1(-معنى الجزاء والجنس:
الجزاء في اللغة: "الجَزاءُ المُكافأََة على الشيء جَزَاه به، والجَزاء القَضاء وجَزَى هذا الأَمر أَي قَضَى"([1])، وفي اصطلاح القرآن هو: الثواب والعقاب، أو "ما فيه الكفاية من المقابلة، إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر"([2]).
أما الجنس فيقصد به في اللغة:"الضرب من كل شيء"([3])، وفي الاصطلاح القرآني يشبه التعريف اللغوي أي: المماثلة والمشاكلة.كما في قوله تبارك وتعالى:﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾([4]).
2(- تأصيل سنة الجزاء من جنس العمل:
إن الجزاء من جنس العمل سنة من سنن الله في خلقه، ولهذا أخبرنا ربنا تبارك وتعالى في كثير من الآيات القرآنية أنه يعامل خلقه بجنس عملهم، إن خيرا فخيرا، وإن شرا فشرا، فقال سبحانه وتعالى:﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾([5]).
وقال تعالى وتقدس:﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾([6]) .
وقال الحق جل في علاه:﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾([7]).
وقد نص الله U على ذلك في أكثر من مائة موضع، نحو قوله تعالى:﴿فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً﴾([8])، وقوله جل ذكره:﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾([9])، وقوله جل ثناؤه:﴿ وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ ﴾([10])، وقوله عز سلطانه:﴿وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾([11])، وقوله جل شأنه:﴿وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا﴾([12])، وهذا مظهر من مظاهر العدل الإلهي في الدنيا والآخرة.
ولله در القائل:
"لِكُلِّ شيء آفةٌ من جنسِهِ حتى الحديدُ سَطَا عليه المِبْرَدُ"([13]).
والجزاء من جنس العمل منه ما يكون في الدنيا، ومنه ما يكون في الآخرة ومنه ما يكون في التشريع:
أ- الجزاء من جنس العمل في الدنيا:
ومثاله:
أ)- تسليط الظالمين بعضهم على بعض:
يقول الحق جل وعلا:﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾([14]).
ب)- إهلاك المكذبين الذين يؤذون رسل الله وأولياءه:
يقول الله جل ثناؤه:﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ﴾([15])، ويقول الباري جل وعلا:﴿وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾([16])، ويقول عز سلطانه: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا﴾([17]).
ت)- معاملة المنافقين والكافرين بجنس ما يعاملون به الحق والمؤمنين:
قال الله جل وعلا:﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾([18]).فالسخرية من المنافقين والكافرين تكون بالطبع على قلوبهم، وبإمهالهم في غيهم وطغيانهم يعمهون.
وقال الله تعالى وتقدس:﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾([19]). ومن نسيه الله كان الضلال حليفه، والشر مأربه، وجهنم منزله.
ث)- نصر الله للمؤمنين في الدنيا منوط بنصرهم لدين الله U وسعيهم لإعلاء كلمته ونصرتهم لبعضهم بعضا:
قال الله سبحانه وتعالى:﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾([20])، وقال جلت عظمته:﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾([21]).
وعن جَابِر بْن عَبْدِ اللَّهِ وَأَبي طَلْحَةَ بْن سَهْلٍ الأَنْصَارِيَّيْنِ قالا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r:pمَا مِنِ امْرِئٍ يَخْذُلُ امْرَأً مُسْلِماً عِنْدَ مَوْطِنٍ تُنْتَهَكُ فِيهِ حُرْمَتُهُ، وَيُنْتَقَصُ فِيهِ مِنْ عِرْضِهِ، إِلاَّ خَذَلَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي مَوْطِنٍ يُحِبُّ فِيهِ نُصْرَتَهُ، وَمَا مِنِ امْرِئٍ يَنْصُرُ امْرَأً مُسْلِماً فِي مَوْطِنٍ يُنْتَقَصُ فِيهِ مِنْ عِرْضِهِ، وَيُنْتَهَكُ فِيهِ مِنْ حُرْمَتِهِ، إِلاَّ نَصَرَهُ اللَّهُ فِي مَوْطِنٍ يُحِبُّ فِيهِ نُصْرَتَهُi ([22]).
ب- الجزاء من جنس العمل في الآخرة:
ومثاله:
أ)- معاملة أهل الإحسان بالإحسان:
يقول الله عز اسمه:﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾([23])، ويقول جل ثناؤه: ﴿للَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾([24]).
ب)- معاملة المنافقين والكافرين بجنس ما كانوا يعاملون به الحق وأهله:
يقول الحق تبارك وتعالى:﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ * وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ * وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ * وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ * فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ * عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ *هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ*﴾([25]).
ت- الجزاء من جنس العمل في التشريع بين الناس:
ومثاله:
المماثلة في القصاص: لقوله تبارك وتعالى:﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾([26])، وقوله عز من قائل:﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾([27]).



