في العدد الأخير من مجلة العربي سبتمبر 2009 قرأت هذه القصيدة تحت باب "وتريات" بعنوان:" انبعاث!" وأكثر ما أعجبني بها هو هذا الكم من علامات التعجب الذي أراح ضميري!
الأقحوانة.. تستحم الآن في رئة القتاد
ويستحم الجمر بالحلفاء
بالقش المعمد.. بالثريا..
بين أوردة الخرائط..
والنهى
من للنهى..؟!
من لي بسوسنة.. تسلمها المذابح..للمذابح..؟!
إنها تزوي..!
تؤرج.. أم تؤجج..؟!
إنها تهمي ..!
أيصبح نعشها صفصافة في القبر..
بين حدائق الأموات والصمت المقدس..؟!
من لها..؟!
جميزة الجبانة العجفاء.. لي
والموت.. لي
ولها.. أراجيح الطفولة..
والبطولة..
والعصافير القتيلة في صباحات الأماني..
وردتي:
هل تبعثين هنا..؟!
بعرشك.. فوق نعشي..؟!
أم بنعشك..فوق عرشي..؟!
أم بقرط مدينة خسفت بلا عرش.. بلا نعش..؟!
فلا في وكنة النسرين
شلال لذاكرة الأرامل
والندى نعش بقمصان الأريج
ووردة التأريخ تجهل:
أي درب سوف يهدي للزؤام..
.. وأي درب ..للسلام..؟!
أولاً: علي الطماطم بالتلاتة ويا رب أعدم الشتامين والملحدين في عرب تايمز ما فاهم حاجة ، وثانياً السؤال الذي يلح على ذهني هو: ما الهدف أو الغاية التي تغياها الشاعر من هذه القصيدة؟
أذكر جيدا ، والحديث هنا ذو شجون أن العقاد لما كان رئيسا للجنة الشعر في وزارة الثقافة كان يرمي ببعض القصائد في سلة المهملات بعد أن يكتب تقريرا عنها بأنها مجهود عضلي يعني أن صاحبها مجرد شيال كلام موزون أو مجهود عصبي حيث انفعالات ومجازات واستعارات بلا تآلف أو تمازج أو مجهود عقلي فكري حكيم بحت لا يدل أو يشي بتجربة ذاتية رفيعة يقطر منها عبير الصدق والإحساس من الشاعر.
فما هو تعريف الشعر يا ترى؟ وهل الشعر أوزان وقافية وحسب؟ يعني مثلا عندما أقرأ للآمدي في موازناته ومفاضلاته بين الشعراء فإنه يقدم البحتري على أبي تمام وهذا واضح عندي لأن أبا تمام حكيم يرسل الحكمة في ثنايا شعره حتى لو لم تكن ذات أثر عميق في تجربة شخصية له ونفس الشيء ينطبق في كثير من الأحايين على المعري بل والمتنبي أيضاً الذي تأثر به المعري أيما تأثر.
وصحيح أن نيتشه يقول:"من بين كل أنواع الكتابة أحب فقط تلك التي يكتبها الكاتب بدما ء قلبه." لكني لن أبالغ مثل نيتشه ، فقط أطلب الوضوح والصدق الذي ينتقل عفوا من القلب إلى القلب. ولعل هذا يستبين لنا مجسما في قول عنترة (برغم أنا نسمي زمانه زمن الجاهلية) : يا عبل ما أخشى الحمام (بكسر الحاء) وإنما أخشى على عينيك وقت بكاك.
طيب هل يلزم الشاعر أن يكون مثقفا؟ بدهي أن الثقافة عنصر مكمل يزيد الشعر حسنا وبهاء وجلالا سيما وأن الثقافة ليست مثل عدمها ، ففرق عظيم بين الجاهل والمثقف بين الشعراء ، وقد أفاض في الجواب على هذا السؤال فؤاد دوراة في كتابه: شعر وشعراء حيث انتصر للشعر الغنائي الرقراق الحساس على كل أنواع الشعر الأخرى وإن التزمت بالوزن والقافية فانتصر لنزار قباني بينما لم يحفل بتلميذ العقاد: العوضي الوكيل في ديوانه:" شفق" رغم احتفاء عزيز أباظة به ذلك أن أباظة كان شديد السخط والنقمة على الشعراء الجدد ويثني على العوضي لالتزامه الحرفي بعمود الشعر العربي القديم.
يؤكد دوراة (بتشديد الواو المفتوحة) أن الصناعة الشعرية والافتعال النفسي والوجداني واضح في ديوان العوضي الوكيل ، ويختم بكلمات شديدة القيمة والقوة في ذات الوقت أتمنى أن أوجهها لصاحب القصيدة التي نشرتها العربي رغم أن الفرق بينه وبين تلميذ العقاد رهيب حيث يقول دوارة (صفحة 111 طبعة الهيئة المصرية العامة للكتاب):"مثل هذا الشاعر لا ينبغي أن نتوقع منه شعرا إنسانيا صادقا يثري حياتنا الفكرية والعاطفية ويسمو بنفوسنا إلى عوالم الحب والجمال ، مهما التزم بعمود الشعر ولغة مضر وربيعة..!"
وصحيح أن للشعر أنواعا وأسماء كثيرة فمنه الموشح الذي برع فيه الأندلسيون بتأثير بيئتهم الجميلة فكان شعرا غنائيا فائقا ومنه الزجل والمسمط والمعلقة والملعب والدوبيت وغير هذا لكني أستحلف القاريء بالله أن يدلني على نوع هذا الشعر ليس من جانبي الوزن والقافية ولكن من جانبي الفهم والتذوق وهما لا يقلان أهمية عن الوزن والقافية.
أذكر هنا الآن كلمة الممثل الشهير زكي طليمات حينما سئل كيف يكون المرء مثقفا في عصر امتلأ بالزيف فرد قائلا: قل في الواقع ثم تنحنح ثم اصمت قليلا ثم قل ما شئت!
وبناء على هذه الطريقة فسأحكي لكم واقعة ظريفة ولكن فضلا اجعلوها في سركم:
يطاردني أخ كريم يعمل معنا في القناة وهو المسئول عن الأمن وقد أنهى دبلوم الصنائع وهو عندنا شهادة تساوي شهادة محو الأمية أو تقل عنها بقليل أو كثير لا فرق. المهم أنا شخصيا لا أؤمن بالشهادات والألقاب بل وأؤمن أنه حتى الشخص الحاصل على الدكتوراه ليس بعالم بالعلم في الحقيقة وإنما هو عالم يكيفية وآلية معينة تمكنه من اجتياز الامتحانات يعني هو عالم بكيفية تخطي الاختبارات اللازمة للوصول إلى هذه الدرجة أو غيرها. ما علينا..في حديثي معه تطرق الأمر إلى موهبته العظيمة التي يتمتع بها (هكذا قال لي) في الشعر فقلت يا سلام يا سيد (اسمه سيد) أسمعني يا رجل وشنف آذاني بجميل شعرك: على الفور طلب مني أن أضيفه في مكتبي وطبعا بعد إلحاح شديد مني تعطف علي وكتب أربعة سطور (لا أبيات شعرية) في حوالي ساعة ونصف لأنه لا يجيد التعامل مع الكمبيوتر. في النهاية اضطررت لأن أطلب منه أن يملي علي شعره بحيث أكتبه وأقرأه وأعطيه نقدا أو تقريظا له. العجيب أني وجدته يصر على أن يملي علي الكلمات بطريقة خاطئة يعني يقول مثلا: عجبت (فعل ماض والتاء تاء الفاعل المتكلم) فيصر أن أكتبها هكذا: عجبتووا أتعجب وأقول له يا سيد هي : عجبت يقول لا والله هي عجبتووا المهم بعد سجال عنيف أقسمت له وقلت له: وربنا يا سيد وحياة ربنا الكلمة تكتب : عجبت بدون واوين وألف قال لي: يا عم دي مكتوبة في كل الكتب كده(لاحظ: كل الكتب قال يعني سيد قرأ كل الكتب!) جائز بقة والله أعلم!
وحتى أختم بشعر جميل دعوني أنقل لكم شعرا لشاعر عظيم الرقة والجمال والصدق لكنه مع الأسف مجهول وهو من طبقة العقاد والمازني وحافظ واسمه إسماعيل صبري حيث كان يشترك معهم جميعا في حب مي زيادة حيث يقول:
روحي على دور بعض الحي حائمة
كظاميء الطير تواقا إلى الماء
إن لم أقنع بمي ناظري غداً
أنكرت صبحك يا يوم الثلاثاء.
يا سلام يا سلام ، وعلى ذكر الغزل الذي كتب فيه صاحب قصيدة مجلة العربي أنقل لكم قطعة رائعة لنزار قباني الذي يصر حتى وهو في قمة إبداعه العاطفي ألا ينسى النهود:
وأقبلت مسحوبة يخضر من تحتها الشجر
ملتفة بشالها ، لا يرتوي منها النظر
أصبى من الضوء ، وأصفى من دميعات المطر
تخفي نهيداً ، نصفه دار ونصف لم يدر.



