قبل أن نطرح على الغرب و ينوب عنه في الإجابة هذه المرة سويسرا لماذا منعتم بناء المآذن ودون انتظار إجابة نتسرع ونعد هذا المنع جريمة ضد حقوق الإنسان ومساس بحماية ممارسة الشعائر الدينية
لنسأل أنفسنا أولا سؤالين
السؤال الأول :
هل المئذنة ركن من أركان الدين , لا تصح الصلاة عند غيابها ولا يكتمل إسلام المرء ولا إيمان مجتمع إلا
في حضرتها كأنها صنم فنصيح جميعا في وجه الغرب : " أعل هبل؟؟؟"
والله أعلى وأجل.
والإجابة هي :
أن مسجد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم والمساجد التي بنيت في الخلافة الراشدة لم تكن تعرف المآذن , وان قيام المآذن وارتفاعها دعته الحاجة لإيصال صوت الأذان لأكبر مسافة و لا يتم ذلك إلا برفع الأذان من مكان عال ومن هنا جاءت فكرة المئذنة ,بمعنى أن فكرة المئذنة جاءت لأجل توصيل أمر حلول موعد الصلاة لأكبر قدر من الناس , فإذا قام بهذا الأمر فكرة أخرى كمكبر الصوت اليوم مثلا فان المئذنة لم تعد لها وظيفة دينية ,بل هي اليوم لها وظيفة تراثية باعتبارها جزء من العمران الإسلامي ووظيفة جمالية باعتبارها جزء من العمران الإسلامي ,لذلك سواء منعت سويسرا تشييد المآذن أم سمحت بها أو شجعت عليها ومونتها لن تختل معادلة الجالية المسلمة هناك لأن استمرارية الإسلام وانتشاره وبقاء المجموعة المسلمة والمحافظة على الروابط الاجتماعية سواء بينها أو بينها وبين غيرها لا علاقة له بالمئذنة .
أما السؤال الثاني :
ماذا لو طالبنا الغرب بتطبيق مبدأ المعاملة بالمثل ,فقدم اعتذاره على منع بناء المآذن وسمح بها لأجل عيون حقوق الإنسان وعدم المساس بشعائر الأشخاص وطالبنا كذلك بالسماح له ببناء الكنائس وممارسة التبشير بكل حرية فبماذا نجيب وقتها؟
انه من العار وشيم النفاق أن نطالب الغرب بمبدأ نحن في قريرة أنفسنا نكفر به
نحن نخاف على المجتمع المسلم – الشكلي –[1]من الفتنة لذلك نمنع التبشير ونصادر الأناجيل ونطالب في ذات الوقت من الغرب السماح لنا بأسلمة مجتمعاته – شكليا- [2]
لذلك وجب أن نعيد للمعادلة الاجتماعية عندنا توازنها ,وتوازنها يكمن في تفعيل الوظيفة الاجتماعية للفكرة الدينية التي هي السياج الآمن للمجتمع المسلم والتي في ظلها لا نخشى من أي فتنة وسوف تفشل أي حملة تبشيرية فشلا ذريعا لأنها وان وجدت قانون يحميها وأبواب مفتوحة للدخول فانها لن تجد فراغ لتملؤه فتظل منبوذة مرفوضة كما يرفض الجسم أي عضو غريب زرع فيه فلا يتقبله ...
في حين أن الإسلام في الغرب سيتعايش ولا نقصد هنا الاسلام السياسي الذي يناور من أجل مكاسب محدودة آنية في ظل مزايدات تستثمر في عواطف الجموع المسلمة , بل نتكلم عن إسلام حضاري يعرف التحديات التي يواجهها جيدا وقد وضع لها دراسات متنوعة ويعرف كيف يواجهها ويذلل أي عقبة يصادفها في هذه المطارحة الحضارية بعيدا عن الانفعالات أو الاحتكام لتصرفات غوغائية .
فقرار منع تشييد المآذن عبارة عن حلقة في سلسلة طويلة وليس بالأمر الجديد ولا الغريب مثله مثل الرسومات المسيئة للرسول الكريم صلى الله عليه وآله وسلم وقرار حظر البرقع والقائمة سترتفع مع السنوات القادمة ...
وحلقة منع تشييد المآذن وغيرها من الحلقات الأخرى ليست هي المشكلة التي على الأمة واجب مواجهتها ,إنما هي أعراض جانبية لمشكلة أعم وأعمق في أطر المطارحة الحضارية [3]
حال الأمة هنا حال سكان القرية الذين يرون نارا تشتعل في هذا الحقل فيهرعون بكل وسائلهم- على محدوديتها- وبكل جهدهم وقوتهم ليخمدوها , وبعد أن ينجحوا في مهمتهم ودون أن يسترجعوا جهدهم ويفكروا في سبب الحريق يتفاجؤا بحريق آخر في حقل آخر من حقول القرية لتبدأ لعبة المطاردة الشهيرة بين القط والفأر ,فان ما يخمد حريق حتى يشتعل آخر ,وهذه الحرائق مترابطة تعرف بسلسلة الحرائق مسببها واحد محترف ,يدرس الأماكن المثلى دراسة وافية ويفتعل الحرائق في أوقات مختلفة بنمطية معينة حيث أن غير الخبير يعتقد أن سببها مختلف وأنها من قبيل الصدفة : إهمال غير متعمد , شرارة كهربائية , صاعقة رعدية,حادث مرور...
هذا ما يحدث في أطر المطارحة الحضارية بين الغرب والمسلمين ,فالغرب يختار بعناية مكان الحريق ووسيلته وقبل أن يخمده المسلمون يظهر حريق آخر في مكان آخر , ليبقى تركيز المسلمون في الأعراض الجانبية دون الالتفات لمكمن الداء وعلاجه .
والجسم الإسلامي لا يفتقد للدواء بقدر افتقاده للرغبة في الشفاء ,يجسد هذه الذهنية شطر البيت القائل : " وربما صحت الأجسام بالعلل."
وكأن الأمراض الحضارية التي نخرت الأمة قضاء وقدر وجب علينا مجابهتها بالصبر لأنها من باب الابتلاء لنردد في فخر:"وبشر الصابرين."
فحالنا حال المريض الذي اشتد به الألم ينتظر البشارة لأنه صبر على الألم والدواء بجانبه لم يتناوله وكأن في العلاج تغيير للولاية الكونية أو اعتراض على قدر...
فنحن تواصينا بالصبر دون أن نتواصى بالحق , والصبر يأتي بعد الحق ,لا دونه ,فالصبر يكون في المطالبة بالحق ويكون في الحفاظ على الحق وبالتالي وجب علينا أن نصبر في كشف الأمراض الحضارية التي أصابت أمتنا ونصبر في علاجها ونصبر في المحافظة على صحتها بعد شفائها وهذا هو الحق الذي أمرنا بالتواصي به والصبر عليه وله وأجله.
1 لأن المجتمع المسلم الغير شكلي لا نجد فيه الآفات الاجتماعية من مخدرات وانتحار واختطاف بنسبة مزقة شبكة العلاقات الاجتماعية وقاربت على تقويض المجتمع
2 لأن أي فعل جاد يقصد به تحقيق نتيجة ايجابية يجب أن يسبقه تخطيط محكم ودراسة متكاملة وجهاز يسهر على تنفيذه واطار معين لتحقيقه وهذا غير موجود لمن يتمنى بقلبه فقط أن يهدي الله إحدى الأمريكيتين
3 فضلت المطارحة على كلمة المواجهة لأنها جاءت من وجها لوجه بينما الغرب يسدد ضرباته من الوجه ومن الخلف وحتى من أنفسنا بتجنيد الطابور الخامس وزرع الفتن وسياسة فرق تسد و ...... المهم أن يطرحنا أرضا بأي طريقة وكيفية



