شروط عباس المعدلة لحوار حماس
استبشر الجميع خيراً عندما تحدث الرئيس عباس عبر خطاب متلفز إلي الشعب الفلسطيني وأعلن عن قبوله حوار فلسطيني جاد , وبدأت المؤسسات الرسمية والشعبية بصياغة المبادرات لإنجاح هذا الحوار , والكل منا يعرف أن شرط عباس الرئيس للحوار هو تراجع حركة حماس وتسليم المقرات الأمنية , حماس من جانبها لا تمانع هذه الخطوة ولكن عبر الحوار أولاً وليس كما يريده عباس التراجع أولاً ثم الحوار , هذا ما لمسه الساسة والمحللون من توقيع حماس على مبادرة صنعاء , والتي تمثل الإطار العام للحوار الفلسطيني الفلسطيني , قادة حماس لا يثقون بدعوة عباس , كونهم يعلمون أن الدعوة غير مرحب بها أميركياً وإسرائيلياً , وهو ما صدر صراحة على لسان بعض القادة أمثال نائب رئيس المكتب السياسي لحركة حماس الدكتور موسى أبو مرزوق , وإن كان هناك ترحيب واضح من قبل حركة حماس من جهة والحكومة الفلسطينية بغزة من جهة ثانية , حيث رحب هنية بهذه الدعوة .
دعونا نعود بكم إلى الخلف , تحديداً بعد تشكيل حماس للحكومة , والضغط الذي مورس بحقها , سواء على المستوي الفلسطيني الداخلي , حينما حاولت فئة زرع بذور الفتنة ونزع الاستقرار والعبث بالأمن , أو على المستوى العربي حينما رفضت بعض الدول المرتبطة بمصالحها مع أميركا الاعتراف بحماس كحكومة شرعية , وضيقت الخناق عليها , أو على المستوى الغربي حيث مارس الاتحاد الأوروبي دوراً كبيراً في حصار الحكومة المنتخبة شعبياً والتي شكلتها حركة حماس , كان حديث الساعة وقتها ما عرف بشروط الرباعية المتمثلة بالاعتراف بإسرائيل وحقها في الوجود على أرض فلسطين , والاعتراف بالاتفاقات السابقة كانت في مصلحة الشعب الفلسطيني أم لم تكن , ثم نزع سلاح المقاومة كل ذلك مقابل الاعتراف بحكومة حماس والتعامل معها ورفع الحصار عن الفلسطينيين , رفضت حماس العرض , وفي الوقت الذي اعتبر فيه البعض هذا العرض مغرياً وأنه يجب على حماس الاستفادة من هذه الفرصة للانفتاح على المجتمع الدولي , رفضت حماس التعاطي مع هذه الشروط واعتبرتها شروط جائرة ظالمة هدفها فقط تمرير السياسة الصهيونية في المنطقة , والسير نحو باقي أطماعها مستغلة الاعتراف بشرعيتها , رفض حماس قوبل أيضاً برفض المحاصرين لرفع هذا الحصار والاعتراف بالحكومة الفلسطينية المنتخبة .
حركة فتح من جانبها وعلى رأسها أبو مازن دعت حركة حماس إلى التعاطي مع هذه الشروط , واعتبرت أن قبولها هو الحل الوحيد للخروج من المأزق , وحين رفض حماس لذلك بدأت حركة فتح عبر اجهزتها الأمنية بشن حرب لا هوادة فيها على الحكومة , واتخذت خطوات على المستوى السياسي والميداني لإسقاط الحكومة , أدي ذلك في نهايته إلى الحسم العسكري الذي قامت به القوة التنفيذية إلى جانب كتائب القسام وقتها , وانتهى بسيطرة حركة حماس الكاملة على قطاع غزة .
بعد الحسم حاولت حركة فتح استعادة قطاع غزة عبر تأليب الشعب الفلسطيني على حركة حماس , وحاولت تحريك أبنائها لفرض واقع آخر في غزة عنوانه الفلتان الأمني , وذلك عبر المسيرات والصلوات المبتدعة , ووضع العبوات في الأماكن العامة , حتى تظهر غزة بمظهر مغاير , أو بمقولة أخرى غزة نحو عراق آخر .
فشلت كل المحاولات التي كانت تهدف لخلق نوع من الارباك وعدم الأمن في غزة وهو ما يعتقده البعض من أنه المنفذ الوحيد لاستعادة غزة من حكم حماس , وكانت شروط الرئيس عباس وقتها هي التراجع عما أسماه ( الانقلاب ) والاعتذار والقبول بانتخابات رئاسية وتشريعية مبكرة , بقي الحال على ما هو وأظنكم تذكرون إلى أن خفت حدة الشروط وأصبح الشرط الرئيس لدى الرئيس عباس وحركة فتح هو التراجع وتسليم المقرات الأمنية .
وصلنا إلى وثيقة صنعاء , ووقع الطرفان , الأحمد من جانب , وأبو مرزوق من جانب آخر , وكلنا شاهد الإعلام وتصريحات نمر حماد التي تبرأ فيها من التوقيع وعزا ذلك إلى تصرف الأحمد بمفرده بعيداً عن الرئيس , وما قابله من تصريحات للأحمد بأن خطواته كانت بتنسيق كامل مع الرئيس , صدم الأحمد وقتها كونه وفور التوقيع على المبادرة اليمنية اعتقد أنه حقق إنجازاً عظيماً لحركة فتح وللرئاسة الفلسطينية , ولا نريد الخوض هنا كثيرا في مكاسب أو خسائر لحركة فتح عقب التوقيع على المبادرة , والتي اعتبرها كثير من المحللين أنها تحقق شروط عباس , ولكن عبر الحوار أولاً .
صمت أميركا وإسرائيل وبعض الأطراف الأوروبية لم يكن بالصدفة , إنما لسان حالهم يقول أن هناك أزمة فلسطينية داخلية , وأصبح الشغل الشاغل هو شروط عباس لحوار حماس , دعوهم يستغرقوا الوقت الذي يشاءون حينما يقترب الوفاق فلنا كلمة ,
وكانت كلمتهم حينما خرج أبو مازن ودعا للحوار , أولمرت قال لا يمكن لأبو مازن أن يحاور حماس ويحاورنا , عليه أن يختار , وقامت إسرائيل بخطوة تأخير الضرائب , على أثرها تم تأخير الرواتب بضعة أيام إلى أن تم إعادة دفع الضرائب للسلطة في رام الله ,
يعتقد البعض بقرب بداية الحوار الفلسطيني , دق ناقوس الخطر هناك في أميركا , ونفاجأ من يومين بتصريحات جديدة للرئيس عباس كان قد توقف عنها , وبلغة صريحة أن حماس عليها أن تلتزم بشروط المجتمع الدولي وهنا بداية النهاية للدعوة إلى الحوار , هي خطوة استباقية , وكأنه يقول ما الفائدة من حوارنا واتفاقنا على حكومة والمجتمع الدولي يرفض هذه الحكومة ما لم تلتزم بشروطه , وكأنه يقول أنا لا أريد الخطأ مرة أخرى , لا حكومة ولا شرعية بلا مجتمع دولي , أنا لا أريد العودة من جديد لاسطوانة شروط الرباعية , علينا أن نتفق من الآن وحتى قبل الحوار .
هذا قاله وما زال يقوله البعض من أن أي حوار لا يكتب له النجاح إلا بقبول أميركي إسرائيلي .
شروط الرباعية من جديد تظهر هذه المرة وبقوة على لسان الرئيس أبو مازن إلى جانب أميركا وإسرائيل وأوروبا , الاعتراف بإسرائيل على أرض فلسطين , الاعتراف والالتزام بالاتفاقات السابقة أياً كانت هذه الاتفاقات , ثم التعرض للمقاومة بنزع سلاحها والتعهد بإغلاق هذا الملف نهائياً , هذه هي شروط الرباعية تمثل الجسر الذي سيربط أي حكومة بالمجتمع الدولي .