هذا هو العراق نعم، هذا هو العراق العربي الأبيّ، وهذا ديْدنه، وهو إنجابُ الأبطال في كلّ الأزمنة، فلمْ يكن الشهيد صدّام حسين آخرَ أولئك الأبطال، فها هو الصحفي العراقي منتظر الزيدي يُسجّل فصلا جديدا في ملحمة النضال ضد الاحتلال الأمريكي للعراق، إنه منتَظر الذي انتظره العراقيون وكلُّ العرب، وهو الذي اعتاد أنْ يمتشق قلمه ولسانه لمقارعة الاحتلال الأمريكي، وكشف جرائمه البشعة على أرض العراق، ها هو اليوم يمتشق حذاءه ليضربَ به وجه الطاغية جورج بوش الصغير الذي ظنّ نفسه فرعون هذا الزمان، فصالَ وجال، وأشعلَ الحروب، وسفكَ الدماء ونشر الدمار في أكثر مِن مكان مِن هذا العالم، وكان النصيب الأكبر مِن جرائمه في حق العرب والمسلمين. لقد اختلقَ ذلك الطاغية الأكاذيبَ والمبرراتِ لغزو العراق، وجيّش الجيوش واستباح بغداد، معتقداً أنّ أهلها سيستقبلونه بالورود والرياحين، ولكن خابَ فأله، فأرض الرافدين أرضُ الحضارة والتاريخ، ومهد العروبة والإسلام، ما اعتادتْ أنْ تستقبل أعداءها بغير المقاومة والبارود على مرّ العصور، الأمر الذي أذهلَ جورج دبليو بوش؛ فراح يتردّد سرّا على العراق بين الحين والآخر لتفقد قواته، ولمّا أوشكَ نجمه على الأفول، وأشرفَ مجده على الذبول قرّر أنْ يكون التفقد الأخير لقواته علانية، لعله يختمُ عهدَه بأي إنجاز وهمي يقدمه للشعب الأمريكي، كأنْ يقول لهم مثلا: لقد اكتملتْ مهمتنا في العراق، ونشرْنا فيه أفياء الديمقراطية والاطمئنان ، وها هو شعب العراق يلهجُ بالثناء على أمريكا، ولكنْ حدثَتْ مفاجأة لها مغزاها، فأذهلته وأذهلتْ أعوانه وعملاءَه، إذ هبّ صحفي عراقي ليوصلَ رسالة للطاغية الأمريكي، وللولايات المتحدة وللعالم أجمع، وهي أنّ العراقيين ما زالوا ينظرون إلى قوات الغزو الأمريكية كقوات احتلال غاشم لبلدهم، وأنهم يرفضونها، ويلاحقونها بكل ما أوتوا مِن قوة، حتى يكتملَ دحرُها وإخراجها مِن العراق وهي تجرّر أذيال الهزيمة والعار. الصحفي العراقي منتظر الزيدي مراسل قناة (البغدادية) تذكرَ جرائم الأمريكيين بحق العراقيين والعرب؛ فاختلجتْ في عروقه دماء الإباء والكبرياء، فلم يجد أسْرعَ مِن حذائه ليوجِّه به لطمة مهينة إلى وجه عدو العرب والمسلمين جورج دبليو بوش، الذي بادر إلى الانحناء والاحتماء بقاعدة المنصة، وما أنْ رفعَ رأسَه ثانية حتى وجّه له الصحفيّ الثائرُ نعله الأخرى ممّا دفعه ليَدْرَأها عن وجهه بيده؛ فأصابت العَلمَ الأمريكي فكانتْ أشدّ وقعًا وإهانة وإيلاما. لقد أدرك الطاغية في قرارة نفسه أنّه مكروه، وأنّ الطغمة التي هيّاها لِحُكم العراق لمْ تكنْ لتغنيَ عنه مِن غضب العراقيين شيئا، وأيقنَ أيضا أنّ كرامته قد دِيثتْ بالصَّغار، في بلد كان يعتقد أنّه سيستقبله بالورود. سَلِمَتْ يمينك يا منتظر الذي انتظرناه، وبورك البطنُ الذي حَمَلك، والمعلّمُ الذي علّمك، فأنتَ وإنْ كنتَ الآن تدفعُ ثمَنَ ذلك الموقف البطولي إلا أنك أثلجتَ صدْرَ كلّ عربي ومسلم غيور، لقد أخذتَ بقول الله تعالى: " قاتلوهم يُعذبهم الله بأيديكم ويُخزهم وينصرْكم عليهم ويشفِ صُدور قوم مؤمنين ". وانظر أيها المنتظر وأنتَ الصحفي المتابع انظر إلى ردود الفعل في أنحاء العالم، إنّ العالم بأسره يتحدّث عنك ويُحيّيكَ، ويشمتُ بذلك الطاغية المتهاوي إلى الحضيض، نظرا لما اقترفه بحق الشعوب مِن جرائم. لقد لعقَ الطاغية الإهانة، وفسّرها تفسيرا سمجا لعله يُنقذ ماء وجهه، فزَعَمَ أنّ ما حدث لمْ يكنْ سوى وسيلة مِن وسائل لفتِ الأنظار، ثمّ راح يتحدّثُ عن حجم الحذاء، متناسيا أنّ هذا الحذاء سيدخل التاريخ، وأنّ ما حدَثَ لم يكن مجرّدَ لفتٍ للأنظار بقدر ما هو انتماءٌ وانتقامٌ وثأرٌ لكرامة أمّة وشعب ووطن. فهل مِنْ مُخبرٍ يُخبرُ الطاغية الأمريكي وجيوشه الجرارة أنّ العرَبَ أمّة واحدة، ووطنهم واحد، وأنّهم يُمجّدون أبطالهم، ويكرهونَ أعداءَهم، وأنّ ما قام به منتظر الزيدي وجَدَ صدى واسعا، وترحيبا حارّا في كلّ بيوت العرَبِ وبيوتاتهم الممتدة مِن الرباط إلى مَسْقط. وأنّ الشعوب لا تنسى ولا تستكين لجلاديها، وأنّها لاتساوم على حقوقها وحريّاتها بالاتفاقيّات المزوّرة، وأنّ الردّ على المحتل يكون بالنعال لا بالورود والرياحين، وأنّ الاحتلال إلى زوال وإنْ طال المدى، وأنَّ مَنْ يحتمي بالغطاء الأجنبي لن ينعَمَ بتلك الحماية إلى ما لا نهاية. إنّ العرَبَ والمسلمين وكلَّ أحرار العالم يطالبون بالإفراج عن الصحفي الشاب منتظر الزيدي، واعتبار أنّ ما قام به عملٌ مِن أعمال الدفاع عن النفس والوطن، فهو لمْ يذهبْ لمهاجمة الطاغية في واشنطن، ولكنّ الطاغية استفزّه بالمجيء إلى وطنه، ولو أنّ صحفيا أمريكيا لطَمَ الطاغية بحذاء أمريكي على أرض أمريكية لما جرى اعتقاله، ولا محاكمته، ولكان ذلك في عِداد ممارسة حقّ التعبير عن الرأي، فهل تفعل السلطات الحاكمة في بغداد الشيء ذاته، وتقوم بالإفراج عن الصحفي الشاب منتظر الزيدي!!؟ د. محمد الجاغوب