نشر ومتابعة
تكثر المواقع الإلكترونية التي تهتم بنشر الإبداعات الأدبية, من قصة وشعر ورواية. كالمنتديات والمجلات الإلكترونية والصفحات الخاصة.......إلخ .
وهذا يدل على كثرة المهتمين بالأدب من كتّاب وقرّاء على حد سواء.
ولكن إذا تساءلنا عن مستوى هذه المنشورات, وفائدتها في رفد الحركة الإبداعية في وطننا العربي بمجموعة من الأدباء والكتاب والشعراء المبدعين, فإننا سنجد أن أثرها محدود جداً, ولهذا أسباب كثيرة لعل أبرزها عدم وجود ضبط لما ينشر, بمعنى أن هذه المواقع غالباً تنشر لأي محاول دون غربلة لما يستحق النشر من هذه الإبداعات, هذا في المواقع والمجلات التي يديرها محررون يختارون ما يريدون نشره, أما في المنتديات فلا يوجد مانع من النشر طالما كنت مشتركاً في المنتدى.
إن انتشار القصة والشعر بهذا الشكل ليس مشكلة بحد ذاته, لأن نشر هذه المحاولات سواء كانت جيدة أو سيئة لا مانع منه, ولكن المشكلة هي عدم وجود نقد حقيقي لما يُقدم, والقبول بل التطبيل أحياناً, لنتاجات لا ترقى لمستوى الهذيان حتى, بسبب بروز داء المصالح الذي يحكم مثل هذه النشاطات, أو كما أسماه باولو كويليو في رواية الزهير بـ "طلب المصعد إلى أعلى", فالكتّاب والشعراء يتبادلون المجاملات ليفسح كل واحد منهم المجال للآخر, تماماً مثل المثل الشعبي ( حكّلي لأحكّلك). وصدق علي بن أبي طالب رضي الله عنه حين قال:
وَبَقيتُ في خَلَفٍ يَزَيِّنُ بَعضُهُم بَعضاً لِيَدفَعَ مُعوِراً عَن مُعوِرِ
وهذا ما جعل كثيراً من المواهب الشابة لا تجد من يأخذ بيدها ويقيّم إنتاجها حتى تستطيع التطور والبروز ورفد الحركة الأدبية بما تحتاجه من دماء جديدة.
والملاحظ أيضاً أن كثيراً من هذه الإبداعات المنشورة لا تجد من يقرأها ويهتم بها إذا كانت طويلة نوعاً ما, وخصوصاً في فن القصة, فكأن القارئ يقيس طول القطعة بالمسطرة قبل البدء بقراءتها, وهذا ما شجّع على بروز أنواع أدبية من مثل ما أسموه القصة القصيرة جداً, والتي لا تتعدى سطراً أو سطرين ولا تحمل في طياتها ما يمكن تسميته قصة, ولعل الإسم المناسب لها برأيي هو جملة اليوم. ومع ذلك نجد من يطبّل لها ويعتبرها تعبيراً مركّزاً عن لقطة حياتية أو نفسية, تبرز عبقرية كاتبها. وعندما نستعرض التعليقات التي تأتي على مثل هذا النوع من الجمل القصصية نراها تفصّل وتبالغ وتعطي لها أبعاداً كثيرة ليست موجودة فيها أصلاً, وهدف المعلّق غالباً لا يختلف عن هدف كاتب هذه العبارة, وهو محاولة الظهور بمظهر العبقري اللاقط للغرائب والمبهرات.
أما ظاهرة التمييز بين الكتّاب الرجال والكاتبات النساء, فهي مشكلة أخرى, فغالباً نرى أن كتابات النساء تجد اهتماماً أكثر من قبل المعلقين والقراء, حتى لو كانت لا تمثّل شيئاً إبداعياً, وما ذلك إلا رغبة من بعض المعلقين للفت الانتباه عن طريق التملق والمجاملة طمعاً في علاقة عابرة يمتعون بها أنفسهم, وليس لهدف ثقافي محض. طبعاً أنا لا أتّهم بذلك جميع المعلقين ولكن المتابع لبعض التعليقات يلمس مثل هذه التصرفات الصبيانية.
وعلى الرغم من ذلك فإنني أجد أن هذا الانتشار الواسع على علاته, مفيد جداً لمن أراد دراسة فئة الشباب من كل النواحي, لأن كتاباتهم هي انعكاس لنفسياتهم وأفكارهم وبيئاتهم وتفاعلهم مع المحيط الداخلي والخارجي.
بالإضافة إلى أن الأنترنت فتح نافذة كانت مغلقة في وجه المبدعين الشباب, الذين أوصدت في وجوههم مجالات النشر في المجلات الورقية لأسباب كثيرة, أبرزها سيطرة فئة معينة وأسماء محددة على مجالات النشر الورقي.
ولكن هذه النافذة بحاجة إلى رعاية واهتمام, حتى تكون نافذة خير على حركتنا الأدبية, ومنبعاً لرفدها بمواهب جديدة تساهم في إنعاشها وانتشارها, وتنمية للذوق الأدبي لدى القراء.
وهنا تبرز مسؤولية الأدباء والنقاد الذين يتحملون هذه المسؤولية من خلال متابعتهم وتقييمهم ونقدهم البناء لما يُنشر, ومن خلال تبنيهم وتشجيعهم للمواهب التي تستحق التشجيع, حتى تأخذ فرصتها, ويعرفها القراء.
بقلم مدير التحرير
رغداء زيدان