وردة وقبلة للعماد عون توّجَ العماد ميشيل عون تقاربه مع سورية بزيارة قام بها إلى دمشق في شهر ديسمبر الجاري، وتأتي هذه الزيارة في إطار جُملة مِن المواقف الوطنية والقومية التي اتخذها العماد بعد عودته مِن منفاه في باريس، وتزعّمه للتيار الوطني الحر في لبنان، ذلك التيار الذي عُرفَ بتأييده للمقاومة الوطنية اللبنانية ضد العدوان الإسرائيلي على لبنان عام 2006 ، وعُرفَ بعدائه للأطماع الأمريكية في الوطن العربي. وإذا كان لنا أنْ نقوّم الأشخاص بناء على مواقفهم، فإنّ مواقف العماد عون الحالية مواقف وطنية صادقة ومشرّفة، كما أنّها تتسم بالواقعية والاعتدال في النظرة إلى العلاقات اللبنانية السورية، وإلى الدور الذي تضطلع به سورية في مواجهة العدوان الإسرائيلي، والأطماع الأمريكية أيضا. فبينما كنا نختلف مع العماد في مواقفه السابقة التي اتخذها في أواخر الحرب الأهلية اللبنانية، حيث بلغتْ ذروتها في محاربته للقوات السورية المرابطة في لبنان، ممّا اضطر تلك القوات إلى قصف مواقعه المتحصنة في رئاسة وزراء لبنان عام 1990، وإجباره على اللجوء للسفارة الفرنسية في بيروت ومِن ثمّ غيابه القسري والطويل عن لبنان والمنطقة، فإننا والجماهير العربية نرحّب الآن بهذا التقارب مع دمشق، لأنه يصبّ في مصلحة البلدين الشقيقين والأمة العربية، ويغيظ أعداءهما. وربما يكون العماد عون قد وُضِعَ في تلك المواقف وأقحمَ فيها عندما عيّنه الرئيس أمين الجميّل - في الساعات الأخيرة مِن ولايته - رئيسا لوزراء لبنان، حيث تعذر انتخاب رئيس للجمهورية آنذاك، وهو منصب لم يكن العماد ليُحسَدَ عليه، إذ وجد نفسه في الخندق المعادي لسورية، وهذه مواقف تتنافى والطبيعة الوطنية له، وتتناقض مع ثقافته العربية وعقيدته العسكرية التي تقوم على اعتبار إسرائيل والولايات المتحدة أعداء لبنان الحقيقيين، وهذا ما صرّح به علنا أثناء زيارته الأخيرة لدمشق. إنّ هذا الموقف العروبي الشجاع للجنرال عون يتحاماه غيره من الزعامات العربية إمّا مجاملة لأمريكا وإمّا مخافة منها، وهو موقف يُثمّنه له كلّ عربيّ حرٍ وشريف، كما ثمّنته له القيادة السورية التي استقبلته واحتضنته في عاصمة الأمويين، حيث عبّر عن ذلك التقدير الرئيس بشار الأسد بقوله للعماد: لقد كنتَ خصما لنا ولكنك خصم شريف، ولكن مشكلتنا في لبنان مع الخصوم غير الشرفاء. إنّ هذا التقارب بين العماد ميشيل عون ومعسكره الوطني اللبناني مِن جهة وبين القيادة السورية مِن جهة أخرى قد وضعَ العلاقات اللبنانية السورية في إطارها الصحيح، وأبعدَ عنها كل الهواجس التي يُثيرها أعداء سورية حول أطماعٍ سوريةٍ مزعومةٍ في الهيمنة على لبنان، فيتذرّعون بهذه الهواجس للتحالف مع أمريكا ودول عربية موالية لها، فيستمدّون مِن تلك الدول العون المادي والإعلامي الذي تشترى به الذمم المريضة والأقلام المأجورة وتسمم به أجواء الوفاق في لبنان. إنّ الرؤية السورية للعلاقات مع لبنان وضّحها الرئيس بشار الأسد حينما قال للعماد عون: لو كان لبنانُ جنة وخيّرتْ سورية بينها وبين الخروج لاختارت الخروج مِن لبنان وعدم العودة إليه، وهي رؤية تقوم على احترام السوريين لخصوصيات اللبنانيين في وطنهم، شريطة ألا يتحوّل لبنان إلى منطلق للعدوان على سورية وتهديد لأمنها، وهذا أمْرٌ يقرّ به اللبنانيون الذين يمتلكون رؤية وطنية لمستقبل لبنان، ويعتبرونه جزءا مِن الوطن العربي، ويعتبرون أنفسهم جزءا مِن الأمة العربية. صحيح أنّ السياسة لا تعرفُ الثبات، لأنها تستند إلى المصالح أكثر مِن استنادها إلى المبادئ، وإذا كان العماد ميشيل عون قد تحوّل عن مواقفه المناوئة لسورية عام 1990 إلى مواقف مصادقة لها هذه الأيام، فإنّ تيارات لبنانية وأحزابا معروفة تاريخيا بمواقفها الوطنية العربية المناوئة للاستعمار والصهيونية تحوّلت هي الأخرى إلى النقيض، إمّا طمَعا في مغنم و إمّا خوفا مِن مغرم. ولكنْ مهما تغيّرت المواقفُ واختلفت المصالح فلا يصحّ إلا الصحيح، وهو أنّ لبنان وشعبه سيظلان جزءا مِن الوطن العربي الكبير والأمة العربية الماجدة، وأنّ ذلك سيظلّ محفورا في ذاكرة اللبنانيين وعقائدهم الدينية والسياسية والعسكرية، ويتناقلونه جيلا إثر جيل، وإنْ كرهَ ذلك أعداء العرب. إنه لمّما يؤسفُ له أنْ نجد أقلاما وأبواقا مشبوهة ماتزال تدسّ السمَّ في الدسم، وتتحدث عن هيمنة سورية على لبنان، وهي أكذوبة يسهُلُ دحضها وتفنيدها، كما تعتبر تلك الأقلامُ والأبواق زيارة العماد عون لدمشق استسلاما وخضوعا، وليس في ذلك غرابة، فهذه أدواتٌ معروفة بصداقتها لأمريكا وإسرائيل، ومعروفة بعدائها للعرب، مثلما هي معروفة بمصادر تمويلها. تحية احترام وتقدير تزفها الجماهير العربية للعماد ميشيل عون، زعيم التيار الوطني الحُر في لبنان، الذي يعرف مصلحة لبنان جيّدا، وآلى على نفسه ألا يخرجَ مِن جلده ولا من ثقافته، وألا يتنكرَ لأمته وعروبته مهما بلغت المغريات، أو احلولكت المخاطر والظلمات. د. محمد الجاغوب