قد يكون جالسًا إلى جوارك الآن، في البيت أو المكتب أو المسجد، شخص يبدو في كامل صحته، لا يشكو من شيء، ويمارس حياته بشكل طبيعي، لكن ضغط دمه مرتفع منذ سنوات دون أن يعلم. ثم يأتي يوم يُصاب فيه بسكتة دماغية أو أزمة قلبية أو فشل كلوي، فيقول أهله: "كان بصحة جيدة، لم يكن يشكو من شيء!". لهذا يسمي الأطباء ارتفاع ضغط الدم "القاتل الصامت"، فهو مرض لا يطرق الباب قبل أن يدخل، ولا يعلن عن نفسه إلا بعد أن يكون قد أحدث ضرره.
حجم المشكلة
تقدّر منظمة الصحة العالمية أن نحو مليار وثلاثمئة مليون بالغ في العالم، ممن تتراوح أعمارهم بين الثلاثين والتاسعة والسبعين، مصابون بارتفاع ضغط الدم، وأن نحو نصفهم تقريبًا لا يعلمون بإصابتهم. والأخطر أن نسبة صغيرة فقط من المصابين، تقارب الخُمس، يكون ضغطهم تحت السيطرة الفعلية. ويُعدّ ارتفاع الضغط من أهم أسباب الوفاة المبكرة في العالم، لأنه العامل الرئيسي وراء كثير من السكتات الدماغية والنوبات القلبية.
وفي العالم العربي، تشير المسوح الصحية في عدد من البلدان إلى أن نسبة الإصابة بين البالغين مرتفعة، وأنها في ازدياد مع تغير أنماط الحياة: قلة الحركة، وانتشار الوجبات السريعة، وارتفاع معدلات السمنة والسكري، والإفراط في استهلاك الملح.
ماذا يعني "ضغط الدم"؟
ضغط الدم هو القوة التي يدفع بها الدم جدران الشرايين أثناء جريانه في الجسم. ويُقاس برقمين:
- الرقم الأعلى (الضغط الانقباضي): ويعبر عن الضغط في الشرايين لحظة انقباض القلب وضخه الدم.
- الرقم الأدنى (الضغط الانبساطي): ويعبر عن الضغط في الشرايين حين يرتاح القلب بين ضربتين.
ويُكتب الضغط عادة على هيئة كسر، مثل 120/80، وتُقاس الوحدة بالمليمتر الزئبقي. وتختلف الإرشادات الطبية قليلًا في تحديد الحد الفاصل، لكن يمكن تلخيص الصورة العامة على النحو التالي:
- الضغط الطبيعي: أقل من 120/80 تقريبًا.
- الضغط المرتفع قليلًا أو "ما قبل الارتفاع": بين 120 و139 للرقم الأعلى، أو بين 80 و89 للرقم الأدنى، وهو مؤشر تحذيري يستدعي تغيير نمط الحياة.
- ارتفاع ضغط الدم: 140/90 فأكثر حسب منظمة الصحة العالمية وكثير من الإرشادات الأوروبية، بينما تعتمد الإرشادات الأمريكية حدًا أدنى هو 130/80.
- الحالة الطارئة: إذا تجاوز الضغط 180/120، ولا سيما مع أعراض مثل ألم الصدر أو ضيق التنفس أو ضعف مفاجئ في أحد الأطراف أو اضطراب الكلام أو الرؤية، فهذه حالة إسعافية تستدعي التوجه إلى الطوارئ فورًا.
ولا يُشخَّص ارتفاع الضغط من قراءة واحدة، بل من قراءات متكررة في أوقات مختلفة، لأن الضغط يتغير طبيعيًا خلال اليوم مع الجهد والانفعال والقلق.
لماذا يرتفع الضغط؟
في نحو تسعين في المئة من الحالات أو أكثر، لا يوجد سبب واحد محدد، ويسمى ذلك "ارتفاع الضغط الأولي" أو "الأساسي"، وهو نتيجة تفاعل عوامل وراثية ونمط حياة. أما في الحالات الأخرى، فيكون ارتفاع الضغط "ثانويًا" ناتجًا عن سبب آخر، مثل أمراض الكلى، أو اضطرابات الغدد، أو انقطاع التنفس أثناء النوم، أو بعض الأدوية.
عوامل الخطر التي لا يمكن تغييرها
- العمر: إذ تتصلب الشرايين وتفقد مرونتها مع التقدم في السن.
- الوراثة: فوجود أب أو أم أو أخ مصاب يزيد الاحتمال.
عوامل الخطر التي يمكن تغييرها
- الإفراط في الملح: وهو من أهم العوامل على الإطلاق.
- زيادة الوزن والسمنة: ولا سيما تراكم الدهون حول البطن.
- قلة النشاط البدني.
- التدخين: بما فيه الشيشة (الأرجيلة) التي يستهين بها كثيرون.
- قلة تناول الخضروات والفواكه: وما فيها من بوتاسيوم يساعد على توازن الضغط.
- التوتر المزمن وقلة النوم.
- الإفراط في الكحول.
الملح: العدو الذي على كل مائدة
توصي منظمة الصحة العالمية بألا يتجاوز استهلاك البالغ من الملح خمسة غرامات يوميًا، أي ما يعادل ملعقة صغيرة تقريبًا. لكن متوسط الاستهلاك في كثير من البلدان، ومنها بلدان عربية عديدة، يقارب ضعف هذه الكمية.
والمشكلة أن معظم الملح الذي نتناوله لا يأتي من المملحة على المائدة، بل يأتي مختبئًا في الأطعمة: الخبز، والأجبان المالحة، والمخللات، والزيتون، واللحوم المصنعة كالمرتديلا والبسطرمة، والشوربات الجاهزة، ومكعبات المرق، والصلصات، والوجبات السريعة، والمقرمشات. ولهذا فإن تقليل الملح يبدأ من قراءة الملصقات الغذائية، والطبخ في البيت، وتقليل الأطعمة المصنعة.
ومن النصائح العملية:
- استبدلي الملح بالأعشاب والتوابل والليمون والثوم في تتبيل الطعام.
- ارفع المملحة عن مائدة الطعام.
- اغسل الخضروات المعلبة أو المخللة قبل تناولها لتقليل جزء من ملحها.
- قلل الملح تدريجيًا، فالذوق يتأقلم خلال أسابيع قليلة.
ماذا يفعل الضغط المرتفع بأجسامنا؟
حين يبقى الضغط مرتفعًا لسنوات، تتعرض الشرايين والأعضاء لإجهاد مستمر، كأنبوب ماء يجري فيه الماء بقوة أكبر مما صُمم لتحمله. ومن أهم المضاعفات:
- الدماغ: ارتفاع خطر السكتة الدماغية، سواء بسبب الجلطة أو النزيف، وارتباطه بتراجع الوظائف الذهنية والخرف الوعائي.
- القلب: تضخم عضلة القلب، والنوبات القلبية، وقصور القلب.
- الكلى: تضرر الأوعية الدقيقة في الكلى، وقد يؤدي ذلك إلى فشل كلوي يحتاج إلى غسيل.
- العينان: تضرر أوعية الشبكية، وقد يؤدي إلى ضعف البصر.
- الشرايين: تصلبها وتضيقها، وتمدد بعض الشرايين الكبيرة.
القياس: الخطوة الأولى والأهم
بما أن ارتفاع الضغط لا يسبب أعراضًا في الغالب، فإن الطريقة الوحيدة لاكتشافه هي القياس. ويُنصح كل بالغ بقياس ضغطه مرة على الأقل كل عام أو عامين إذا كان طبيعيًا، وبتكرار القياس أكثر إذا كان مرتفعًا قليلًا أو لديه عوامل خطر.
وقد أصبحت أجهزة القياس المنزلية الرقمية متاحة بأسعار معقولة، وهي وسيلة ممتازة للمتابعة، بشرط استخدامها بطريقة صحيحة:
- استخدم جهازًا موثوقًا يوضع على أعلى الذراع، فهو أدق عادة من أجهزة الرسغ.
- اختر حجم الكم المناسب لمحيط ذراعك.
- اجلس بهدوء خمس دقائق قبل القياس، وظهرك مسنود، وقدماك على الأرض دون تقاطع.
- ضع ذراعك على طاولة بحيث يكون الكم بمستوى القلب تقريبًا.
- تجنب التدخين والقهوة والرياضة قبل القياس بنصف ساعة.
- لا تتكلم أثناء القياس.
- خذ قراءتين أو ثلاثًا بفاصل دقيقة، وسجل النتائج في دفتر أو تطبيق لعرضها على الطبيب.
ومن الطريف أن بعض الناس يرتفع ضغطهم في عيادة الطبيب فقط بسبب التوتر، وهو ما يسمى "ارتفاع ضغط المعطف الأبيض"، بينما يحدث العكس لدى آخرين، فيكون ضغطهم طبيعيًا في العيادة ومرتفعًا في حياتهم اليومية، ولهذا تساعد القياسات المنزلية في كشف الصورة الحقيقية.
العلاج: نمط الحياة أولًا
الخبر السار أن ارتفاع الضغط من أكثر الأمراض المزمنة قابلية للسيطرة. ويبدأ العلاج دائمًا بتغيير نمط الحياة، الذي قد يكفي وحده في الحالات الخفيفة:
- إنقاص الوزن: فكل بضعة كيلوغرامات تُفقد يمكن أن تنعكس انخفاضًا ملموسًا في الضغط.
- الحركة المنتظمة: مثل المشي السريع نصف ساعة معظم أيام الأسبوع.
- اتباع نظام غذائي متوازن: ومن أشهر الأنظمة الموصى بها حمية "داش" (DASH)، التي صُممت خصيصًا لمكافحة ارتفاع الضغط، وتعتمد على الإكثار من الخضروات والفواكه والحبوب الكاملة والبقوليات ومنتجات الألبان قليلة الدسم، وتقليل اللحوم الحمراء والسكريات والدهون المشبعة والملح. والنظام الغذائي المتوسطي التقليدي، بزيت الزيتون والخضروات والبقول، قريب جدًا من هذه الفلسفة.
- الإقلاع عن التدخين بجميع أشكاله.
- النوم الكافي وإدارة التوتر.
الدواء: ليس عيبًا ولا إدمانًا
حين لا يكفي تغيير نمط الحياة، أو حين يكون الضغط مرتفعًا بدرجة كبيرة، يصف الطبيب الدواء. وهناك عائلات دوائية عديدة فعالة وآمنة، يختار الطبيب منها ما يناسب كل مريض حسب عمره وحالته والأمراض المصاحبة.
ومن أكثر الأخطاء الشائعة في مجتمعاتنا:
- الاعتقاد بأن دواء الضغط "يسبب الإدمان": وهذا غير صحيح، فالحاجة المستمرة إليه سببها المرض المزمن نفسه، لا الدواء.
- إيقاف الدواء حين تتحسن القراءات: فالقراءات تحسنت بفضل الدواء، وإيقافه دون استشارة يعيد الضغط إلى الارتفاع، وقد يكون ذلك خطيرًا.
- الاعتماد على الإحساس: فبعض المرضى يتناولون الدواء فقط حين يشعرون بصداع، والصحيح أن الضغط قد يكون مرتفعًا دون أي إحساس.
- الاستعاضة بالأعشاب عن الدواء: فبعض الأعشاب قد يكون لها أثر بسيط، لكنها لا تغني عن العلاج الموصوف، وقد يتفاعل بعضها مع الأدوية.
رسالة إلى الشباب
لم يعد ارتفاع ضغط الدم مرض كبار السن وحدهم. فمع انتشار السمنة وقلة الحركة والإفراط في مشروبات الطاقة والوجبات السريعة، أصبح الأطباء يرون حالات متزايدة بين الشباب في العشرينيات والثلاثينيات. ولهذا فإن قياس الضغط يجب أن يصبح عادة صحية مبكرة، تمامًا كفحص البصر والأسنان.
فئات تحتاج إلى عناية خاصة
مرضى السكري
يجتمع ارتفاع الضغط والسكري لدى نسبة كبيرة من المرضى، وهو اجتماع خطير، لأن كلًا منهما يضاعف أثر الآخر على القلب والكلى والعينين والأعصاب. ولهذا يحرص الأطباء على ضبط الضغط لدى مرضى السكري بدقة أكبر، ويختارون أدوية تحمي الكلى في الوقت نفسه.
الحوامل
قد يرتفع الضغط أثناء الحمل، ومنه حالة خطيرة تُعرف بـ"تسمم الحمل" أو "مقدمات الارتعاج"، تظهر عادة في النصف الثاني من الحمل، وقد تهدد حياة الأم والجنين. ومن علاماتها ارتفاع الضغط مع وجود البروتين في البول، وقد يصاحبها صداع شديد أو اضطراب في الرؤية أو تورم مفاجئ في الوجه واليدين. ولهذا فإن قياس الضغط جزء أساسي من كل زيارة متابعة للحمل.
كبار السن
يحتاج كبار السن إلى متابعة دقيقة، لأن الضغط المرتفع شائع بينهم، ولأن بعضهم قد يتعرض لهبوط الضغط عند الوقوف المفاجئ، خاصة مع بعض الأدوية، مما يزيد خطر الدوخة والسقوط والكسور. ولهذا يُنصح بالنهوض ببطء، وإبلاغ الطبيب بأي دوخة متكررة.
الضغط في رمضان
يسأل كثير من المرضى عن صيام رمضان. والقاعدة العامة أن معظم مرضى الضغط المستقر يستطيعون الصيام بعد استشارة الطبيب، الذي قد يعدّل مواعيد الدواء ليصبح مرة واحدة أو مرتين بين الإفطار والسحور. ومن المهم في رمضان تجنب الإفراط في الأطعمة المالحة والمقلية على مائدة الإفطار، والإكثار من الماء بين الإفطار والسحور، وعدم إيقاف الدواء من تلقاء النفس.
خرافات شائعة عن الضغط
- "الصداع واحمرار الوجه علامتان مؤكدتان لارتفاع الضغط": غير صحيح، فمعظم المرضى لا يشعرون بأي أعراض، وقد يكون الصداع لأسباب أخرى كثيرة.
- "ملح البحر أو الملح الوردي صحي ولا يرفع الضغط": غير صحيح، فجميع أنواع الملح تحتوي على الصوديوم بنسب متقاربة، والعبرة بالكمية لا بالنوع.
- "الضغط المرتفع قليلًا لا يحتاج إلى اهتمام": غير صحيح، فحتى الارتفاع البسيط المستمر يزيد خطر المضاعفات على المدى الطويل، ويحتاج على الأقل إلى تغيير نمط الحياة والمتابعة.
- "الليمون والثوم يغنيان عن الدواء": قد يكون للغذاء الصحي أثر مساعد، لكنه لا يغني عن العلاج الذي يقرره الطبيب.
خاتمة
ارتفاع ضغط الدم صامت، لكنه ليس قدرًا محتومًا. فقياس بسيط لا يستغرق دقيقة واحدة قد يكشف خطرًا مختبئًا، ويفتح الباب لعلاج قد يحمي الإنسان من سكتة أو أزمة قلبية أو فشل كلوي. فلنجعل من قياس الضغط عادة عائلية: نقيس ضغط آبائنا وأمهاتنا، ونشجع أزواجنا وأصدقاءنا، ونقلل الملح في مطابخنا، ونمشي معًا. فأفضل طريقة لهزيمة القاتل الصامت أن نكشفه قبل أن يتكلم.
تنبيه: هذا المقال للتوعية العامة، ولا يغني عن استشارة الطبيب، ولا ينبغي تغيير أي علاج دون الرجوع إليه.