تعتقد ((تصورات)) الأفراد بان قيمتها عند تكلمها بينما تجزم(( واقعيات)) الجماعات بأن قيمتها من قوة وجودها ، ويؤكد خالقنا بان إنصاتنا يسبقه استماعنا لآياته تدبرا ! من قوله تعالى {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} والفرق بين الاستماع والإنصات، أن الإنصات في الظاهر هو ترك التكلم وأما الاستماع له، فهو أن يلقي سمعه، ويحضر قلبه ويتدبر في ما يستمع، والمعنى بأن من لازم على هذين الأمرين حين يتلى كتاب اللّه، فإنه ينال خيرا كثيرا وعلما غزيرا، وإيمانا مستمرا متجددا، وهدى متزايدا، وبصيرة في دينه، ولهذا رتب اللّه حصول الرحمة عليهما، فدل ذلك على أن من تُلِيَ عليه الكتاب، فلم يستمع له وينصت، فأنه محروم الحظ من الرحمة، وقد فاته خير كثير،
وفي فوضى أيامنا هذه نجد أن عظمة البلاغة تكمن في الصمت بأفضلية ساحقة لتفوز النفس المتكلمة بلسان يلهج بالكتمان ليبقى خلف (( قضبان )) الأسنان ذلك ليصدق بالتعبير خيرا له من أن (( يوأد )) ضمانة النبي الأكرم عليه الصلاة والسلام للجنة لما بين لحيينا ، ولتلك الضمانات عهد اتخذه الصالحون والمفكرون ممن سبقوا أزمنتهم عقلا راجحا وسلوكا متفردا تقوده البصيرة وحسن التصرف ، وما يمر بالعراق اليوم هو الحتمية التي لازمت الكلام والثرثرة وما أعقبه من أفعال هوجاء عكست كذبة الأقوال ودحضت فلسفة العلماء العاملين الذين دخلوا مدنهم الفكرية في مصانع ومختبرات (( اعمل بصمت ودع عملك يتكلم )) والتي تكون الثرثرة فيها محظورة ألا بعد البراهين المشيرة للنتائج ، مما جعل العراق في فترة السبعينات من كبرى الدول التي تمتلك اكبر قاعدة أبحاث علمية في جميع المجالات استندت على جلب الخبرات بعد معايشتها وتوأمتها بثورة علمية متسارعة الخطى ، احتضنت العراق برغم الحروب ألا أن أصحاب العقول قد هاجرو في يوم الصخب الأكبر ، باحثين عن مختبرات العزلة ليسترجعوا بذاكرتهم هوس البحث والإبداع في دنيا خير جليس ليقرأه بلا نظر ، أنما يتأمل ما فيه صامتا مستمعا إلى كل سكنه وحركة لتغير لون وجهه ضاغطة على عضلات جبينه التي لا يمنعها الانقباض والانبساط لعظمة ما يسمع ، عالمنا هذا هو العراقي المتأمل الذي فاته الكثير في وقت يتصارع فيه المسئولون عن الفريسة وقد نسو أنهم ضيعوا (( وقتا )) لا يمكن استرجاعه شاغلين أنفسهم والإعلام منهمكين بالطرق والأرصفة فقط ليهيئوها للباعة وليشغلوا العراقيين لتبضع ما أنتجه الغير ، تاركين الفراتين ينسابا لينتحرا بهدوء في الخليج المالح بلا هوادة ليتم قتله بتعمد رغم أن سادتهم استثمروا المسيسيبي نهر الرجل العجوز، الذي لا يكاد أن يصل إلى خليج المكسيك ألا بعد أن يتم استثماره بالكامل ، رغم أن الرفاق المعارضين للنظام السابق كانوا عند أسيادهم يتباكون بتسول باسم الري الحديث لدجلة والفرات وتباكوا عليهما طوال فترة النضال ألاستجدائي فلم ينقلوا سوى نظام ري الدجل والشعوذة وقيادة حملة الحصاد الكبرى للعلم والعلماء ، وهنا يريد من يكتب أو يقرأ ، أن يسترسل ويصرخ ليستعيد عافيته ولو قليلا ، ليثار لأرض السواد التي أصبحت ارض الغبار الذي تكافل مع صمتنا ليعبر هو الآخر بدماثته وابتعاده عن الصخب ليطفوا فوق رؤؤسنا بصمت لعلنا نتعلم منه العبر والعضات لنتصدى لمن أثاره بحملة الاستزراع ونواجه التعرية قبل أن تتصحر ذواتنا وصفاء نفوسنا .