروا هذه القيم في بناء ثقافة مدرسية قائمة على الاحترام المتبادل.
التنمر الإلكتروني: إرشادات خاصة
لأن التنمر الإلكتروني يحدث بعيدًا عن أعين المعلمين، وغالبًا في ساعات الليل داخل البيوت، فإنه يحتاج إلى وعي خاص من الأهل. ومن أهم الإرشادات في هذا المجال:
- الحوار قبل المنع: فمنع الطفل من الهاتف كليًا قد يدفعه إلى إخفاء ما يتعرض له، خوفًا من فقدان هاتفه. والأفضل أن يشعر بأن إخبار الأهل لن يجلب له العقاب.
- إعدادات الخصوصية: علّم أبناءك ضبط إعدادات الخصوصية في حساباتهم، وعدم قبول طلبات الصداقة من الغرباء، وعدم مشاركة الصور الشخصية أو المعلومات الحساسة.
- الحظر والإبلاغ: درّبهم على حظر الحسابات المسيئة والإبلاغ عنها للمنصة، بدل الرد عليها.
- عدم الرد بالمثل: فالرد على الإساءة بإساءة يزيد المشكلة ويعقّد حلها.
- الاحتفاظ بالأدلة: بتصوير الشاشة قبل الحظر أو الحذف، لاستخدامها عند الإبلاغ للمدرسة أو الجهات المختصة.
- تحديد أوقات للشاشة: وإبقاء الأجهزة خارج غرف النوم ليلًا، وهو ما يحمي الطفل من التنمر الليلي ويحسن نومه.
وقد أصدرت دول عربية عدة قوانين لمكافحة الجرائم الإلكترونية، تجرّم التشهير والابتزاز والإساءة عبر الإنترنت، ومن المفيد أن يعرف الأهل والمدارس هذه القوانين والجهات التي يمكن اللجوء إليها عند الضرورة.
قصة من الواقع
يروي كثير من المرشدين التربويين قصصًا متشابهة: طالب كان متفوقًا ومحبوبًا، ثم بدأ تحصيله يتراجع فجأة، وصار يغيب كثيرًا. وحين جلس المرشد معه بهدوء، اكتشف أن زملاءه أنشؤوا مجموعة على تطبيق للمراسلة للسخرية منه ومن شكله. ولم يكن الحل في معاقبة الطلاب فقط، بل في جلسات حوار جمعت الطرفين بإشراف المرشد، وفي إشراك أولياء الأمور، وفي نشاط صفي عن آثار الكلمة الجارحة. وبعد أسابيع، عاد الطالب إلى مستواه، واعتذر زملاؤه، بل صار بعضهم أصدقاءه. وتؤكد مثل هذه القصص أن التدخل التربوي الهادئ والمبكر قادر على إصلاح ما يفسده التنمر.
خاتمة
التنمر ليس "شقاوة أطفال" ولا "مرحلة وتمضي"، بل هو جرح قد يترك ندوبًا تدوم سنوات. والخبر الجيد أنه ظاهرة يمكن الوقاية منها والحد منها، حين يتكاتف البيت والمدرسة والمجتمع. فلنستمع إلى أطفالنا، ولنصدقهم، ولنعلّمهم أن القوة الحقيقية ليست في إيذاء الضعيف، بل في الوقوف إلى جانبه. وحين يتعلم الطفل ذلك في ساحة المدرسة، فإنه يحمله معه إلى المجتمع كله.