دعوات لاستيراد نموذج الجثث المحروقة على الطريق

 

 

بدا المشهد الكيني الاخير و ما حمله  من قتل و تشريد على إيقاع الرقصات بالنبال و السواطير و السيوف , بدا مبهرا لبعض قادة الرأي و المثقفين و السياسيين العرب, فحاولوا إبهارنا به من خلال مقالات راي و برامج تلفزية ذائعة الصيت رفعت شعار(تعلموا من كينيا ) في توصيف متسرع و غير دقيق للحالة الكينية التي إعتبروها إنتفاضة ديموقراطية على تزوير إرادة الشعب و معركة حقيقية لتصحيح مسار هذا البلد الافريقي في إتجاه العدالة و المساواة و الحكم الرشيد .

 

... قد لا يكفي المنطقة العربية ما تعانيه من أزمات إقتصادية و إجتماعية و سياسية حتى نستلهم النموذج الكيني بسواطيره الخلاقة بدعوى أن الشعوب و الامم لا تمر الى بناء مؤسساتها الديموقراطية الا عبر الجثث المحروقة على الطريق .

 

إن القراءة السياسية التي قدمها هذا الطرح الاعلامي عن الاحداث في كينيا لم تكن موضوعية و تجاهلت جوانب عدة محددة في هذا الصراع الذي اودى الى حد الان , بحياة أكثر من الف شخص و تسبب في تشريد ربع مليون أخرين في بلد يعيش ستون بالمائة من سكانه في العشوائيات على دولار واحد يوميا .

 

 و لم تنجح الدولة الوطنية في كينيا منذ الاستقلال عن بريطانيا سنة 1963 في تجاوز العداء القبلي الكامن,بل أعطت سياساتها المتعاقبة شرعية ظهور السواطير و السيوف من فترة إلى أخرى تعبيرا عن غضب قبائل بعينها لاستثنائها في تقسيم الثروة و إستبعادها من جنة السلطة .

 و لعل تعاقب الاحداث في كينيا و مشاهد القتل في الشوارع  التي تتواتر منذ قرابة الشهر على شاشات التلفزيون تد حض كلمات الاعجاب التي طالعنا بها بعض الاعلاميين العرب و تؤكد تسرعا و سطحية في المعالجة الاخبارية للاحداث و تسقط بالتالي تلك الدعوات الى الاقتداء بالنموذج الكيني الثائر على التزوير و فساد الادارة .

 

 إن الشعوب العربية و على أمراضها المزمنة أحيانا لا تستحق الذهاب الى كينيا أو فنزويلا أو إيران أواوكرانيا للحصول على وصفة جاهزة لتحقيق الحرية و الديموقراطية و العدالة, وهي قادرة بعمق حضارتها ووعي نخبها على تجاوز أزماتها دون اللجوء إلى السيوف الكينية الخلاقة .

 

مازلت اؤمن أن الانفلات الفضائي و الالكتروني الذي ميز الاعلام العربي منذ أواخر التسعينات خلق حراكا سياسيا و ثقافيا هاما في المنطقة , لكنني أومن في ذات الوقت أن هذا الاعلام في بعض طروحاته مازال يفتقد الى مهنية عالية و إنضباط علمي يتجاوز معالجة إخبارية عنوانها (تعلموا من كينيا ). 

 

ثامر الزغلامي

صحافي من تونس

 

 

                                                                         

 

                                                          عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.