دولة (كوسوفو) العتيدة

 

أصرّت الولايات المتحدة الأمريكية على تسمية يوم 17/2/ 2008  بيوم استقلال (كوسوفو) عن الاتحاد اليوغسلافي، وشايعتها في ذلك دول الاتحاد الأوروبي، واستطاعت أمريكا وأوروبا أن تدعم هذا التوجه بغطاء دولي، وأظهرتا للعالم وكأن هيئة الأمم المتحدة هي صاحبة هذا التوجه، ليصبح قانونياً، ويكتسب مشروعية دولية، والدافع لهذا العمل هو احترام الأمريكيين لحق الشعوب في تقرير مصيرها، وحرصهم على إحقاق حقها في دحر المحتل وإقامة العدل.

 

وقد سبق أنْ مارست الولايات المتحدة الأمريكية الدور ذاته في فصل أقاليم البوسنة والهرسك وكرواتيا والجبل الأسود، وألقت بكل ثقلها لتقسيم الإمبراطورية اليوغسلافية، ووصل الحد بقوات حلف شمال الأطلسي  أنْ خاضت حربا طاحنة ضد بلغراد، وأطاحت رئيسها سلوبودان ميلوسوفيتش، وقدمته لمحكمة دولية صورية، لم يلبث أن قضى أجله أثناء جلساتها.

وخاض الأمريكيون حربا ضروسا ضد العراق العربي، وأطاحوا رئيسه الشرعي صدام حسين، وأشعلوا  فيه نار الفتنة والانشقاق الطائفي، تمهيدا لتقسيمه إلى ثلاثة أقاليم، ثم لعبوا دورا بارزا في دعم تمرد إقليم تيمور الشرقية، وفصله عن الوطن الإندونيسي الأم، ووفروا لذلك غطاء دولياً من مجلس الأمن.

وها هم اليوم يتباكون على حرية سكان إقليم دارفور السوداني، ويبذلون محاولاتهم لإضفاء صفة دولية على التمرد الحاصل فيه، ويصورون الحكومة السودانية كما لو أنها قوة احتلال تغتصب الإقليم من دولة أخرى وتمعن ذبحا وتقتيلا في سكانه المدنيين الأبرياء!! 

 

ما أجمل هذا الطرح الأمريكي الحريص على حرية الشعوب وحقها في تقرير مصيرها!!! لولا أنهم يبنون سياساتهم هذه بشكل انتقائي يجعلهم يكيلون بدل المكيال بألف مكيال، لقد بذلوا كل جهدهم لدعم ما سموه حقوق الإنسان في يوغسلافيا وإندونيسيا والسودان، وحرصوا على إقامة دويلات مستقلة فيها، وغضّوا بصرهم عن  حق الشعب العربي الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة على ترابه الوطني، بل إنهم وفروا للاحتلال الإسرائيلي دعما وغطاء دوليا، يحميانه من أنْ تطاله  العقوبات الدولية، ولم يتحمسّوا لإخراج المستوطنين اليهود المقيمين في الضفة الغربية والجولان، مثلما يتحمسّون لإخراج الصرب المقيمين في كوسوفو.

 

غريب أمر هؤلاء الأمريكيين، فهم يتبنون سياسات ظاهرها فيه الرحمة، وباطنها فيه العذاب، فأهدافهم الحقيقية واضحة لكل ذي بصيرة، لقد دعموا استقلال البوسنة والهرسك وكرواتيا والجبل الأسود؛ لأنهم يضمنون الحكم فيها لأصدقائهم هناك، والذين يضعون أنفسهم في قائمة حلفاء الولايات المتحدة، وخُدّام سياساتها، ولأنهم يقومون بتصفية حسابات قديمة مع المعسكر السوفييتي السابق ويفتتونه إلى شظايا لن تقوم لها قائمة في يوم من الأيام.

 

وهم في موقفهم هذا مِن يوغسلافيا وإندونيسيا لا يخرجون عن إطار حقدهم القديم ضد منظومة عدم الانحياز التي أسّسها وفعّل دورها كل من الرئيس الإندونيسي أحمد سوكارنو، والرئيس اليوغسلافي جوزيف بروز تيتو، والرئيس الهندي جواهر لال نهرو، والرئيس العربي جمال عبد الناصر. وظلت هذه المنظومة تمثل شوكة مُدمية للحلق الأمريكي طوال فترة الحرب الباردة، ولا ندري إن كانوا سيتصرفون في قادم الأيام مع الهند ومصر التصرف ذاته!!  فيخلقون لهما متاعب محتملة في بعض أقاليمهما بدعوى حماية حقوق الإنسان.

 

إن الموقف الأمريكي الداعم لاستقلال كوسوفو سترافقه حتما مواقف دولية أخرى، ولا بُدّ  لها أن تعبّر عن نفسها حيال هذه القضية الحساسة، وأولى هذه المواقف موقف حكومة بلغراد صاحبة الوصاية الشرعية والقانونية على الإقليم منذ قيام الاتحاد اليوغسلافي، وهو موقف المغلوب على أمره الذي لا يستطيع أن يلاطم المخرز بكفه، أمّا الصرب المقيمين في كوسوفو فسيجدون أنفسهم مضطرين للرحيل عنها أمام ضغط جيرانهم الألبان، أو أنهم سيضطرون للدفاع عن أنفسهم بقوة السلاح، فتنشب حرب أهلية في الإقليم لا أحد يعرف كيف تنتهي، وبذلك يكون استقلال الإقليم طريقا للحرب، لا سبيلا للسلام.

والموقف الروسي الذي يبدو حتى الآن متعاطفا مع بلغراد، ومعارضا لانفصال الإقليم لأسباب عديدة، منها إدراك الروس لنوايا الأمريكيين الحقيقية في الاقتراب من روسيا، وإقامة الدويلات الحليفة على حدودها، ومنها خوفهم منْ أنْ يبلغ  التدخل الأمريكي حدا يصيبهم في الخاصرة، فيخلق لهم متاعب إضافية في أقاليم القوقاز، التي تحلم شعوبها بالانفصال عن الوطن الروسي الأم، وربما يكون هذا التشدد الروسي تجاه استقلال كوسوفو قد جاء متأخراً، ففي عام 1999م أقدمت الولايات المتحدة على وضع الإقليم تحت إشراف دولي، وهذا يعني مقدمة لاستقلاله لاحقا، لكنّ الروس لم يعترضوا في حينه على ذلك، ولم يستخدموا حقهم في النقض، الأمر الذي سهل وضع الإقليم على طريق الاستقلال.

والموقف العربي والإسلامي، وهو موقف لا يعول عليه كثيرا لأنه موقف مؤيد للموقف الأمريكي، وإنْ كانت حكومات العالم العربي والإسلامي تغلف تأييدها هذا بغلاف إنساني وديني،  لتظهر أمام شعوبها كداعمة للمسلمين المضطهدين في بقاع الأرض، بينما هي في الحقيقة لم تقم بواجبها في دعم قضايا المسلمين إلا بالمقدار الذي تسمح به الولايات المتحدة الأمريكية، وشواهد التاريخ على ذلك كثيرة.

سيظل استقلال كوسوفو قضية يختلف فيها الكثيرون، وسيظلّ كثير من الأسئلة تقفز إلى أذهان المراقبين والمحللين السياسيين، أهي قضية عادلة لشعب ضعيف مضطهد؟ أم هي قضية حق يراد به باطل؟ هل ستلتزم دولة كوسوفو العتيدة الحياد في علاقاتها الدولية؟ أم أنّها ستتحول إلى ملاذ يستقطب التنظيمات الإسلامية الراديكالية؟ هل سيؤدي الاستقلال إلى إحلال السلام في منطقة البلقان؟ أم أنه سيكون شرارة تشعل فتيل النزاع فيها من جديد؟ أسئلة تجيب عنها الأيام القادمة.

د. محمد الجاغوب