مراجعات في أوراق العمل الإسلامي في الجزائر [1]: ـــــــــــــــــ بوقفة رؤوف

أمام التغيرات التي شهدتها الساحة الجزائرية سواء المتعلقة بالصعيد الداخلي فقط  من بروز ظواهر تهدد النسيج الاجتماعي كالانتحار والهجرة السرية ...أو التي تحدث على الصعيد الدولي ولها انعكسات على الساحة الجزائرية كالعولمة والحرب على الارهاب والتوجس من كل ما هو إسلامي توجب القيام بمراجعة في أوراق العمل الاسلامي والتي  يمكن تلخيصها في أربعة نقاط رئيسة هي كالتالي :  

1- فاعلية الخطاب الإسلامي

                          إن أهم هذه القضايا هي عدم جدوى وفاعلية الخطاب الإسلامي المجرد عن هموم الواقع ومشكلاته , والمركز على تحريض العاطفة والانتماء الديني عند الجماهير , حيث أن التجربة الراهنة قد أفقدت الثقة , وخلقت حاجزاً يحول دون الانسياق وراء هذا الخطاب الذي تناقض مع الممارسة , ولم يحقق للجماهير شيئاً مما كان ينادي به , الشيء الذي يوجب على العاملين في المجال الإسلامي إجراء مراجعات جوهرية في الخطاب , وتحويله من خطاب يعتمد على الصياغات المطلقة والكلام المجرد , إلى خطاب ملتصق بالواقع ومتفاعل معه و منطلق منه , أي أن يكون خطاباً يتصف بالمعقولية بمعنى أن يكون قادراً على صياغة رؤاه وأطروحاته من خلال الشروط التي تسمح منطقياً وواقعياً بتحقيقه , مما يجعله منتجاً للحلول والإجابات بدلاً من الاستغراق في الأحلام والأماني , مكتفياً بإدانة الواقع والحكم عليه .

الخطاب الذي يبصّر بالثوابت ويحض على التمسك بها , لكنه لا يكتفي بذلك , بل يتعداه إلى توضيح الطريق و المسار الذي يجب أن يسلك لتحقيق تطلعات الناس وتلبية حاجاتهم , انطلاقا من رؤى موضوعية في استيعاب الواقع وتصدره , لا بالقفز عليه وتجاوزه .

2- العمل الاجتماعي

                   ولا بد من العمل الاجتماعي المستوعب للتحولات الاجتماعية الراهنة وما يصاحبها من تغير في منظومات القيم والعادات والعلاقات الاجتماعية , وانعكاسات العولمة إقتصادياً وثقافياً على طبيعة هذه العلاقات , ومشكلات الهجرة السرية والانتحار والعنوسة والبطالة ومقاطعة الانتخابات وما يصاحبها من تداعيات إلى غير ذلك من القضايا والمشكلات , مع التأكيد على أهمية الإطار النظري والمنهجي الذي يستوعب هذه القضايا ويوضح كيفية التغيير الاجتماعي نحو النموذج الإسلامي المطلوب .

  من القضايا المهمة أيضاً مراجعة التصور لطبيعة العلاقة بين العاملين في المجال الإسلامي والمجتمع , ومكانته ومرجعيته في ما تطرحه الحركة من مشروع ورؤية للنهوض , بمعنى هل يعتبر الإسلاميون أنفسهم الممثلون الوحيدون للإسلام الذي على المجتمع أن يخضع لهم ويستجيب لأفكارهم وبرامجهم , إذ أنهم يمتلكون المشروعية والحق في ذلك لرفعهم راية الإسلام وهتافهم باسمها , أم أنهم جماعة من المسلمين يمتلكون اجتهاداً بشرياً في استيعاب قيم الإسلام وأحكامه , ومحاولة تنزيلها وتجسيدها في الواقع , وبالتالي يتم التجرد من كل قدسية وشعور بالوصاية على المجتمع , مما يجعل الرهان منحصراً في المقدرة على مخاطبة المجتمع والسعي لإقناعه بالمشروع الذي يتبنونه , وحشد التأييد له كوسيلة وحيدة لأخذ المشروعية .

3- إعادة تأسيس المفاهيم

                       قضية أخرى مهمة , وهي إعادة التأسيس النظري لمفاهيم مثل شمول الإسلام والحاكمية وصلاحية الإسلام لكل زمان ومكان إلى غيرها من المبادىء , بما يمكّن من تجاوز الطرح المجرد , ويحقق المقدرة على تحويل هذه المفاهيم و القيم إلى مفاهيم متكيفة مع الواقع , وقادرة على التعامل معه , ومثبتة لصدقيتها وإمكانية تحققها في الواقع , وهذا يقود أيضاً إلى مراجعة مفاهيم تؤثر تأثيراً مباشراً في مضمون المفاهيم السابقة , كمفهوم التجديد ومضامينه وآلياته , مجالاته وضوابطه , علاقته بمفهوم الإتباع والتأسي السابق , العلاقة بالعلوم الإنسانية الحديثة وكيفية التعامل معها واستيعابها في إطار العقل المسلم من أجل تحقيق الاستجابة الإسلامية المعاصرة , واستئناف حضارة إسلامية موازية ووارثة للحضارة الغربية , خاصة وأن جهود العمل الإسلامي المعاصر الذي يعتبر امتداداً لحركة الإصلاح الديني المعاصرة ( جمال الدين الأفغاني , محمد عبده , محمد رشيد رضا ,عبد الحميد بن باديس) وإنجازاته في مجال استئناف إحيائها الفكري تعتبر ضئيلة بالمقارنة مع مقدراته على ترجمة جهودها في سياق حركي قادر على التجدد والانتشار 4- الصيغ التنظيمية

                  لا بد من مراجعة الصيغ التنظيمية والاجتهاد في إيجاد نموذج قادر على الوفاء بحاجات المشروع الإسلامي , وعاكس لقيمه في التشاور والتناصح , وضامن لعدم اختزاله إلى حزب سياسي يهدف فقط للاستيلاء على السلطة والتنافس على مقاعدها مع الآخرين , وتزج العمل الإسلامي في براغماتية واستمراء في التكتيك تغيب معه الرؤية الإستراتيجية والمشروع الأصيل مما يستدعي هيكلاً وآليات تنتج الإنتاج الفكري الكثيف , وتحقق الالتزام الإيماني والتربوي العام , وتحفز الانتشار الواسع والحراك السياسي الفعال , والمقدرة على الاستقطاب والاستفادة الواسعة من كل مكونات المجتمع , مع مراعاة كل ما يتطلبه ذلك من مرونة عالية واستعداد للتداول والتشاور الواسع , ومؤسسية راسخة توجه هذه الحرية الواسعة وتحولها إلى فعل إيجابي , وتحول بينها وبين الانفراط والتداعي .

بقي أن نقول أنه من المهم استيعاب الواقع المحلي الذي يتمثل بالدولة القطرية المعاصرة , والذي يفرز علاقات داخلية تقوم على أساس الانتماء للوطن , وما يترتب على ذلك من حقوق وواجبات , على عكس المفهوم الإسلامي للدولة التي تتجاوز القطرية إلى الأمة المسلمة ودار الإسلام , وما يتطلبه ذلك من اجتهاد يراعي هذه الروابط والانتماءات والعلاقات , وكذلك استيعاب الواقع العالمي الذي يقوم على عهود ومواثيق عالمية ملزمة لكل الدول , مع اختلال في موازين القوى لصالح قوة واحدة مهيمنة ومتدخلة في كل الشؤون عبر هذه المؤسسات .

وبعد , فهذه بعض القضايا العاجلة والملحة , و التي تستوجب التوقف عندها والإجابة على تساؤلاتها من أجل استئناف عمل إسلامي متجدد وقادر على مقابلة الأعباء الضخمة التي تفرضها طبيعة المرحلة المعاصرة , ومتجاوز لحالة الإحباط وانسداد الأفق التي يعانيها الكثير من العاملين في الحقل الإسلامي , ومتدارك للأخطاء السابقة . وقد وجدت أنه يمكن الاستفادة منها في الساحة الإسلامية الجزائرية لذلك أعدت نشرها مع بعض التغيرات الطفيفة حتى تتماشى مع الواقع الجزائري   

 



[1] مادة هذه المقالة منقولة من مقال للطبيب السوداني الأستاذ معتز أحمد مصطفى وعنوانها مراجعات في أوراق العمل الإسلامي في السودان من الموقع  الإلكتروني السودان الإسلامي وقد وجدت أنه يمكن الاستفادة منها في الساحة الإسلامية الجزائرية لذلك أعدت نشرها مع بعض التغيرات الطفيفة حتى تتماشى مع الواقع الجزائري