هل نسعى لتأبــين اللغة العربيَّـة ؟!
د. أيمن الصياد
" اتحد العرب على ألا يتحدوا " ، مقولة تروِّجها الألسنة على اختلاف أقطارها ، وكأنهم سعداء بهـا و وا أسفاه ، فهناك فرق بين الاتحاد والفُرْقَة وبينهما ضاعت لغتنا العربية ؛ فهل يعقل أن العرب لم يتحدوا سوى على هجر العربية ! ، وها هم يهرولون تجاه اللغات الأجنبية بعديدٍ من الحجج الواهية ، مرة لمواكبة التطورات العلمية ، ومرة للتواصل الحضاري ، وأخرى للدعم السياسي، وغيرها .
لا يتردد كثير من بُلداننا العربية من اختراع الحجج الزائفة ، وفي النهاية نحن جميعا – بقصد من بعضنا وبدونه من آخرين – نتجه إلى تأبين لغتنا الجميلة ، لغة القرآن ، لغة أمة أول ما عرفها التاريخ كان بفصاحتها وبلاغتها ، ونبوغ أبنائها في الشعر والنثر والخطابة وقبل نزول الإسلام ، وحين أعزَّنا الله بدينه الحنيف ، ونزوله على لساننا العربي المبين ، ولكن ما الجدوى ؟ فقد اهتموا بدنياهم من قبل ، وتناسوا دينهم، أفلا يهملون العربية بعدها ؟!
كيف أبحنا لأنفسنا هجر العربية بتلك الصورة المشينة ؟! ، هل لضعف بها لا والله ، ما هي بضعيفة قط ، وكيف ذلك وهي كما يقول حافظ :
أنا البحر في أحشائه الـدُّر كامن فهل ساءلوا الغـوَّاص عن صدفـاتي
وهنا تكمن المشكلة الكبرى في استعمال لغتنا .. فمنذ الصِّغَر نتلقاها حروفًا تُجمع، وكلمات تُحفظ ، وجملا تُرتَّب ، وتناسينا جميعا أن اللغة كائن حيٌّ يحتاج إلى الرعاية والعناية والتطوير ، وبعدها هناك الفُروق الفردية تظهر لدى البعض في الاستخدام .. وهنا فقط يكون دور الغوّاص الماهر القادر على الإبحار في أعماق العربية ليُخرِج دُرَّهـا الثمين ، وينثره بين رفاقه كي يسعدوا بما جادت عليهم لغتهم العربية .
نترك لغتنا تحتضر كل يوم في مختلف الميادين عشرات المرات دون اهتمام لحالها ، وفي الاتجاه المُعاكس نرى اللغات الأجنبية تُدرَّس من الرَّوضة لطلابنا في معظم أقطارنا العربية ، وبحبٍّ وشغفٍ من القائمين على مؤسَّساتنا التعليمية كمن يُغذي ويسمِّن غير ولده ، وفي المقابل نترك العربية تحتضر كل يوم ؛ وتناسوا أن عزَّتهم في دينهم و لغتهم ، ولكن ألا يحتاج هذا الدين للغة قوية سليمة تشرحه وتقرّبه للعامة والخاصة ؛ لم نتعلم من الغرب الذي ننبهر به كل يوم كيف نهتم بلغتنا ! ، ألم نتعلم منهم كيف تكون العزّة والكرامة في اللغة ؟!
من أين جاءت الفُرْقـة ؟
لنكن صادقين مع أنفسنا وننظر حالنا كعرب ، وكيف لهم أن يتحدوا ؟! وإن اتحدوا سيأتي الخلاف مهرولا حول زعيمهم والمتحدث باسمهم ، ومن يصدر الأوامر والتصريحات ، ويعلو ذكره في المجالس !!!
هكذا يفكر كثير من قادتنا إلا ما رحم ربِّي ممن يغارون على دينهم ولغتهم ، وهنا نظرة ورجاء فنقول : لماذا لا يكون هناك تنسيق واتفاق بين الدول العربية لتوحيد مقرراتها التعليمية ؟ّ ، ولماذا نترك فرصة للغرب ليتحكم في كثير من هذه المقررات في كثير من أقطارنا العربية ، ولماذا نهرول إلى الغرب على اختلاف لغاته ولهجاته نرشف من معينهم ، ونتبارى في عاداتهم بشغف قلَّما نجده منَّا تجاه العربية، وعادات أهلها .
عارٌ علينا كعربٍ لما نفعله بأنفسنا ولغتنا ، عارٌ علينا كعربٍ لما نفعله بديننا ودنيانا ، عارٌ علينا حين نصم الأذن ، ونغضّ الطرف ، ونطوي اللسان عن مرضنا وعلّتنا الأهم في حياتنا ألا وهي " اللغة العربية " وما غيرها لنهتم به بعد ديننا ؟؟ أما آن أنْ نعلم أن فيها العوض والسند والكفاية لكل علومنا !
أفيقوا يا أمة العرب ، يا أمة القرآن ، يا أمة البيان .. لديكم إرثكم من العزّة والكرامة والحضارة ، لديكم لغتكم فلا تتركوها تُساق إلى قبرها رغمًا عنها ، وتحت أسماعكم وأبصاركم ، بل ونسير جميعًا في موكب تأبينها ، حاملين نعشها ، غافلين عن وأدِها ، لعَمري ما حياة بدونها ، وما كرامة بغيرها ؛ فماذا نفعل كي نجدد الدماء في عُروقها ؟
نحـو إعـادة الحياة
يجب على كل مخلص ٍلدينه ووطنه أن يعمل على ارتقاء لغته والدفاع عنها ، وأن يعلم جيدًا أن كيانه وعزَّته في دينه ولغته ، فهما ماضيه وحاضره ومستقبله ، والتخلي عنهما هو الذّل والهوان ، فلا رِفعَة لأمتنا إلا بلغتنا العربية السليمة ، الخالية من كل عيب ودخيل يشوّه ماضيها ، ويُسيطر على حاضرها ، ويهدم مستقبلها ، فعلينا جميعا أن نسعى إلى :
الاهتمام بحفظ القرآن وتلاوته ، وتدريس علومه .
العودة إلى قراءة تراثنا العربي ودراسة شعره ونثر ه .
انتقاء الكُتاب والمفكرين العرب للحديث عن لغتنا في المحافل الدولية .
الاهتمام بالدور الإعلامي ، وتصحيح لغته التي تهدم كيان الأمة .
عقد الندوات والمسابقات الأدبية الهادفة للارتقاء بالعربية .
محاولة تعريب العلوم داخل الجامعات بما يتماشى وطبيعة هذه العلوم .
تعميم تدريس العربية كلغة قومية داخل كلياتنا في كافة الأقطار العربية الأخرى .
مواصلة مجامع اللغة العربية لدورها تجاه العربية من وضع مصطلحات لتعريب العلوم ، وتنقية اللغة ، ووضع معاجم متخصصة .
إبراز دور المؤسسات التعليمية في تدريس العربية وتعليمها ، والخروج بها من إطارها النظري إلى التطبيق العملي الهادف إلى تطويرها وانتشارها .
هذا بالإضافة إلى كل ما يُطرح للنهوض بالعربية ، والعودة بها إلى سابق عهدها ، عظيمة وقوية ومتجددة ، فما أجملها من لغة تعبر عن الحقيقة والخيال ، وتخاطب العقل والوجدان ، وترسم دروب الواقع وتنسج خيوط الآمال ، فلم يعد في العمر بقية ، ويمر الدهر على عجل ، ولا نملك من أمرنا شيئا سوى الإيمان والعمل ، فهلمُّوا إلى حِصن العربية الرّحب ، فهي قادرة على أن احتـواء علومنا وعاداتنا وآمالنا ، ولتُبعث من جديد ، وإّلا فالنهاية آتية لا محالة ، فلا وقت نضيعه في خلافاتنا وفُرقتنا ، فلم يعد غير العمل لحياة جديدة ، ولغة خالدة باقية بقاء الدنيا .
د . أيمن الصـيــــاد
أستاذ الأدب العربي المساعد
كلية المجتمع - جامعة طيبة