المنهج البنيوي : الأسس و المرجعية

 

البنيوية مذهب علمي يهدف إلى الكشف عن تلك العلائق الإنسانية في مختلف مستوياتها ، من عادات ، و تقاليد ، و غيرها ، و  التي تتوارى وراء البنيات الداخلية لأي إبداع أدبي ، و يرى أغلب الباحثين أن هذا المنهج النقدي برز كرد على المناهج اللغوية التقليدية.

كما أن البنيوية مدرسة فكرية تقوم على مجموعة من الأسس الخاصة ، و

تعنى بدراسة و تحليل تلك البنيات المتوارية في أعماق التراث الإنساني ، و قد بلغت ذروتها بوجه خاص مع حلول القرن العشرين ، كما أن ما كتبه كل من: رولان بارت ، و ميشال فوكو من كتابات ، يعد بحق من أعظم الأعمال البنيوية التي أثرت النقد في ذلك الوقت ، و تأثر برياح التجديد فيها العديد من النقاد الغرب و العرب على حد سواء ، و ذلك في مجال تناول الأعمال الأبية دراسة ، و تحليلا. و من الأسس التي ترتكز عليها هذه المدرسة الفكرية نذكر:

           1ــ التعامل مع النص الأدبي هو تعامل مع اللغة و الخطاب الأدبيين ، بعيدا عن كل مؤثر خارجي من قريب أو من بعيد.

           2ــ ترفض إشراك الإنسان (المبدع) في الدراسة و التحليل ، فهي دراسة خالصة للغة ، و بمعزل عن كل مؤثر خارجي.

كما أن تأثير الفكر الماركسي قد كان له يد في نشأة  هذا المفهوم ، و خاصة في مطلع القرن التاسع عشر ، و على الخصوص تبني الماركسية لمصطلحي "البنية التحتية" INFRASTRUCTURE ، و "البنية الفوقية" SUPERSTRUCTURE ؛ حيث أن المصطلح الأول عند الماركسيين يقصد به مجموعة الوسائل و العلاقات المتعلقة بالإنتاج ، و هي التي تكون أساسا للتشكيلات أو الطبقات الاجتماعية. أما المصطلح الثاني ، فيمكن تلخيصه في النظام السياسي و النظام الإيديولوجي للدولة...

إن أهم ما يميز البنيوية في تحديد ماهيتها من الناحية الفلسفية ، كونها ترفض التاريخ الذي يعطي للزمن حضوره الخاص ، و هو ما يناقض تماما أسس هذا المنهج النقدي. و السؤال الذي يطرح نفسه هو: ما هي مواطن الالتقاء و الاختلاف بين كل من النزعتين البنيوية و الماركسية؟ و لا بأس أن نوجزها في النقاط الآتية:

   1ــ إن أهم نقطة تلتقي فيها الماركسية هي إهمال المبدع ، و التركيز على إنتاجه (الإبداع).

   2ــ النزعة الماركسية تختلف مع البنيوية في نقطة هامة ، و هي أن البنيوية تركز في اهتمامه على الدراسة و التحليل بظاهر الإبداع (الشكل) ، و تصف المضمون من الأمور الواقعة و تعتبره وقعا عند العناية بظاهر الإبداع و تحليله.

   3ــ إذا كان الماركسيون يربطون ظاهر الإبداع (الشكل) بالظروف التاريخية و يرفضون مبدأ الفصل بينهما ، فإن البنيويين لا يلتفتون بعين الاهتمام إلى المضمون.

   4ــ إن النزعة الماركسية و البنيوية تلتقيان من خلال نزعة التحليل النفسي التي تهدف من وراء العناية باللغة في النص الأدبي إلى فهم المضمون بيد أن النزعة الماركسية تهدف من جراء كل ذلك إلى الكشف عن العلاقات القائمة مع البنى الاجتماعية...

 و منه فإن البنيوية قد جاءت كثورة على تلك المفاهيم التقليدية للنقد ، و التي كانت تهتم بالمبدع و كل ما له صلة بحياته (المحيط الخارجي) ، و كذا الإطار الزماني الذي يؤطر حياته و حياة جماعته. و يبقى المنهج البنيوي مع كل ذلك منهجا نقديا يضاف إلى زمرة المناهج النقدية الأخرى ، التي تزود الناقد بآليات فهم ، و دراسة ، و تحليل الإبداع ، لكشف تلك الحقائق التي تنطوي داخل بنياته ، و في الوقت نفسه السمو به نحو أرقى المراتب.

 

Please publish modules in offcanvas position.