- التفاصيل
- كتب بواسطة: خليل بولفعة
- الزيارات: 8
الأدوات النظرية في تحليل الخطاب*
لكي يؤسس أي ميدان وجوده وشرعيته يجب عليه أن يفرض هويته التي تميزه عن غيره من الميادين ، وإذا كان تحليل الخطاب من الميادين ذات الحدود غير الواضحة ، فإن الكثير من المشتغلين في ميدانه يتفقون على تحديد الخطاب باعتباره فضاء توظف فيه العلامات أو الكلمات والنصوص في سياق ما.وتكون مهمة تحليل الخطاب إذن هي دراسة القواعد الضمنية التي تتحكم في إنتاجه،إضافة إلى استعمال العلامات وتداولها من الناحية الاجتماعية والتاريخية .ومن هذا المنظور فإن العلامات لن يكون لها معنى ثابت ؛بل إن معانيها تتغير حسب السياق الذي تستعمل فيه. وإذا كانت العلامات تتغير من سياق لآخر ، فإن ذلك ينطبق تماما عن كلمة "خطاب" التي يتقاسمها العديد من الباحثين في ميادين مختلفة.
ولذلك أن تحليل الخطاب هو سليل ثلاثة مدارس معروفة ظهرت في ستينيات القرن الماضي مثل ، إثنوغرافيا التواصل ولسانيات النص والمدرسة الفرنسية لتحليل الخطاب .وعلى هذا الأساس يمكن تحديد هدفه بأنه تحليل كل منتج لغوي أو كل ملفوظ داخل سياق ما ،في مقابل الدراسات الأخرى التي تسعى إلى دراسة اللغة خارج السياق. ثم إن محاولة إنشاء ميدان بحث مستقل يكون موضوعه الخطاب ،يندرج بصفة عامة في إطار التطور الطبيعي الذي تعرفه علوم اللغة بصفة عامة ، واللسانيات بصفة خاصة، وذلك لما تتميز به من موضوعية و استقلالية ، الأمر الذي جعلها تحدد موضوعها وأطرها المنهجية وتضبط مفاهيمها. ولعل من أقرب الميادين إلى اللسانيات هو تحليل الخطاب الذي نجد له علاقات متداخلة مع اللسانيات ،خاصة فيما يسمى بلسانيات النص أو لسانيات الخطاب .
ظهر في أدبيات الثلاثين سنة الأخيرة التي تناولت الخطاب، أطروحة قوية يساندها كثير من الباحثين ، مفادها أن الخطاب وحدة لسانية جديدة تضاف إلى الوحدات السابقة المعروفة : الفونيم و المورفيم والجملة .إلا أن هناك اعتراضات كبيرة قد سجلت في هذا المجال رافضة هذا التصور المختزل للخطاب ، مستندة في ذلك إلى أن إنتاج الخطابات وتفسيرها لا يخضع لقواعد خاصة تتحكم في تركيبها وتفسيرها . ويفهم من هذا التوجه أنه يرفض التصور العام للسانيات الجملة ولسانيات الخطاب. وإذا كانت لسانيات الخطاب ترى في الجملة أصغر وحدة في الخطاب ، أو ترى في هذا الأخير مجموعة متتالية من الجمل ، فإن التداولية ترى في الخطاب ملفوظا أو مجموعة من الملفوظات . والفرق بين الجملة والملفوظ هو الأساس الذي تقوم عليه التداولية في مقارباتها كلها.
وبالرغم من تنوع المقاربات في تحليل الخطاب ، فإن جل النظريات والمفاهيم التي تنضوي تحت ذلك ،تلتقي في تعريف مشترك من حيث المبدأ ،وهي أن الملفوظات ليست جملا أو مجموعة متتالية من الجمل ولكنها نصوص ،كما يغبر عن ذلك "غراويتس" Grawitz([1]) .وبعبارة أخرى أن النص صيغة تنظيمية خاصة يجب دراستها على هذه الصورة بإرجاعها إلى شروط إنتاجها.ثم إن فهم بنية النص ، هو في حقيقة الأمر إحالة على ظروف إنتاجه، وفي هذه الحالة لا يمكن تسميته إلا خطابا.
لم يتطرق رائد علم اللسان الحديث "دوسوسير" De Saussure إلى مسألة الخطاب في محاضراته حيث اعتبر اللغة "نظاما من العلامات " واعتبر اللسانيات ميدانا لدراسة اللغة لذاتها ، وبذلك بكون قد أقصى الجانب الفردي في اللغة وهو الجانب المتمثل في الكلام( الخطاب) ، وأعلى من الجانب الاجتماعي المتمثل في اللغة.وعلى هذا الأساس تم رفض الكثير من الباحثين هذه التصورات حيث ذلك ساعد على بروز توجه جديد في الدرس اللغوي الحديث، ينظر إلى اللغة باعتبارها تمثل العلاقة بين الذات التي تصدر عنها وتلك التي تتوجه إليها، أو في علاقتها مع الموضوع أو العالم ، لقد أصبحت اللغة تتمتع بحركية ذات أبعاد مختلفة، لتتحول في نهاية الأمر إلى خطاب ، بعد أن أصبح الكلام يمثل القطب الأهم في العملية التواصلية([2]).ولعل أبرز تحدي برز في وجه هذا التصور ، هو ما ظهر عند شارل بالي (1909)، في دراسته الأسلوبية.وكان ذلك بمثابة إرهاص لبروز لمبادئ لسانية للكلام التي فتحت طريق البحث حول العلاقات القائمة بين الذات المتكلمة ،وخطابها والسياق.
ونجد عند "غيوم" Guillaume مفهوم فعل الخطاب ،الذي يطمح إلى تقديم إيضاحات أكثر حول مكانة الذات المتكلمة؛غير أن هذه النظرية لم تتجاوز نظرية "دو سوسير".وعلى عكس من ذلك، نجد أن البحث قد تطور عند الشكلانيين الروس ابتداء من سنة 1915،خاصة فيما يعرف بالبنيات السردية للأدب الشفوي والمكتوب.وفي سنة 1928 ،من خلال عمل "فلاديمير بروب" Propp v.، "مورفولوجيا الحكاية الشعبية الروسية" حيث تم القبول بإمكانية تجاوز المحايثة المغلقة إلى الاهتمام بالفضاء الخطابي الأوسع عبر نصوص هذه الحكايات من خلال معرفة تنظيمها التركيبي والدلالي.
وقدم الباحث الفرنسي "بنفنيست" Benveniste بحوثا حول التلفظ وسيميولوجية اللغة ،منطلقا من الفلسفة التحليلية وخاصة نظرية أفعال الكلام الأنجلوسكسونية لـ"أوستن" Austin،حيث قام بإدخال موضوعة جديدة في اللسانيات الفرنسية، تعرف اليوم بتحليل الخطاب.
ولكي يتم التطرق إلى هذه المسألة بصورة أعمق يجب تقديم إجابات حول العديد من الأسئلة الجوهرية في هذا الميدان من نمط ؛
-ما هو الخطاب؟
- ما هي أهم المقاربات في تحليل الخطاب ؟
- ما هي الإسهامات التي تقدمها هذه الأدوات في عملية البحث ؟
وسنكتفي في هذا المقال بالإجابة عن السؤال الأول ،وسنحاول الإجابة عن الباقي في مقالات أخرى إن شاء الله. وعلى هذا الأساس فإن هذا السرد النظري يقترح تقديم إجابات لهذه الأسئلة ويحاول وضع أدوات يراها ضرورية لمختلف مناهج تحليل الخطاب.
· مفهوم الخطاب
أ - عند العرب
تتردد كلمة خطاب بشكل مكثف في الحياة الاجتماعية المعاصرة؛ سواء في الحياة اليومية أو السياسية أو الثقافية أو الإيديولوجية بصفة عامة، فما هو الخطاب لغة واصطلاحا ؟
وردت مادة "خ.ط.ب" في القرآن الكريم اثنتي عشرة مرة موزعة على اثنتي عشرة سورة ([3])بصيغ متعددة منها صيغة الفعل:"وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما" (الفرقان/63) ومنها المصدر في قوله " رب السموات والأرض لا يملكون منه خطابا "(النبأ/37) ومنه أيضا قوله سبحانه وتعالى " وشددنا ملكه وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب"( ص /20) .كما ورد في اللسان لابن منظور في مادة [خ.ط.ب] أن الخطاب والمخاطبة مراجعة الكلام ، وقد خاطبه بالكلام مخاطبة وخطابا ، وهما يتخاطبان، وأن المخاطبة صيغة مبالغة تفيد الاشتراك والمشاركة في فعل ذي شأن ([4]) ويعرفه الزمخشري بأنه " القصد الذي ليس فيه اختصار مخل،ولا إشباع ممل"([5]).كما تجدر الإشارة هنا أن لفظ الخطاب ورد عند النحاة بصيغ مختلفة ، منها صيغة اسم المفعول" المخاطَب" للإشارة إلى القطب الثاني في المخاطبة،كما ورد ذلك بشكل كبير عند علماء الأصول بصفة خاصة، فقد أوردوا أسماء الفاعل (مخاطِب) واسم المفعول (مخاطَب)([6]).كما نجد الآمدي قد عرف الخطاب تعريفا بينا فهو" اللفظ المتواضع عليه المقصود به إفهام من هو متهيئ لفهمه"([7]). غير أنه تم اعتماد هذا المصطلح من طرف الفكر النقدي العربي الحديث ليحمل دلالة المصطلح اللغوي والنقدي الغربي([8]).
و يمكن القول أن هذا المفهوم قد تعدد وتنوع بتأثير الدراسات اللغوية ، في اتجاهيها الشكلي والتواصلي ، فهو يطلق إجمالا على أحد مفهومين ؛ يتفق في أحدهما مع ما ورد قديما ، عند العرب؛ أما في المفهوم الآخر ، فيتسم بجدته في الدرس اللغوي الحديث وهذان المفهومان هما: الأول، باعتباره ملفوظا موجها للغير ، والثاني ، الشكل اللغوي الذي يتجاوز الجملة([9])
ب - الخطاب عند الغربيين
يرجع بعض الباحثين أن أول محاولة جادة لتعريف الخطاب في حدود المفهوم الفلسفي ، تعود إلى أفلاطون حينما اعتمد في هذا التحديد على قواعد عقلية ، مما يجعله تعريفا ذا ملمح فلسفي. أما في مطلع عصر النهضة فظهر هذا المفهوم عند ديكارت في كتابه "خطاب في المنهج"discours de la méthode للدلالة على الخطاب الفلسفي في العصور الوسطى. ومع مرور الزمن أصبح هذا المفهوم يشكل موضوعا أساسا في البحوث الفلسفية واللسانية الحديثة ، خاصة بعد ظهور محاضرات رائد علم اللسان الحديث "دو سوسير" وتمييزه بين اللغة والكلام، ومنذ ذلك الحين أخذ هذا المفهوم في الاتساع والانتشار في الدوائر اللغوية والأدبية ، إذ اختلفت التعريفات والتحديدات ، وأبرز كل واحد منها خصيصة من خصائص الخطاب فقد عرفه "هاريس تعريفا لسانيا ، وهو أول لساني حاول توسيع حدود موضوع البحث اللساني بجعله يتعدى الجملة إلى الخطاب([10]) انطلاقا من تعريف "بلومفيلد" للجملة عبر تأكيده على وجود الخطاب رهينا بنظام متتالية من الجمل تقدم بنية للملفوظ. أما تعريف "بنفنيست" للخطاب فكان له أبلغ الأثر في الدراسات الأدبية التي تقوم على دعائم لسانية ، إذ يرى أن الجملة تخضع لمجموعة من الحدود ، فهي أصغر وحدة في الخطاب، ويأتي هذا عكس ما جاء به "هاريس" والتوزيعيين الذين وقفوا عند حد الملفوظ . كما وضع إلى جانب باحثين آخرين مفهوم التلفظ الذي يعني الفعل الذاتي في استعمال اللغة ، والذي يعتبر فعلا حيويا في إنتاج أي نص ، كمقابل للملفوظ، وباعتباره الموضوع اللغوي المنجز والمنغلق والمستقل عن الذات التي أنجزته.وهكذا يتيح التلفظ دراسة الكلام ضمن مركز نظرية التواصل ووظائف اللغة ، ويرى في ذلك أن التلفظ هو موضوع الدراسة وليس الملفوظ ، ومنه يعرف الخطاب باعتباره الملفوظ منظورا إليه من وجهة آليات وعمليات اشتغاله في العملية التواصلية([11]) وبذلك يعرف الخطاب بمعناه الأكثر اتساعا فهو "كل تلفظ يفترض متكلما ومستمعا وعند الأول هدف التأثير على الثاني بطريقة ما"([12])
والواقع أن التعريفات العديدة للخطاب تعكس خلفيات معرفية لمناهج متعددة ، فالاتجاه الشكلي يعرفه بأنه أكبر من الجملة، فمهمة الباحث هي البحث في علاقاته الداخلية وعناصر انسجامه وتركيبه وعلاقة وحداته فيما بينها، فهو الوحدة الكبرى للجملة.ونجد هذا متمثلا بشكل خاص في لسانيات الخطاب وتحليل الخطاب بصفة عامة. أما التعريف الآخر فهو الذي يخص الاتجاه الوظيفي، الذي يتجاوز الوصف الشكلي ،إلى الاعتناء بالسياق وعناصره المختلفة، ومدى توظيفها أو مساهمتها في إنتاج الخطاب أو في تأويله ، مثل العلاقة بين المتخاطبين والمسافة والمستوى الاجتماعي والطرق المختلفة في إنتاج الخطابات ، فالتلفظ المتعدد لخطاب واحد ، مثلا يجسد (الأنا) المتلفظة في تباينها الواقعي والاجتماعي مع المرسل إليه([13]) .
أما التعريف الذي يرى في الخطاب ملفوظا ، فهو يمثل نقطة التقاطع بين المنهجين السابقين، الاتجاه البنيوي والوظيفي ، إذ لا يعتد هنا بالجملة معزولة عن سياقها باعتبارها بنية صغرى داخل بنية كبرى التي هي النص أو الخطاب ، وإنما بالملفوظ مقابلا لهذا المفهوم ، وبذلك فالخطاب هو متتالية من الملفوظات ، أي وحدات ذات سياقات تلفظية خاصة .
ومن ذلك نستخلص أن دلالات الخطاب تتعدد بتعدد اتجاهات ومجالات تحليله، وعلى هذه الخلفية نجد تداخلا لهذه التعريفات أو تقاطعا أحيانا، وأحيانا أخرى تكاملا فيما بينها.وحتى يمكن فهم الخطاب وتحليله بشكل مقبول ، يجب تحديد الاتجاه الذي ينتمي إليه والمجال الذي يتم الاشتغال فيه وفق أسئلة إبستيمولوجية محددة. فيمكن للباحث أن يجيب عن أسئلة من نمط :لماذا هذا التعريف ؟ ما هي الأدوات والإجراءات المناسبة ؟ إلى ماذا نريد الوصول ؟ وكيف ؟([14]) غير أننا نجد بعض التداخل بين الخطاب والنص ، فهل النص هو الخطاب ؟ أم أن هناك فرقا بينهما ؟
- بين الخطاب والنص
النص هو مجموعة القوالب الشكلية :النحوية والصرفية والصوتية ، بعيدا عما يكتنفه من ظروف أو ما يتضمنه من مقاصد ، ولا يحيل على ما هو خارج بنيته من عناصر سياقية وظروف الإنتاج ولا يتغير بتغير الظروف والملابسات، وبذلك يمثل شكلا نهائيا منتهيا.
بينما يحيل الخطاب على عناصر السياق الخارجية في إنتاجه وملابساته وتأويله، خاصة في الخطابات الشفوية وتلك الخطابات التي تعتمد على غير اللغة الطبيعية.أما في الخطاب اللغوي "فإن حده أنه منطوق به موجه إلى مرسل إليه مع نية إفهامه بطريقة ما، ولا يقتصر توجيهه إلى مرسل حاضر عيانا فقط ، بل يتعدى ذلك إلى مرسل إليه حاضر في الذهن أو ما يمكن أن يسمى بالمتلقي الافتراضي.
وهناك عدد من العناصر التي تشترك في بلورة عملية التواصل في الخطاب .ويمكن معرفتها من خلال النظر إلى الخطاب ذاته ، بوصفه الميدان الذي تتبلور فيه كل هذه العناصر مما يحيلها إلى عناصر سياقية:
1- المرسل .
2- المرسل إليه.
3- العناصر المشتركة ، مثل العلاقة بين طرفي الخطاب ، والمعرفة المشتركة والظروف الاجتماعية العامة، وكذلك الافتراضات المسبقة والقيود التي تؤطر هذه العملية"([15]).
ويبدو أن العنصر الأخير هو الأكثر أهمية لتأثيره في العناصر الأخرى وفي عملية إنتاج الخطاب،كما يظهر أن هذه العناصر متحولة مما يجعلها غير ثابتة ، فقد يتم التلفظ بنفس البنية اللغوية ولكنه لا يتم بنفس الملفوظ نظرا لعدم ثبات هذه العناصر وتغيرها حسب الظروف والملابسات.و الإحالة إلى هذه العناصر هي التي تجعل من الخطاب يتمتع بهذه الصبغة التداولية المتمثلة في تنوع السياقات وعناصرها...(يتبع)
* خليفة بولفعة ، باحث من جامعة الأغواط ، الجزائر.
الهوامش:
[1]- (1990: 345)
2 - ب.خليفة ،إستراتيجية الخطاب الشعري عند أبي الطيب المتنبي مقاربة تداولية، " رسالة ماجستير"، جامعة الأغواط ،2007/ 2008، ص.32
3 - عبد القادر شرشار ، تحليل الخطاب الأدبي وقضايا النص ،منشورات اتحاد الكتاب العرب، دمشق،2006، ص.11
4 - ابن منظور، لسان العرب ، أعاد بناءه على الحرف الأول من الكلمة ،يوسف خياط ،ج/2 ،دار لسان العرب ،بيروت،1988، ص.856
5- الزمخشري ،الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل ، تحقيق وتعليق ،محمد مرسي عامر ،دار المصحف ،القاهرة (د.ت)،ج/5-6،ص.125.
6 - ضافر الشهري، استراتجيات الخطاب، ص.35-36
7 - استراتجيات الخطاب نص.36
8- تحليل الخطاب الأدبي وقضايا النص، ص.10
-9استراتجيات الخطاب ،ص 36-37
10- سعيد يقطين ،تحليل الخطاب الروائي ،المركز الثقافي العربي للطباعة والنشر،بيروت ،ط 3،1997،ص.17
11 - تحليل الخطاب الروائي ، ص.19
-12 نفسه ،نفس.ص
13 - استراتجيات الخطاب، مرجع سابق ،ص.38
-14 تحليل الخطاب الروائي، مرجع سابق ،ص.26
15 - استراتجيات الخطاب، مرجع سابق نص.39
- التفاصيل
- كتب بواسطة: خليفة بولفعة
- الزيارات: 24
مدخل إلى التداولية بقلم خليفة بولفعة*
لعل من أكبر التحديات التي يواجهها الباحث في هذا الميدان ،هو الإبهام الذي يسود العديد من المصطلحات والمفاهيم ،خاصة وأن التداولية ذاتها عبارة عن مجموعة من النظريات المتفاوتة من حيث المنطلقات والمتفقة على أن اللغة نشاط يمارس ضمن سياق متعدد الأبعاد([1]) .
والتداولية بصفة عامة، مبحث لساني جديد عرف تأسيسه الحقيقي بين سنة 1950 و سنة 1990 ([2])، وهو مفهوم أدخل أول مرة من طرف "موريس" Morris (1938) الذي ميز بين ثلاثة فروع داخل السيميائيات :
- علم التراكيب الذي يدرس العلاقات المنطقية أو الشكلية بين العلامات .
- علم الدلالة الذي تتمثل وظيفته في البحث عن الدلالة المتواضع عليها بين هذه العلامات ، أو علاقات العلامات بالأشياء التي تؤُول إليها نتيجة المواضعة.
- والفرع الثالث هو التداولية الذي يهتم بعلاقة العلامات بمستعمليها ومؤوليها([3]).
وعلى هذا الأساس ، تعتبر التداولية ميدانا يهتم بالكيفية التي يفهم بها الناس بعضهم بعضا وطريقة إنتاجهم وتأويلهم للأفعال التواصلية في موقف محدد في الزمان والمكان ، وبذلك فهي تميز بين فعلين: فعل القصدية الإخبارية وفعل القصدية التواصلية ، أي: بين معنى الجملة الملفوظة و معنى المتكلم. وحسب "مونتاج" Montague و "ستالناكر" Stalnaker ، فإن هناك كفاءة نحوية تعمل على معرفة وصياغة العبارات بشكل جيد ، وكفاءة دلالية تعمل على تحديد العبارات المفيدة والمناسبة، وكفاءة تداولية تهيئ شروط نجاح التلفظات الواردة في السياقات المختلفة([4]).
ومرد اهتمام الباحثين بهذا الحقل، يعود لكونه حاملا لرؤى متعددة في مقاربة الخطابات، خاصة بعد العجز الكبير الذي أبدته المناهج الشكلية ، التي أقصت الجانب الفعلي في اللغة ؛ المتمثل في الكلام ، وهو الجانب الذي يمثل قطب العملية التواصلية كلها، التي اعتبرت اللغة ظاهرة تجريدية سواء عند" تشومسكي" أو "دوسيسير "، وهو الأمر الذي انتقل إلى الدراسات الأدبية أيضا ، فقد اعتبرت الخطابات بنيات مغلقة معزولة عن سياقها وظروف إنتاجها.
ومع التطور الكبير الذي عرفته التداولية، تم تحديدها بتعريفات مختلفة ، فكل تعريف يكشف عن اهتمامات الباحث وميدانه " فقد يقتصر الباحث على دراسة المعنى ، ولكن ليس المعنى بمفهومه الدلالي البحت ،بل المعنى في سياق التواصل ، مما يسوغ تسميته بمعنى المتكلم ، فيعرفها بأنها دراسة المعنى التواصلي ، أو معنى المرسل ،في كيفية قدرته على إفهام المرسل إليه بدرجة تتجاوز معنى ما قاله"([5]) وقد يأتي تعريفها انطلاقا من المرجعية اللفظية الواردة في الخطاب ومن خلال أثرها فيه مثل المبهمات أو الإشاريات، وموقع طرفي الخطاب ، المرسل والمرسل إليه ودورهما في إنتاج الخطاب وتوجيهه وتحقيق معناه وتأويله ، بالإضافة إلى أثر كل طرف في العملية الحجاجية و الإنجازية .ومن ناحية المرسل ، تنظر في قدرته على تمثل المعايير المساهمة في إنتاج الخطاب وتوجيهه ، ومدى تكيف تلك المعايير وجوانب السياق المختلفة ، وكذلك مختلف أصناف العدول والتجاوزات التي تصدر عن المرسل حين اختراقه لبعض هذه المعايير ، مما يجعل السياق هو الفيصل في عملية الفهم والتأويل .
وعلى هذا الأساس ، تكون التداولية هي دراسة اللغة في حالة الاستعمال ، مما يجعل للسياق دورا حاسما في عملية إنتاج الخطاب وتأويله بصفة عامة .
لقد ظهر في أدبيات الثلاثين سنة الأخيرة التي تناولت الخطاب، أطروحة قوية يساندها كثير من الباحثين ، مفادها أن الخطاب وحدة لسانية جديدة تضاف إلى الوحدات السابقة المعروفة : الفونيم و المورفيم والجملة .إلا أن هناك اعتراضات كبيرة قد سجلت في هذا المجال رافضة هذا التصور الذي اعتبرته اختزالا للخطاب ، مستندين في ذلك إلى أن إنتاج الخطابات وتفسيرها لا يخضع لقواعد خاصة تتحكم في تركيبه وتفسيره . ويظهر من هذا التوجه أنه يرفض التصور العام للسانيات الجملة ولسانيات الخطاب. وإذا كانت لسانيات الخطاب ترى في الجملة أصغر وحدة في الخطاب ، و الخطاب مجموعة متتالية من الجمل ، فإن التداولية ترى في الخطاب ملفوظا أو مجموعة من الملفوظات .والفرق بين الجملة والملفوظ هو الأساس الذي تقوم عليه التداولية في مقارباتها كلها.
والتمييز بين الجملة و الملفوظ يرجع إلى التمييز الهام الذي أضافه "جريس" Grice في تحليل اللغة حيث اعتبر أن "الجملة سلسلة من الكلمات لا تتغير بتغير الظروف التي أنجزت فيها ،والتي تتميز ببنيتها التركيبية وقيمتها الدلالية . وهذا ما يعبر عنه بـ (المقول) الذي هو نتاج لمعاني الكلمات التي يتشكل منها ، وعلى هذا الأساس تكون دراستها موضوعا للسانيات . أما الملفوظ هو نتيجة لعملية تلفظ الجملة، أي عملية نطقها ، يتغير بفعل الظروف التي يتلفظ فيها ويكون حاملا لما يريد أن يقوله المتكلم([6])،أي يكون حاملا لمعنى المتكلم.
ونفهم من هذا، أن الاكتفاء بتحليل مستوى واحد من مستويات اللغة أو الخطاب، أمر ترفضه المقاربة التداولية ؛ إذ لا يمكننا الاكتفاء بالتراكيب مفصولة عن دلالاتها ، مثلما هو الأمر في نظرية "تشومسكي" ، في مراحلها الأولى، إذ لم تلتفت إلى مسألة قدرة الفرد على إنتاج الخطابات /النصوص وفهمها ، ليس من منطلق أنها تتمتع بخصيصة "النحوية" –التي هي مبدأ من مبادئ قبول الجمل أو رفضها- فحسب، بل لأنها تتوافر إلى جانب مبدأ النحوية ، على الخصيصة "التداولية " بمعنى مراعاتها للسياق الذي تم فيه إنتاج هذه النصوص وفق القدرة التواصلية([7]) .وبالرغم مما يوفره هذان العنصران من صحة نحوية ومنطقية دلالية في العملية التواصلية، ،فإنهما يبقيان غير فعالين في غياب المستوى التداولي الذي يتطلب استدعاء عناصر أخرى خارج لغوية مثل السياق والقصدية .
ومن هنا نلاحظ بداهة، التزام المرسل بالسياق الخارجي، فقبل أن ينتج ملفوظه يجب عليه أن يأخذ بعين الاعتبار لعدة معطيات ، منها المرسل ووضعيته في الزمان والمكان والسياق النفسي والاجتماعي، بل والإيديولوجي والثقافي ومختلف العناصر السوسيو لسانية.وهنا نجد أن المعاني وقيمتها يتم تفسيرها وتأويلها ضمن سياقها التلفظي الخاص ، وليس فيما تشير به الوحدات المعجمية والتركيبية، وإن كانت هذه العملية لا تتم إلا في تركيب لغوي محكم ، فإن الفعالية الإنجازية لأي تركيب تكمن فيما يصطنعه المرسل من استراتجيات مختلفة في السياقات المتعددة ، فلا يكون لنفس البنية اللغوية نفس التأثير ونفس القوة الإنجازية.
وعلى هذا الأساس، يبدو أن " الدرس اللغوي التداولي يدرس المنجز اللغوي في إطار التواصل ، وليس بمعزل عنه، لأن اللغة لا تؤدي وظائفها إلا فيه، فليست وظائف مجردة ، وبما أن الكلام يحدث في سياقات اجتماعية ، فمن المهم معرفة تأثير هذه السياقات على نظام الخطاب المنجز"([8]).
ودراسة السياق بمظاهره المختلفة ، سواء عند المرسل حينما يكون بصدد إنجاز تلفظه أو عند المرسل إليه وما يتطلب ذلك من آليات التأويل والتفسير ، ليست بالأمر البسيط، لأن هناك آليات متعددة ومتداخلة تخضع لها هذه العملية . وقد دأب الباحثون على إثارة أسئلة من نوع من يتكلم ؟ من يقع عليه الكلام ماذا نفعل عندما نتكلم ؟ ما هي قيود الحديث ؟ أين يكمن الغموض في الكلام ؟ لماذا التلميح أبلغ من التصريح ؟ لماذا نقول أشياء ثم نصرح مباشرة بعدم قولها ؟ متى يكون الكلام إقناعا ؟...([9]) وللإجابة على هذه الأسئلة وغيرها تلجأ التداولية إلى الاستعانة بعلوم إنسانية واجتماعية أخرى ، وهو الأمر الذي أعطاها هذا البعد الحيوي ضمن فضاء الدراسات اللغوية.
ويرجع الباحثون ثراء البحث التداولي، إلى إثرائه بالعديد من الدراسات والتطبيقات المتنوعة في هذا الميدان، فقد ساهم في ذلك ذوي الاختصاص اللغوي، و ذوي اختصاصات أخرى، مثل علماء المنطق والفلسفة وعلم الاجتماع وعلم النفس.
وعلى الجملة فإن النظريات التداولية تسعى إلى إثبات العلاقة المغيبة في المقاربات الأخرى ، وهي علاقة المتلفظ بسياقه الكلامي.وهذا هو الذي نجده في برنامج "هانسون"Hanssson الذي حاول فيه التوحيد بين النظريات التداولية ،مبرزا أن هناك ثلاث درجات للتداولية بحيث يكون فيها السياق هو العامل المشترك ،بل إن درجة حضوره في كل نظرية هو الذي يميزها عن غيرها ،وهذه الدرجات هي:
1- الدراسة المتعلقة بالجانب الذاتي في الخطاب، أو المرجعية بصفة عامة.
2- الدراسة المتعلقة بقوانين الخطاب ومظاهرها المختلفة من حجاج وأقوال مضمرة وافتراضات مسبقة
3- الدراسة المتعلقة بنظرية أفعال اللغة([10]). ومن هنا برزت مقاربات تداولية تناولت الخطابات المختلفة؛ مثل الخطاب اليومي و السياسي و الإعلامي والثقافي والديني والأدبي...(يتبع)
* باحث من الجزائر
[1] - عمر بلخير ،تحليل الخطاب المسرحي ،في ضوء النظرية التداولية ،ط 1،منشورات الاختلاف ،ص.7
[2]- Martine Brocaps , introduction à la pragmatique: les théories fondatrices ,De BKoek Université, 2006 ,p .11
[3]- Lita Lundquist , La cohérence textuelle,syntaxe,sémantique,pragmatique,éd .Forlaget Samfundslitteratur,1994,p.7
[4]- http://www.universalis.fr/encyclopedie/P150021/Pragmatique.htm
-[5] - عبد الهادي بن ظافر الشهري ، إستراتجيات الخطاب ،مقاربة لغوية تداولية، ط 1،دار الكتاب الجديد المتحدة ،بنغازي –ليبيا،2004، ص.21-22
[6] - Introduction à la pragmatique, op. ,cit. p .67-68
[7] - يوسف ، احمد ، سيميائية التواصل وفعالية الحوار ، ط 1،منشورات مختبر السيميائيات وتحليل الخطاب ، جامعة وهران، 2004، ص.54.
[8] - إستراتجيات الخطاب، مرجع سابق ص.23
[10] - http://www.universalis.fr/encyclopedie/P150021/Pragmatique.htm
- التفاصيل
- كتب بواسطة: محمد الدريج
- الزيارات: 6
باسم الله الرحمن الرحيم
الشراكة التربوية و تطبيقاتها في التعليم
إعداد : أ.د. محمد الدريج
كلية علوم التربية – جامعة محمد الخامس - الرباط
تقديم
اقترن ظهور نظام الشراكة ، بالعديد من التحولات التي شهدها عالمنا المعاصر في جميع الميادين وانبثقت عنها بعض المفاهيم من مثل: المساهمة، اللامركزية ، الجهوية ، الاندماج، احترام الخصوصيات، انفتاح المؤسسات على محيطها... تلك المفاهيم التي تشكلت وتبلورت لينبثق عنها توجه جديد في العديد من المجالات الاقتصادية و الاجتماعية.
وانطلاقا من هذا التوجه ، ازدهرت دراسات تربوية تسعى إلى إعادة هيكلة الأنظمة التربوية لتستجيب لتلك التحولات ولتساهم في إعداد الفرد لمواجهتها . فشرعت في الاهتمام بموضوع الشراكة التربوية وتطوير مفاهيم الفعالية وترشيد التعليم وبشكل عام هندسة التكوين، انسجاما مع السياق الاقتصادي والثقافي الجديد.
وسنحاول في هذا الإطار ،توضيح بعض المفاهيم المرتبطة بنظام الشراكة التربوية وبيان خصوصيات انتشارها وسبل الاستفادة منها و بيان إمكانية توظيفها في تطوير كليات التربية و إصلاح التعليم العالي بشكل عام .
و قد يفيدنا توضيح تلك المفاهيم ، وتقريبها لمتناول العاملين في الحقل التربوي ، في تسليط الأضواء على العديد من القضايا المرتبطة بها من مثل: ما هي خلفيات اقتراح توظيف نظام الشراكة في المؤسسات التعليمية ؟ و ما هي دواعي اقتراح خطة الشراكة التربوية ؟ وهل يمكن أن تنسجم مع خصوصيات أنظمتنا التعليمية و تستجيب لاحتياجات مجتمعاتنا العربية ؟
ثم ما هي أفضل الطرق لتطبيق هذه الخطة في المؤسسات التعليمية سواء على صعيد التعليم العام أو التعليم العالي ، وفي كليات التربية بالذات و ما هي معوقاته ؟
كذلك من المبادئ التي نود ترسيخها من خلال هذه الدراسة ، مبدأ التكامل والاندماج. إننا نعتقد أن أي خطة نقترحها لتطوير وتحديث المؤسسات ، سواء تعلقت بالهياكل أم بالمناهج و الطرق والوسائل أم بنظام العلاقات و التواصل ... لابد وأن تصيب الكل قبل الجزء وتراعي التكامل والانسجام بين مختلف مكونات المنظومة التعليمية ، حتى لا تأول إلى ما تأول إليه في العادة وباسم التجديد، الإصلاحات الجزئية و الظرفية و المشاريع الموازية في التعليم .
كما نود أن نبين في نهاية التحليل ، أهمية بل و ضرورة انفتاح كليات التربية و مؤسسات التعليم العالي بشكل عام ، على محيطها الاقتصادي و الاجتماعي ، من خلال إقامة مشاريع الشراكة مع مؤسسات القطاعين العام و الخاص ،و تأثير ذلك في صياغة المناهج و الخطط الدراسية ،و في الأنشطة الثقافية و الاجتماعية و في تحديد طبيعة البرامج التدريبية و نوعية الدراسات و البحوث العلمية المطلوبة و استغلال نتائجها سواء في أداء المهام الأساسية لتلك الكليات أو في تلبية بعض احتياجات المجتمع الذي تنتمي إليه.
1 ـ معنى الشراكة التربوية
في المجال التربوي فإن مختلف التعريفات لمصطلح الشراكة وكلها حديثة نسبيا، تحدد الشروط الدنيا التي تميز الشراكة عن غيرها من أشكال التعاون. تلك الشروط التي تلتقي كلها عند فكرة انفتاح المؤسسة التعليمية على المجتمع ؛ بحيث يهيأ المجال لتقديم خدمات من طرف متدخلين من خارج المؤسسة وتقديم المساعدات من الممولين وإقامة علاقات تبادل واتصال في إطار شبكات وبنيات مرنة . كما يسمح للمؤسسة التعليمية بالتفاوض وإبرام اتفاقيات بينها وبين أطراف أخرى معترف بها ولها سلطة القرار .
الجديد إذن، هو أنه ومنذ أواسط الثمانينات ، بدأت الشراكة تبرز وتتسع لتشمل قطاعات من مجال التربية والتعليم والذي لم يكن قد عرف هذا النظام، مثل التعليم العمومي بالإعداديات و الثانويات في بعض الدول الأمريكية (ككندا والولايات المتحدة الأمريكية على وجه الخصوص) قبل أن ينتقل إلى العديد من الدول الأوروبية مثل إسبانيا وفرنسا(Lorcerie F. 1991 ).
ولعل أهم ما أتى به نظام الشراكة هو العمل على تحقيق مدرسة منسجمة مع محيطها. إن ما يفسر ظهور مصطلح شراكة هو التغيير في الرؤية لعلاقة المدرسة مع كل من كان يعتبر شريكا لها من قبل. لقد أصبح لهؤلاء الشركاء دور يلعبونه في إنجاز مهام وأهداف المصالح و الهيآت التربوية الوطنية .
وبصفة عامة عندما تطبق الشراكة في المجال التربوي ، فإنها تكون في الغالب بين مؤسستين أو أكثر، وتندرج في إطار مشاريع تطوير المؤسسات وتحديثها ، وتجنيد جميع الفاعلين ( الطلاب ، المدرسين، المهنيين ، الإدارة...) لتطوير العمل التربوي و تحديثه.
و يقتضي نظام الشراكة أن تحترم كل مؤسسة المؤسسات الأخرى المتعاونة، فيما يتعلق مثلا، بالتشريعات و اللوائح التنظيمية و باستعمالات الزمن والمقررات الدراسية وخبرة المدرسين و الهياكل التربوية الموجودة...(L.P.Jouvenet 1993).
كما تقتضي أن تقدم كل مؤسسة دعما للمؤسسات الأخرى ، كأن تضع رهن إشارتها مختلف الإمكانيات المادية والبشرية المتوفرة...
وأن تنفتح كل مؤسسة على الأخرى في اتجاه الانفتاح على المحيط الاقتصادي و الاجتماعي .
2- عوامل ظهور الشراكة في المجال التربوي
تضافرت العديد من العوامل وراء ظهور الشراكة التربوية على الصعيد العالمي، وهي في مجملها نفس العوامل التي شجعت بشكل عام، ظهور ما يعرف بمشروع المؤسسة كأداة للتطوير والتجديد التربوي في الأنظمة التعليمية. فارتبطت الشراكة التربوية فيها، بالعديد من التحولات السياسية والاجتماعية التي عايشتها في العقدين الأخيرين.
وتقدم دنيال زاي Danielle Zay ( 1994) تحليلا للتطور الموازي الذي حدث في المجتمعات الغربية، تستخلص فيه أهم السمات التي تفسر ظهور وتطور نظام الشراكة.
من هذه السمات على سبيل المثال، سياسة الإصلاح والتجديد التربوي في أمريكا و التي أوجدت الرغبة في التشارك داخل النظام المدرسي، بين هذا النظام وبين المؤسسات الاجتماعية الأخرى.
و من السمات البارزة كذلك، تحول المجتمعات الخاضعة للصناعة إلى مجتمعات تابعة للإعلام والاتصال والخدمات وتعاظم الوعي فيها، بأهمية "التبعية المتبادلة" بين مختلف القطاعات. وتضافر ذلك مع عوامل نظرية وعملية شجعت على خلق أنشطة للتعاون بين المؤسسات لحل المشاكل المشتركة، من مثل مشكلة الفشل المدرسي والانقطاع المبكر عن الدراسة وما يخلفه من آثار سيئة على الأفراد والجماعات.
كما ارتبطت الشراكة في المجال التربوي بالعديد من التحولات الأخرى سياسية واجتماعية وثقافية والتي شهدها العالم في العقود الأخيرة.
"فقد ارتبطت بالتحول الذي طرأ على العديد من الأنظمة التي مرت من فترة "الصراع الطبقي"، ذي التوجه الماركسي والذي ميز الستينات والسبعينات من قرننا الحالي (صراع الطبقات، صراع النقابات في مواجهة المقاولات...) إلى مجتمع التوافق والتعايش وتبادل المصالح، وحدث ذلك بموازاة مع أفول الشيوعية وتفكك الاتحاد السوفيتي وبداية انشتار النموذج الليبرالي خاصة الألماني في الثمانينات ". ( محمد ساسي 1995).
كما نشطت الشراكة في المجال التربوي بفعل ظهور "التوجه إلى المحلي" وبالأهمية المتعاظمة للأقاليم و المناطق والجهات الاقتصادية والمدن والتجمعات السكنية في الأحياء. الأمر الذي أتاح إمكانيات واسعة للمبادرة والاستقلال في اتخاذ القرار على كافة الأصعدة، بما فيها المؤسسات المدرسية والتي أصبحت في مستوى التفاوض و إبرام الاتفاقيات والدخول في علاقات تعاونية مع محيطها .
3 – أنماط الشراكة في التربية
على الرغم من حديثنا عن الشراكة التربوية بين المؤسسات التعليمية ، فإن مفهوم الشراكة في نظرنا، أوسع بكثير من أن نحصره ونصنفه في نوع واحد أي في الشراكة بين المؤسسات التعليمية. فهناك إمكانية الشراكة بين مؤسسات تعليمية وطنية ومنظمات دولية مثل اليونيسيف أو اليونسكو أو الأيسيسكو ، ومؤسسات البعثات التعليمية والمراكز الثقافية الأجنبية ...والتي تقدم مساعدات في إطار اتفاقيات التعاون الثنائي و كذلك هناك المراكز التابعة للبعثات العربية ... الخ. كل هذه المؤسسات لها إمكانيات مهمة يمكن أن توظف في مشاريع شراكة بينها وبين المؤسسات التعليمية الوطنية ، لهدف الرفع من مرودية التعليم ومن جودته، ولهدف تقديم الدعم لحل العديد من المشاكل التي تعاني منها المؤسسات، بما يعود بالنفع على جميع الأطراف .
بالإضافة إلى ذلك، يمكننا أن نتحدث عن أنماط أخرى من الشراكة، وهي الشراكة التي قد تتم بين مؤسسات تعليمية وأخرى غير تعليمية أو هيئات من مختلف المجالات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية. كأن تعقد شراكة بين مؤسسة تعليمية وبين مكتب وطني ( مثل المكتب الوطني للماء و الكهرباء أو المكتب الوطني للغاز ...) أو مقاولة للخواص أو مؤسسة حرة مثل البنك أو جمعية ثقافية أو مهنية أو رياضية...
وبصفة عامة وانطلاقا من هذه الملاحظات التي تؤكد غنى مفهوم الشراكة وتعدد أنماطها في المجال التربوي يمكننا أن نتحدث عن نمطين للشراكة وذلك إما :
1ـ حسب المجال الذي تصيبه،
2ـ أو حسب الأطراف المشاركة،
1 ـ بالنسبة للنمط الأول تتحدد فيه الشراكة حسب المجال الذي تغطيه أي حسب الميدان الذي تندرج ضمنه، فتكون في هذه الحالة الشراكة إما :
ـ شراكة ثقافية، أي التي تصيب الميدان الثقافي مثل إنتاج أو إنشاء معمل للتطبيقات الفنية والإبداعية والنشاط المسرحي وغيره،
ـ أو شراكة اجتماعية وهي التي تمس المجال الاجتماعي ويكون الموضوع الأساسي لالتقاء الشركاء ذي طبيعة اجتماعية. ويخدم أهدافا اجتماعية داخل المؤسسة لصالح الطلاب أو المدرسين، وقد تتفاعل المؤسسة في هذا النوع مع مؤسسات اجتماعية مختلفة لخدمة بعض الفئات الخاصة في المجتمع مثل الأميين .
ـ أو شراكة اقتصادية والتي يمكن أن تتم بين المؤسسات التعليمية وبين المقاولات على مختلف أصنافها وأحجامها.
2 ـ النمط الثاني من الشراكة يمكن أن يتحدد حسب نوع الشركاء، أي بطبيعة وخصوصية الأطراف المتعاونة في الشراكة، وفي هذه الحالة يمكننا الحديث عن شراكة داخلية أي التي تتم داخل المؤسسة الواحدة وتكون الأطراف متواجدة في المؤسسة ولهم علاقة مباشرة بسيرها العادي والطبيعي
وهناك شراكة خارجية ففي هذه الحالة يمكن أن تكون الشراكة بين المدارس و كليات التربية وبين الكليات والمعاهد العليا و مراكز التدريب في الجامعات أو المراكز التربوية التابعة لوزارة التعليم العالي أو جامعة السلطان قابوس أو لبعض الجامعات الخاصة مثل جامعة صحار وغيرها.
وقد يستدعي هذا النمط من الشراكة متدخلين من خارج المؤسسة التعليمية ، يساعدون على إتمام و إغناء برنامج تربوي موجود و محدد سلفا .كما قد يستدعي تحويل الطلاب من مجالهم الطبيعي إلى مجال آخر ، مثلما يحدث في التداريب في المقاولات و الزيارات المنظمة لمؤسسات صناعية أو منشآت للخدمات الاجتماعية أو مثلما يحدث حاليا في برامج التربية العملية المشتركة بين كليات التربية و المدارس.
* * *
ملخص هذا، أن مفهوم الشراكة في المجال التربوي، مفهوم غني ، يقدم إمكانيات متعددة تفتح أمام مدارس التعليم الأساسي و الثانويات و الكليات والنظام التربوي برمته، آفاقا واسعة، مما يعطي لمفهوم المنهاج الواسع و الشامل بعده الحقيقي ولمفاهيم الاندماج والتواصل و التفتح والتكامل مع المحيط ، أبعادها العميقة.
4 - أهداف و مجالات تدخل نظام الشراكة التربوية
ما هي الأهداف التربوية التي يمكن أن تتحقق في إطار مشاريع الشراكة بين كليات التربية والمؤسسات التعليمية بشكل عام و غيرها من مؤسسات المجتمع ؟ وما هي المجالات التي يمكن أن تشكل موضوعا للتعاون بينها ؟
إن الجواب عن هذا السؤال يعني وضع أساس آخر أو معيار جديد من معايير تنميط أنواع الشراكة التربوية. وهو معيار الأهداف التربوية التي يمكن تحقيقها، سواء لفائدة الطلاب أو المدرسين أو لصالح مؤسساتهم أو مجتمعهم بشكل عام. وفي هذه الحالة ستتعدد الشراكة بتعدد الأهداف المتوخاة وستتنوع بتنوع المجالات التي سيشملها النشاط التشاركي.
وسنعمل في الفقرات اللاحقة على استعراض أمثلة عن أهداف تربوية يمكن أن تصاغ لمشاريع الشراكة، على أن نربطها بالمستوى الدراسي (المرحلة التعليمية ) الملائم. ونقدم، في الوقت ذاته، أمثلة ونماذج من أنشطة ومجالات يمكن أن تتبلور بفضلها تلك الأهداف.
مرحلة التعليم الأساسي
يعمل التعليم الأساسي بسلكيه ( الحلقة الأولى و الحلقة الثانية ) وبشكل عام، على تحقيق العديد من الأهداف التربوية والتي يمكن أن تعاد صياغتها في مشاريع الشراكة التربوية ، نذكر منها على سبيل المثال في مجال العلوم :
ـ جعل التلاميذ عنصرا للتطور والنماء، قادرين على استيعاب العلوم والتكنولوجيات الحديثة وتوظيفها (الإعلاميات، المجال السمعي البصري...) متشبعين بالروح العلمية وبمنهجية البحث العلمي والتفكير الموضوعي (إجراء تجارب علمية في المختبرات، إعداد وثائق وملفات في مواضيع علمية، المشاركة في أولمبياد الرياضيات وغيرها من المواد...) .
ـ و في هذا السياق وتحقيقا لما ينشده تدريس العلوم من اندماج وثيق بين الجانب النظري والجانب العملي ، فإن الكليات في إطار الشراكة، يمكن أن تتجهز بالأدوات والوسائل التعليمية الكافية وتجهز المختبرات و تزودها بالعدد الكافي من المحضرين وتجهز الخزانات ومراكز مصادر التعلم بالكتب و المجلات المتخصصة ...
ـ وضمانا لاستفادة التلاميذ من برامج المواد العلمية بشكل أوسع ومندمج فإن الشراكة يمكن أن تغطي مجال الإعلام (البرامج والوثائق والأشرطة العلمية التي تقدمها الإذاعة و التلفزة والصحف والمجلات الوطنية ودور النشر والتوزيع وشبكات الانترنيت ...) وفي هذه الحالة يمكن أن يتجه نشاط التشارك لمؤسسات التعليم العالي إلى تلك الجهات الإعلامية لتعميق التعاون بينها جميعا ، لإعداد البرامج المناسبة واختيار الأشرطة والوثائق والعمل على إعداد بعضها بمشاركة الطلاب وأعضاء هيئة التدريس وعقد ندوات على هامش ذلك.
و في مجال الاجتماعيات نستشهد بالأمثلة التالية :
ـ يمكن لأنشطة الشراكة ، أن تعمل على مساعدة التلاميذ على إدراك العديد من المفاهيم من مثل مفهوم مجالي الزمان والمكان، و مساعدتهم بالتالي على فهم واستيعاب الظواهر الاجتماعية والثقافية والعلمية والتقنية. فتتضمن تلك الأنشطة عروضا في التاريخ والجغرافيا للمدينة أو للمنطقة وتنظيم خرجات(رحلات) وزيارة المتاحف وإعداد ملفات و تنظيم معارض ...
ـ كما يمكن أن تعمل تلك الأنشطة على إكساب المتعلمين القدرة على التفتح على الحضارات والثقافات الأخرى و التفاعل والاندماج مع العالم الخارجي (المحيط الاجتماعي والطبيعي) وتوعيتهم بضرورة حماية البيئة (احترام قوانين الحياة وقواعد الصحة والسلامة وحماية البيئة ومواجهة الحوادث والكوارث، التعرف على الإمكانيات المادية والطبيعية في محيط المؤسسة، دراسات جيولوجية، دراسة أشجار ونباتات و حيوانات المنطقة... دراسة الحي بما فيه من سكن ومرافق إدارية ومهنية وصحية غيرها...).
مثال عن مشروع للشراكة التربوية في هذه المرحلة :
مشروع المكتبة المتنقلة :
ضمن برامج التعاون و الشراكة مع القطاع الخاص لدعم مسيرة النهضة العمانية في مجال التعليم ، تقدم بنك HSBC في إطار برامج دائرة تقنيات التعليم بمنطقة جنوب الباطنة ، بتمويل مشروع المكتبة المتنقلة ، المتضمن تجهيز حافلتين و تزويدهما بالكتب و المواد ومصادر المعلومات المتنوعة و الأجهزة المناسبة .
أهداف المشروع :
يهدف هذا المشروع إلى :
توفير مصادر المعلومات المتنوعة للمدارس التي لا توجد بها مكتبات مدرسية و هي في الغالب مدارس في المرحلة الإعدادية ، بحيث يتكامل المشروع مع مشروع القارئ الصغير و الذي يتوقع أن يلبي احتياجات تلاميذ مدارس المرحلة الابتدائية أيضا ، بحيث تمتد خدمات المكتبات و المعلومات إلى معظم تلاميذ و معلمي المنطقة ، وتحفيزهم على القراءة و البحث و تطوير مهاراتهم و تشجيع التعلم الذاتي و تدعيم المناهج الدراسية إلى جانب تحقيق بعض أهداف التربية المكتبية المتمثلة في إكساب التلاميذ مهارات التعامل مع المعلومات ومصادرها .
خطوات التنفيذ :
انطلق هذا المشروع منذ بداية العام الدراسي 2002-2003 ، و تضمنت خطوات التنفيذ قيام البنك بإعداد السيارتين و فق المواصفات التي حددتها دائرة تقنيات التعليم ، كما قامت الدائرة باختيار مصادر المعلومات و تحديد مواصفات الأجهزة بالسيارتين و تم إعداد الكتب للتداول .
كما تم تدريب أمناء المكتبات على إدارة المكتبتين .
و من الخدمات و الأنشطة التي قدمتها المكتبة المتنقلة ، خدمات الإعارة للتلاميذ و المعلمين ، و خدمات ثقافية و إعلامية مثل الندوات و العروض التعليمية و الترفيهية باستخدام التلفزيون و الفيديو و المسابقات و المساهمات في الصحافة و الإذاعة المدرسية و النشاط الموجه مثل التلخيص ، مناقشة مواضيع الساعة ، التعبير الحر ، استخدام الحاسوب...
المرجع الميداني
تبين المرجع الميداني لزيارات المكتبة المتنقلة في منطقة جنوب الباطنة ، الإقبال الكبير على المكتبة و الحرص على الاستفادة منها من خلال تقرير المنطقة .و قد لاقت المكتبة ترحيبا شديدا و إقبالا من التلاميذ و المعلمين و أولياء الأمور .("دائرة تقنيات التعليم ،ماذا تقدم لتحقيق التطور المعرفي ؟ تقرير حسن أحمد جعبوب ، جريدة عمان ، عدد 19مارس 2003 ،مسقط )
مرحلة التعليم الثانوي :
سيكون من الصعب في هذه العجالة ضبط الأهداف وإحصاء مجالات التدخل الممكنة في هذه المرحلة و في إطار الشراكة التربوية. لكن وعلى الرغم من ذلك، يمكن تقديم بعض الأهداف وبعض الأنشطة التعليمية، على سبيل المثال ، والتي يمكن أن تشكل قاعدة مشتركة ومنطلقا للتعاون بين الثانويات وبينها وبين مؤسسات تكوين الأطر أو المنظمات والمقاولات والجمعيات من خارج مجال التعليم .
ومن الأهداف الممكن تحقيقها في ارتباطها بمشاريع الشراكة ، نذكر على سبيل المثال :
ـ اعتبارا لما نطمح إليه من مواكبة التقدم العلمي والتكنولوجي فلا بد من إيلاء تدريس الإعلاميات العناية الكافية. وفي هذا الإطار يمكن لأنشطة الشراكة التربوية أن تسهل إدخال استعمال الآلات الحاسبة في البرامج التعليمية، كخطوة أساسية للانفتاح على الإعلاميات وبرامجها والتي تعتبر وسيلة جديدة للتواصل.
ـ ونظرا لأهمية التوثيق والإعلام فإن نظام الشراكة يمكن أن يعمل على توفير (أو تطوير) مراكز مصادر التعلم و الخزانات داخل كل مؤسسة. وتكون على اتصال وثيق ببقية المراكز داخل المنطقة الواحدة أو على الصعيد الوطني، ويكون من أبرز أهدافها :
ـ تنظيم الخزانة المدرسية بأسلوب علمي يسمح بتوسيع استغلالها ليشمل الآباء وسكان الحي. فتتحقق بذلك فكرة "الخزانة ذات البابين" خصوصا في الوسط القروي ، مما يعمل على نشر إشعاع ثقافي في هذا الوسط. وتزويد مركز مصادر التعلم بالوثائق (الكتب والمجلات...) والأدوات والحواسب وآلات الاستنساخ والوسائل السمعية البصرية.
ولبلوغ تلك الأهداف يمكن أن تعمل مشاريع الشراكة على دعم العملية التوثيقية بأطر إعلامية مقتدرة، تلقت تكوينا كافيا وفي هذه الحالة يمكننا أن نقترح دخول الثانويات في علاقة شراكة مع مؤسسات إعلامية مختصة مثل معاهد علوم الإعلام و الصحافة و مراكز التوثيق و دور النشر و دور الإذاعة و التلفزة أو بعض الجرائد والمجلات الوطنية ...
ـ المساهمة في تكوين المدرسين على تقنيات التوثيق والإعلام وعلى أساليب البحث العلمي و التربوي بشكل عام، سواء في ارتباطهم بمهنة التعليم أو بالنسبة لتكوينهم الخاص.
ـ تعويد المدرسين والطلاب على لغة المعلوميات واستعمال الحاسوب سواء في نشاط التوثيق والإعلام أو في النشاط التعليمي بشكل عام.
ـ تسهيل إدخال السعمي ـ البصري إلى المدرسة وإلى الأقسام والمساهمة بالتعاون مع مؤسسات مختصة (مثل دور الإذاعة و التلفزة أو المراكز السينمائية ...) في تكوين المدرسين و الطلاب على إنتاج السمعي ـ البصري واستعماله.
ـ تطوير بعض الممارسات الخاصة بالتواصل والإعلام، مثل إعداد صحيفة القسم، وصحيفة المؤسسة ( المجلة الحائطية ) أو صحيفة المواد...
مثال عن مشروع للشراكة على مستوى التعليم الثانوي :
انطلق مشروع الشراكة هذا سنة 1995 بين ثانوية الحسن الثاني وثانوية عمر الخيام بالرباط بالمملكة المغربية ، من جهة والمعهد التقني انطونيو زانون A. Zanon بمدينة أودين Udine الإيطالية، بمبادرة من مجموعة عمل مختلطة تضم أساتذة من هذه المؤسسات بالإضافة إلى مديرة ثانوية عمر الخيام ومدير ثانوية الحسن الثاني بالرباط (منسق المجموعة) والأستاذة طامبورليني مدرسة اللغة الإيطالية.
أهداف المشروع:
نشأت فكرة المشروع من الطلاب أنفسهم والذين أقاموا علاقات صداقة وتواصل بفضل المراسلة بينهم وبين زملائهم في المؤسسات الأخرى (خلال السنة الدراسية 93/1994). فكان أهم أهدافه التعارف والتواصل "تعرف الطرف الآخر على ثقافتنا، وتعرفنا بدورنا على حضارته، بغية تواصل حقيقي وسليم مبني على احترام مقومات حضارة كلا المجتمعين وبث روح الصداقة والتسامح والسلم."
إن هذا المشروع (مشروع التواصل الحضاري والتبادل الثقافي) هو مشروع تربوي تعليمي بالأساس يسعى فضلا على الرفع من مستوى الطلاب في اللغات الأجنبية خاصة الإيطالية والتعارف المباشر بفضل تبادل الزيارات، على المعالم الحضارية وعلى المكونات الاجتماعية في البلدان الأخرى، إلى ترسيخ قيم التسامح والصداقة والتفاهم بين التلاميذ من جنسيات مختلفة مما يخدم قضايا التنمية والسلام.
خطوات إنجاز المشروع :
الخطوة الأولى: لعل أهم نشاط تم إنجازه في إطار هذه الشراكة هو تبادل الزيارات بين مجموعات من الطلاب المغاربة والإيطاليين من المؤسسات المشتركة في المشروع. ومن خلال هذه الزيارات تم تنظيم العديد من الأنشطة العلمية والفنية والرياضية والثقافية بشكل عام.
وكان أول نشاط أنجز فعلا هو زيارة مجموعة من طلاب معهد زانون (19 طالباً) للمغرب، حيث استفادوا لمدة 13 يوما من برنامج ثقافي وتربوي مكثف .
يتبع..
- التفاصيل
- كتب بواسطة: موسى السويداء
- الزيارات: 6
ترجمة
أبي الطيب الرُّندي
صاحب مرثية الأندلس
المتوفى سنة (684 ) هـ
موسى بن سليمان السويداء
أبو الطيب الرُّندي :
هو شاعر الأندلس وأديبها في زمانه ، وصاحب مرثيتها المشهورة ، صالح بن يزيد بن صالح بن موسى بن أبي القاسم بن على بن شريف النِّفري الرُّندي ، نسبةً إلى رُنْدَة بضم الراء وسكون النون وفتح الدال(1) إحدى مدن الأندلس الواقعة في الجزء الجنوبي من الأندلس – أسبانيا اليوم – .
وأما عن كنبته فقد أُختلف فيها فعند لسان الدين بن الخطيب في كتابه " الإحاطة في أخبار غرناطة " أبو الطيب ، وعند المُقرّي في " نفح الطيب " (2) أبو البقاء وبها اشتهر ، إلاَّ أن الأرجح والصحيح أن كنيته " أبو الطيب " لقُرب زمان لسان الدين بن الخطيب منه ، وذلك أن أبي الطيب من وفيات سنة ( 684 هـ ) ، ولسان الدين من وفيات سنة ( 776 هـ) ، كذلك المصادر التي نقل منها لسان الدين قريبة من عصر الرندي ، كما أنه لم يُشير إلى خلاف في كنيته خلال ما نقل ، حتى قال في أخر ترجمته : " نقلت من خط صاحبنا الفقيه المؤرخ أبي الحسن بن الحسن قال : أنشدني القاضي الفاضل أبو الحجاج يوسف بن موسى بن سليمان المنتشافري ، قال : أنشدني القاضي الفاضل أبو القاسم ابن الوزير أبي الحجاج ابن الحُقالة ، قال : أنشدني الأديب أبو الطيب صالح بن أبي خالد يزيد بن صالح بن شريف الرُّندي ... الخ " وهذا دليل قوي على شهرته بأبي الطيب ، وليس بأبي البقاء كما ذكر المُقرَّي والله أعلم .
قال ابن الخطيب في كتابه " الإحاطة في أخبار غرناطة " : " إن مولده في محرم سنة إحدى وستمائة " ونقل عن ابن عبد الملك المُراكشي انه قال : " كان خاتمة الأدباء بالأندلس بارع التصرف في منظوم الكلام ومنثوره ، فقيهاً حافظاً ، فرضياً ، متقنناً في معارف شتى ، نبيل القصد متواضعاً مقتصداً في أحواله ، وله مقامات بديعة في أغراض شتى " ثم نقل عن ابن الزبير قوله : " وكان في الجملة معدوداً في أهل الخير وذوي الفضل ، والدين تكرر لقائي إياه ، ولقد أقام بمالقة(3) أشهراً أيام إقرائي ، وكان لا يفارق مجلس إقرائي ، وأنشدني كثيراً من شعره .. " وقيل انه تولى القضاء ، ويبدو انه على المذهب المالكي مذهب أهل بلده وهو المشهور بالأندلس ، وبلاد المغرب(4) .
مؤلفاته :
وأما مؤلفاته فكان - رحمه الله – له مشاركة في التأليف وإن كانت قليلة ، ولعل سبب ذلك اشتغاله بالقضاء . ذكر ابن الخطيب أنه ألف " جزءاً على حديث جبريل " ، وتصنيفاً في الفرائض وأعمالها ، وآخر في العروض ، وآخر في صنعة الشعر سماه " الوافي في علم القوافي " وله كتاب كبير سماه " روضة الأندلس ونزهة النفس " نقل منه ابن الخطيب في الإِحاطة عدة أوراق(5).
شعره :
وأما شعره فكان أبو الطيب من أفاضل العلماء بالأندلس ، ومن شعرائها له قصائد طنانة ونظم رائق في وصف العقل ، و البحر ، وغير ذلك تدل على رفيع أدبه ، وجزالة شعره منها قوله في وصف الجيش ، وأبطال المسلمين ، وذل الكفر ، والكافرين :
وكتيبة بالدَّارعين كثيفة * * * جرَّت ذيول الجحفل الجرار
روضُ المنايا بينها القُضُب التي * * * زُفَّت بها الرَّايات كالأَزهار
فيها الكُماة بنو الكُماة كأَنهم * * * أُسد الشَّرى بين القنا الخَطّار
مُتهلِّلين لدى اللِّقاء كأَنهم * * * خُلِقت وجوههم من الأَقمار
من كلِّ ليثٍ فوق برقٍ * * * خاطف بيمينه قدرٌ من الأَقدار
من كلِّ ماضٍ قد تقلَّد مثله * * * فيصُيبَّ آجالاً على الأَعمار
لبسوا القلوب على الدروع * * * وأَسرعـوا لأكفِّهم ناراً لأهل النار
وتقدموا ولهم على أعدائهم * * * حُنقُ العِدا وحميَّةُ الأنصار
فارتاع ناقوس بخلع لِسانه * * * وبكى الصَّليب لِذلَّة الكفار
ثم انثنوا عنه وعن عُبّادهِ * * * وقد اْصبحوا خبراً من الأخبار
وله شعر جميل في وصف العقل ، والغربة في ثلاثة أبيات :
ما أحسن العقل وآثاره * * * لو لازم الإنسان إيثارهُ
يصون بالعقل الفتى نفسه * * * كما يصون الحر أسرارهُ
لاسيما إن كان في غُربةٍ * * * يحتاج أن يُعرف مقدارُه
وله في وصف البحر ، والأنهار ، وما في معنى ذلك قوله :
البحر أعظم مما أنت تحسبه * * * من لم ير البحر يوماً ما رأى عجبا
طام له حَبَبٌ طاف على زورقٍ * * * مثل السماء إذا ما ملئت شُهُبا
وله في المحاكمة بين السيف ، والقلم وهما مما اختلف بينهما الأُدباء قديماً ، ويبدو من خلال أبياته انه يرجح التساوي فقال :
تفاخر السيف فيما قيل والقلم * * * والفضل بينهم لاشك منفهمُ
كلاهما شرَّف الله درَّهُما * * * وحبَّذا الخُطّتان الحُكم والحَكمُ
وله أيضاً في وصف الريحان :
وأخضر فستقي اللون غضٌّ * * * يروق بحسن منظره العُيونا
أغار على الترنج وقد حكاه * * * وزاد على اسمه ألفاً ونونا
وله في وصف ثمرة الرمان :
لله رمانةٌ قد راق منظرها * * * فمِثلُها ببديع الحسن منعُوتُ
القشر حق لها قد ضمَّ داخلها * * * والشحم قطنٌ والحب ياقوتُ
وقال يصف الجزر في بيت واحد :
إن قلت قصبٌ فقل قصب بلا * * * زهر أو قلتُ شمعٌ فقل شمع بلا لهب
وقال في أخوة السوء ، والصحبة المزيفة التي تتلاشى عند الحاجة ولا تدوم عند النائبات ، - وهذا حال الحب في غير الله - :
ليس الأُخوةٍ باللسان أُخُوَّة * * * فإذا تُراد أخوَّتي لا تنفعُ
لا أنت في الدنيا تُفرج كربة * * * عنِّي ولا يوم القيامة تشفعُ
وله في نفس المعنى أيضاً يصور حقيقة الصديق حينما يُختبر في المعاملة المالية التي سوف تكشف حقيقة أمره :
ولقد عرفت الدهر حين خبرتهُ * * * وبلوت بالحاجات أهل زماني
فإذا الأخوة باللسان كثيرةٌ * * * وإذا الدَّراهم مَيلقَ الإخوانِ(6)
المرثيته :
لا شك أن مرثية أبي الطيب في الأندلس من أجمل ما قيل في رثاء بلاد المسلمين ، وهي في الحقيقة لا تعني فقط الأندلس بعينها - وإن كانت أبياتها تذكر معالم الأندلس – ، بل تعني كل بلد من بلاد المسلمين سُلبت من بين أيدي أهلها ، كما حدث لكثير من البلاد الإسلامية التي استولى عليها النصارى ، مثل جزيرة صقلية(7) التي فتحت في أيام الدولة العباسية ، على يد القاضي أسد بن الفرات – رحمه الله - سنة ( 212 هـ ) ، وبقي الإسلام فيها مدة إلى أن تغلب النصارى عليها ، أو البلاد التي كانت تحت حكم الدولة العثمانية أيام خلافتها مثل دول البلقان وما جاورها ، وغيرها من جزر بحر إيجة(8) ، وكل هذا حصل لما غيّر الناس وبدلوا في دين الله بأهوائهم ، واشتغلوا بالملذات ، وللهو وهذا أيضاً ما قالهُ واعترف به ابن الكموني أبو الحسن علي بن عبد الجبار الكاتب ، في سبب فقدان صقلية حينما رثاها - فحال أهل صقلية لا يقل عن حال أهل الأندلس - :
قد كانت الدار وكنا بها * * * في ظل عيش ناعم رطبِ
مدّ عليها الأمن أستارهُ * * * فسار ذكرها مع الركبِ
لم يشكروا نعمة ما خُوِّلُوا * * * فبُدِّلُوا المِلح من العذبِ(9)
وصدق الله تعالى القائل : { إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بانفسهم }[ الرعد / 11 ] .
والمتأمل لقصيدة أبي الطيب الرندي يتضح له أنها قصيدة ملحمية تمثل المرحلة التاريخية التي عاشها أهل الأندلس خير تمثيل ، وإن كان في الحقيقة سقوط الأندلس ، خبرها مدوياً في الأمة الإسلامية ومزعجاً ، فهي التي كانت تنتظر نصراً موزراً ، وفتحاً مبيناً إذا بها تتجرع كأس الهزيمة ، وفقد الأندلس بعد أن بقي الإسلام فيها قرون طويلة منذ أن فُتحت على يد طارق بن زياد ، وموسى بن نصير - رحمهم الله - سنة ( 92 هـ ) إلى أن حل بها ما حل .
ولكن الأمة - بحمد الله وتوفيقه - أبت إلاَّ أن يكون لها نصيب في أوروبا النصرانية ، فقبل أن يفقد المسلمون الأندلس في غرب أوروبا سنة ( 897 هـ ) كان العثمانيون قد فتحوا القسطنطينية في الجهة الشرقية من أوروبا سنة ( 857 هـ ) ، وبدئوا يتوغلون فيها حتى استولوا على مساحة كبيرة من الأراضي قد تكون أكبر من حجم الأندلس ، بثوا فيها الإسلام الذي بشر به وبنبيه المسيح - عليه السلام – , بين هؤلاء النصارى المشركين .
ومن أجل أن لا نبعد عن موضوع النونية , فللأسف الشديد من خلال تتبعنا لترجمة أبي الطيب ، لم نجد ذكر للمرثية سوى في " نفح الطيب " فقط ، والغريب أن لسان الدين بن الخطيب ذكر كثيراً من أشعار الرندي ، وترجم له في " الإحاطة " بترجمة مطولة ، ولم يذكر النونية فما ندري ما سبب ذلك ! .
ولم يبقى الآن إلا أن نستعرض أبيات المرثية ونبقى مع الرندي في نونيته فيقول :
لكل شيء إذا ماتم نقصانُ * * * فلا يُغرُّ بطِيب العـيشِ إنسـانُ
هي الأمور كما شاهدتها دولٌ * * * من سره زمن ساءتهُ أزمــانُ
وهذه الدار لا تُبقي على أحد * * * ولا يدوم على حالٍ لهـا شــانُ
تُمزق الدهر حتماً كل سابغةٍ * * * إذا نبت مشرفيـّاتٌ وخُرصـانُ
وينتضي كلّ سيف للفناء ولوْ * * * كان ابن ذي يزَن والغمدَ غمدانُ
أين الملوك ذوي التيجانِ من يمنٍ * * * وأين منهم أكليــلٌ وتيجانُ ؟
وأين ما شادهُ شدادُ في إرمٍ * * * وأين ما ساسهُ في الفُـرسِ ساسانُ ؟
وأين ما حازه قارُونُ من ذهبٍ * * * وأين عادٌ وشـدادٌ وقحطـانُ ؟
أتى على الكُلِّ أمرٍ لا مردّ َلهُ * * * حتى قضوا فكأنَّ القوم ما كانُـوا
وصار ما كان من مُلكٍ ومن مَلكٍِِِ * * *كما حكى عن خيالِ الطّيفِ وسنانُ
دارَ الزّمانُ على دارا وقاتلـهِ * * * وأمَّ كسـرى فمـا آواه إيـوانُ
كأنما الصعبُ لم يسهُل لهُ سببُ * * * يوماً ولا مَلكَ الدُّنيـا سُليمـانُ
فجائعُ الدَّهر أنـواعٌ مُنوَّعـةٌ * * * ولِلزمـانِ مسـرَّاتٌ وأحــزانُ
وللحوادثِ سلـوَانٌ يُسهلُهـا * * * وما لما حـلَّ بالإسـلام سُلـوانُ
دهى الجزيرة أمرٌ لا عزاء له * * * هوى لـه أُحدٌ وأنهد ثهـلانُ(10)
أصابها العينُ في الإسلام فارتَزأت * * * حتى خلَت منه أقطار وبُلـدانُ
فأسأل بلنسية ما شأنُ مُرسيةً * * * وأيـن شاطبـة أم أيـن جيـَّـانُ
وأين قرطبةٌ دار العلوم فكـم * * * من عالـمٍ قد سمـا فيها له شـانُ
وأين حمصُ(11)وما تحويه من نزهٍ * * * ونهرهُا العذبُ فياضٌ وملآنُ
قواعدٌ كنَّ أركان البلاد فمـا * * * عسى البقاءُ إذا لـم تبـق أركـانُ
تبكي الحنفية البيضاء من أسفٍ * * * كما بكى لفراق الإلـف هيمـانُ
على ديار من الإسلام خاليـة * * * قد أقفرت ولها بالكفـر عُمـرانُ
حيث المساجد قد صارت كنائس ما * * * فيهنَّ إلا نواقيـسٌ و صلبانُ
حتى المحاريبُ تبكي وهي جامدةٌ * * * حتى المنابرُ تبكي وهي عيدانُ
يا غافلاً وله في الدهر موعضةٌ * * * إن كنت في سِنةٍ فالدهرُ يقضانُ
وماشياً مرحاً يلهيـه موطنـهُ * * * أبعد حمصٍ تغرُّ المـرء أوطـانُ
تلك المصيبةُ أنستْ ما تقدمهـا * * * وما لها من طول الدهرِ نسيـانُ
يا راكبين عِتاق الخيل ضامرةً * * * كأنها في مجال السبـقِ عقبـانُ
وحاملين سيُوف الهندِ مرهفـةُ * * * كأنها في ظلام النقـع نيـرانُ
وراتعين وراء البحر في دعـةٍ * * * لهم بأوطانهم عـزٌّ وسلطـانُ
أعندكم نبأ من أهل أندلـسٍ * * * فقد سرى بحديثِ القوم رُكبـانُ ؟
كم يستغيث بنا المستضعفون وهم * * * قتلى وأسرى فما يهتز إنسانُ ؟
ماذا التقاطع في الإسلام بينكمُ * * * وأنتم يا عبـاد اللـه إخـوانُ ؟
ألا نفوسٌ أبياتٌ لهـا هِــممٌ * * * أما على الخيرِ أنصارٌ وأعـوانُ
يا من لذلة قومٍ بعد عزِّهــمُ * * * أحـال حالهـمْ جـورُ وطُغيانُ
بالأمس كانوا ملوكاً في منازلهم * * * واليوم هم في بلاد الكفرِّ عبدانُ !
فلو تراهم حيارى لا دليل لهـمْ * * * عليهمُ من ثيابِ الـذلِ ألـوانُ
يا ربَّ أمّ وطفل حيل بينهمـا * * * كمـا تفـرقَ أرواحٌ وأبـدانُ
وطفلةً مثل حسنِ الشمسِ إذ طلعت * * * كأنما هي ياقوتٌ ومرجانُ
يقودها العِلجُ(12)للمكروه مُكرهةً * * * والعينُ باكيةُ والقلب حيرانُ
لمثل هذا يذوب القلبُ من كمدٍ * * * إن كان في القلبِ إسلامٌ وإيمانُ(13)
قال المقري : " انتهت القصيدة الفريدة ويوجد بأيدي الناس زيادات فيها ذكر غرناطة ، وبسطة(14) ، وغيرهما مما أخد من البلاد بعد موت صالح بن شريف ، وما اعتمدته منها نقلته من خط من يوثق به على ما كتبته ، ومن له أدنى ذوق علم أن ما يزيدون فيها من الأبيات ليست تقاربها في البلاغة ، وغالب ظني أن تلك الزيادة لما أخذت غرناطة وجميع بلاد الأندلس ، إذ كان أهلها يستنهضون هِمم الملوك بالمشرق ، والمغرب فكأن بعضهم لما أعجبته قصيدة صالح بن شريف زاد فيها تلك الزيادات "(15) .
توفي أبو الطيب الرُّندي – رحمه الله - سنة أربع وثمانين وستمائة ( 684) للهجرة النبوية الشريفة .
هذا ما تيسر جمعه من سيرة أبي الطيب الرُندي ، وصلى الله على نبينا محمد
وعلى آله وصحبه وسلم .
-------------
1/ هكذا ضبطها القلقشندي في صبح الأعشى 5/ 220 .
2/ نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب 4/488 .
3/ مالقة : بفتح اللام والقاف كلمة أعجمية مدينة بالأندلس عامرة من أعمال رية سورها على شاطىء البحر بين الجزيرة الخضراء والمرية وقد نسب إليها جماعة من أهل العلم منهم عزيز بن محمد اللخمي المالقي وسليمان المعافري المالقي . معجم البلدان 5 /45 .
4/ لم تذكر المصادر التي رجعنا إليه أن أبي الطيب تولى القضاء ولكن محقق الإحاطة الأستاذ محمد عبد الله عنان ذكر أنه ظهر له ذلك بعد مطالعة مؤلفات الرندي المخطوطة . الإحاطة في أخبار غرناطة 3/ 360 .
5/ الإحاطة في أخبار غرناطة 3/ 360 .
6/ ومَيلقَ : امَّلَسَ كانملق ومنِّي أُفلِت . القاموس المحيط , الفيروزابادي .
7/ صقلية : جزيرة كبيرة قريبه لرأس الحذاء الإيطالية وهي تابعة لها اليوم ، خرج منها الإسلام بالكلية سنة (484 هـ ) بعد أن كانت كل الجزيرة بيد المسلمين ، وفيها مساجد ومعالم حضارية من أثار المسلمين تدل على ما وصل إليه المسلمين في العمارة الإسلامية التي تقارب الحضارة الأندلسية .
8/ بحر إيجه : جزء من البحر الأبيض المتوسط تحيط به تركيا واليونان وهو الممر إلى بحر مرمرة ومضيق البوسفور . به جزر كثيرة كانت تحت الحكم العثماني وهي اليوم اغلبها تابعة لليونان . راجع على سبيل المثال " تاريخ الدولة العلية العثمانية " لمحمد فريد بك .
9/ الدرة الخطيرة في شعراء أهل الجزيرة , لابن القطاع الصقلي , ص 118 .
10/ أحد : الجبل المعروف بالمدينة ، وثهلان جبل قال عنه البكري في معجم مستعجم ج1 ص347 : هو جبل باليمن ( إلى أن قال ) ولضخم هذا الجبل تضرب به العرب المثل في الثِقل . والشاعر في هذا البيت يصور عِظم المصيبة على المسلمين بهذا الحدث .
11/ حِمص هذه غير حمص الشام . قال ياقوت الحموي : وحمص أيضاً بالأندلس وهم يسمون مدينة اشبيلية حمص وذلك أن بني أمية لما حلوا بالأندلس وملكوها سموا عدة مدن بها بأسماء مدن الشام ، وقال ابن بسام دخل جند من جنود حمص إلى الأندلس فسكنوا اشبيلية فسميت بهم . معجم البلدان كلمة " حمص " 3/ 182 .
12/ العِلجُ : بوزن العِجْل , الواحد من كفار العَجَم والجمع عُلُجٌ وأعلاج . مختار الصحاح .
13/ نفح الطيب 4/ 487 .
14/ بسطة : مدينة بالأندلس من أعمال جيَّان ينسب إليها المصلّيات البَسطية ، وهي كثيرة الزرع واختصت بالزعفران ، فيها منه ما يكفي أهل الملة الإسلامية بالأندلس على كثرة ما يستعملونه منه . معجم البلدان 2/334 , وصبح الأعشى 5/ 221 .
15/ نفح الطيب 4/ 488 .
- التفاصيل
-
كتب بواسطة:
- الزيارات: 6
Generic viagra online generic viagra http://www.neoseeker.com/members/profiles/LOWEST_VIAGRA_PRICE/ [url=http://www.neoseeker.com/members/profiles/LOWEST_VIAGRA_PRICE/]generic viagra[/url]
- التفاصيل
-
كتب بواسطة:
- الزيارات: 6
Cheap viagra online cheap viagra http://www.authorcontent.com/story.php?title=THE_LOWEST_VIAGRA_PRICE_GUARANTEED-_Buy_Viagra_Online [url=http://www.authorcontent.com/story.php?title=THE_LOWEST_VIAGRA_PRICE_GUARANTEED-_Buy_Viagra_Online]cheap viagra[/url]
- التفاصيل
- كتب بواسطة: بوقفة رؤوف
- الزيارات: 7
ظاهرة الانتحار :الأسباب والعلاج ــــــ بوقفة رؤوف
أمام تزايد نسبة الانتحار بشكل مقلق ومخيف وتنوع المنتحرين سواء من حيث الطبقة حيث مس جميع الطبقات المتعلمة منها وغير المتعلمة والقاطنة بالمدن والساكنة بالقرى أو من حيث الفئات العمرية فقد انتحر الشيخ كما انتحر الشاب والكهل وكذلك الطفل فالانتحار مس جميع الفئات العمرية والجنسية دون تفريق بين ذكر وأنثى , مما يجعل الأمر ظاهرة تهدد سلامة المجتمع وتمزق نسيجه وسنحاول في هذا المقال حصر الدوافع الكامنة وراء قرار المقبل على الانتحار بوضع حد لحياته ولنبدأ بالأسباب الاقتصادية
أولا الأسباب الاقتصادية :
نسبة من المنتحرين ,برر ذويهم انتحارهم نتيجة عدم توفر العمل واغلاق جميع الأبواب أمامهم رغم مرور سنوات كثيرة على تخرجهم من الجامعة فقرروا هم بدورهم اغلاق باب حياتهم (نحبك كوكة)للأبد وكذلك الأمر لأرباب المعينين لأعائلتهم المحتاجين للقوت وللباس والدواء ومصاريف التمدرس وهم اما بطالين أو مسرحين عن العمل أو أن دخلهم لا يكفي ولا يغطي كل تلك المصاريف فيلجئون للانتحار كحل من مشكلاتهم كحل أخير بعد فشل كل الحلول …
لكن ليس كل المنتحرين يعانون من أزمة اقتصادية ,أو يمرون بضائقة مالية ,ففيهم الموظفين الذين لا يشتكون اقتصاديا لكنهم أقبلوا على الانتحار هذا من جهة ,ومن جهة أخرى هناك الألاف من المتسولين والمشردين وملايين من البطالين والمسرحين والمعوزين يعانون نفس معاناة الذين اقبلوا على الانتحار وأحيانا أسواء منها بكثير لكنهم لم يقدمو على وضع حد لحياتهم وهناك شعوب بأسرها أحاطت بها المجاعة من كل ناحية لكنها لم تقدم على الانتحار …مما يعني أنه قد يكون السبب الاقتصادي دافع للانتحار لكنه ليس دافع حقيقي بل هو دافع تعليلي ,يعلل به الأمر بعد حصوله فقط.
ثانيا: الأسباب الاجتماعية :
متمثلة في تفكك الروابط الأسرية فهذا ينتحر بعد قتل زوجته الخائنة وعشيقها ,وتلك تنتحر لأن شاب تخلى عنها بعد أن وعدها بالزواج وعبث بشرفها والأخرى انتحرت حتى يبقى أولادها الخمسة غصة في حلق أبوهم طليقها ,فلا ينعم بزواجه الثاني… وغير ذلك كثير من الأمثلة الاجتماعية .
لكن السؤال الذي يفترض طرحه هنا : هل كل شخص تعرض لهذا الموقف الشبيه بموقفي ,هل يقدم على قتل نفسه أم أنه يتصرف تصرف آخر ,هل بقتلي لنفسي انتقم من غيري أم أني انتقم من نفسي ولنفرض أني أردت الانتقام من تفسي ,هل أجازي نفسي لأنها وثقت في ذلك الشخص أو أنها خدمته عشر سنوات بكد وتعب بأن اقتلها بعد أن قتلت المرة الأولى حين تخلى عنها ؟ لذلك نجد أن الدافع الاجتماعي ليس حتى بحافز ليقوم شخص بوضع حد لحياته ,وأن الذي يدعي أنه سبب للانتحار فهو يخدع غيره فقط لأنه موقن في ذاته أنه ليس بالسبب الحقيقي كالفتى الذي حاول الانتحار نتيجة ملله من الشجارات والصدمات التي لا تنتهي بين أبويه فلا موته يجعل الصدمات تتوقف ,بل ربما تزيد أكثر فالأب يحمل المسؤولية للأم والأم بدورها تحملها للأب …
ثالثا الأسباب الطبية :
أو ما يعرف بالموت الرحيم ويتمثل في وجود مريض ميئوس من شفائه ومرضه يسبب له ألام وأوجاع لا تنتهي ,وهذا المريض مصيره الموت عاجلا أم آجلا ولا سبيل لشفائه أو علاجه ,وحتى لا يترك يتعذب ويعاني فانه يوضع حد لحياته رحمة ورأفة به ,وقد أجمع الفقهاء على حرمة القتل الرحيم وأن الفاعل يعد مجرم حتى بموافقة المريض واملريض الموافق يعتبر منتحرا,لأن الطبيب المفروض أنه عامل شفاء وسبب علاج لا عامل قضاء وسبب موت ,والمريض المفروض أن يصبر على البلاء ويحتسب الأجر وليعلم أن مرضه هذا قضاء وقدر من الله وان كل ألم ووجع يصيبه يزيل به اثم ارتكبه ويكتب له حسنة فلأن الله أحبه اصابه بألم المرض الذي مهما طال فانه سينتهي وينساه ,بدل أن يصيبه ألم وعذاب نار جهنم التي مهما طال فانها تظل موقدة وعليه موصدة وأضن أنه لو خير بين الأمرين ,ألم المرض أو ألم نار جهنم لاختار ألم المرض دون تردد لأن الم قليل خير من الم كثير والم منتهي غير من الم دائم …
رابعا الأسباب الدينية :
أود توضيح نقطة في هذا الأمر مفادها أن الدين يحرم الانتحار ولا يوجد في الأصل أي سبب أو وازع ديني يحث المرء على وضع حد لحياته لأن في حقيقة الأمر حياتك ليس ملك لك لأنك لم توجدها بل أودعها الله فيك فهي أمانة انت مسؤول على الحفاظ عليها حتى يحين الوقت ليقبض الله أمانته وذلك الوقت لست انت المسؤول عن تحديده وقرار رد الأمانة ليس بيدك تقريره بل هو قرار الاهي,وهب الروح لك وقت ما أراد ويسترجعها وقت ما يريد ,فان اتلفت أمانته تعاقب بجرم خيانة الأمانة لذلك فالانتحار حرام هذه هي النقطة الأولى ,أما النقطة الثانية فهو أن يقوم أحد ما بعملية انتحارية ( سواء بسيارة مفخة ,أو حزام ناسف ) يذهب ضحيتها اخوة له في الدين والوطن من أطفال وشيوخ ونساء ورجال يشهدون أن لا اله الا الله وان محمد رسول الله ,يموتون دون وجه حق ودون أي ذنب ارتكبوه ولنفترض تجاوزا أنه اخطأوا فمن عينك قاض عليهم لتحكم بأنهم مذنبين يستحقون عقوبة الموت ,ثم من عينك الجلاد المنفذ للحكم وقبل هذا من عينك جهة اتهام لتوجه لهم التهم ,فأنت اذن المعي العام وانت القاضي وانت السجان في آن دون أي تفويض أو تخويل سماوي ,أن محمد صلى الله عليه وسلم كان يعلم المنافقين بالاسم واللقب وبأشخاصهم وذواتهم ,ورغم أنهم كانوا مضمرين الكفر مظهرين الاسلام يسعون في خيفة لتقويض دولة الايمان الا انه لم يقتلهم وحين طلب البه أحد الصحابة الكرام بالسماح له بقتل رأس النفاق أجاب أخشى ان يقول الناس محمد يقتل اصحابه وترك عقابهم لخالقهم ,فما بالك بالذي يقتل الأباء والأمهات والاخوة والاخوات والأهل والعشيرة وهم مبرؤون من النفاق وهو ليس بنبي معصوم والوحي انقطع من السماء حتى نعلم المنافق من غيره والكل مسلم ,فان قال قائل اقاتل الحكام لأنهم طواغيت ارتدوا وولائهم كان لشياطين الانس لا لله ويلحق في حكمهم الطوائف أو الفرق المعينة لهم من رجال الأمن والجيش وحين افجر نفسي وأياهم أذهب للجنة وهم الى النار ,فهذا من تلبيس إبليس فهم على دين الإسلام ماداموا يقيمون أركانه وان كانوا فساقا مقصرين ,ونحن نحكم على ظاهرهم والله يتولى سرائرهم وبالتالي فان فجرت نفسك فأنت لست بشهيد بل أخطأت لجهلك ولا يعذر جاهل لجهله فأهل الذكر موجودون وعليه بالسؤال سؤال العالم الثقة
خامسا :الأسباب النفسية :
لكل من هدف يسعى لتحقيقه وحلم يأمل في تجسيده ,لكن يحدث أنه في لحظة يشعر أن كل ما بناه ويبنيه يتداعى أمامه بشكل متسارع ,يشعر بمرارة ,بحزن شديد ,بعذاب فضيع ,بألم قاتل ,الهدف الذي ضللت لسنوات عديدة أركض لتحقيقه يتبخر أمام ناظري ,دون أن استطيع حراكا وتسود الدنيا في عينيه ,لا يرى الا الفشل ولا يسمع الا كلمات العتاب واللوم ,انه يريد ان يتخلص من ذلك الصوت الغير منقطع في أذنيه ,انه يريد الهرب من تلك الصور المفزعة كلما اغمض عينيه ولا سبيل لذلك ,لا أدوية مهدئة ولا استماع شريط أغاني كان يريح أعصابه سابقا عندما يسمعه ,لم يستطع النسيان رغم كثرة ما دخن رغم كثرة ما شرب الخمر ,لم تستطع الجلسات الحميمية نسيانه ولا جرعات المخدرات ,لا حل سوى الموت ,هو السكون الوحيد الدائم والأبدي ,حتى يخمد ذلك الصوت اللعين ,حتى تنقطع تلك الصور المرعبة ,ويجري في جنون باحثا عن الحبل والفرح بادىء على ملامح وحهه لأنه أخيرا اهتدى للطريقة المثلى للتخلص من ألامه نهائيا انها الانتحار لكن المشكلة اعتقاده أن الموت هو نهاية الحياة المملوءة بالمتاعب والمشاكل ولا يعرف أو غير مؤمن بأن الموت ما هو الا مرحلة زمنية فاصلة بين حياتين ,حياة أخرى أبدية دائمة وهي اما نعيم مقيم أو جحيم ,فلو كان مؤمن بانه عندما يضع حد لحياته فسرعان ما يستيقض من النوم ليجد نفسه أمام خالقه ليقول له ياعبدي لقد أعطيت لك نعمة الحياة هذه النعمة التي حسدك عليها كل جماد وأعطيتك نعمة العقل حسدها عليك كل حيوان ,وأرسلت لك لك محمد رسولا وانزلت لك القرآن حتى تعرفني ,وتعرف أن الروح التي انت وضعت لها حدا بارادتك هي أمانة ,أنا مالكها وضعتها فيك وقتما اردت وآخذها وقت ما اريد لكنك تخلصت منها بارادتك دون استئذاني وتصرفت فيما لا تملك دون اذن صاحب الملكية ,لقد خنت الامانة وضيعتها دون وجه حق …. لقد وضعتك في الدنيا موضع امتحان واختبار لأرى هل تصبر على ضروفها القاسية ومشاكلها وتعبدني على السراء والضراء لأني ما خلقتك الا لعبادتي ولتعمل بما أمرتك وتبتعد عن ما نهيتك وتصبر على ما أصبتك وتحمدني على ما رزقتك وترضى بقضائي وقدري وان تطمع في رحمتي فماذا فعلت وكيف تصرفت؟؟
بماذا ستجيبه ,تقول له لم أعلم أن هناك حياة بعد الموت رغم أني مسلم ….تقول له لم أفكر بهذا الأمر رغم اني املك عقل ؟… لا أعرف بماذا ستجيبه بالضبط ,لكن أعرف أنك انك في قرارة نفسك تقول نعم لقد اخطأت واستحق العقاب .
ملخص القول :
الشخص المقبل على الانتحار ,يرى أنه فشل في الحياة ولا يستحق أن يبقى دقيقة فوق الأرض لذلك قرر وضع حد لحياته لاعتقاده أن حياته ملك له وحده له حق التصرف الحصري والمطلق فيها له وحده ,وهذا قصور منه في الفهم ,لأن نعمة الحياة هبة ربانية وجب عليه استخدامها والاستفادة منها وفقا للارادة الالهية ,ويعلم ان الهدف من ايجاده هو عبادة الله ,وهو حين يعبده يمتثل لأوامره ويجتنب نواهيه ,ويعلم أن كل ما أصابه من مصائب الدنيا هو أمر كقدر من عند الله فيقول بلسانه وقلبه ان لله وان اليه راجعون والحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه وأن الخيرة فيما اختاره الله ,وعسى أن أكره شيء وهو خير لي لأني لا اعلم ما يعلمه الله فربما الوظيفة التي خسرتها كان فيها سجني ,وربما السيارة التي سرقت مني كان بسببها وفاتي في حادث … ولو تأمل كل واحد منا ما واجهه في حياته ورأى أن الأمور التي فشل في تحقيقها أو تمنى حدوثها ولم تحصل فحزن عليها وندم ,اته بعد مرور الزمن حمد الله أنها لم تحصل لأن النجاح كان في غير الأبواب التي طرقها وأراد عنوة فتحها لكن الله لم يفتحها له حبا وحماية له من ما يوجد وراءها ,فالشريك الذي أراد مشاركته في التجارة ولم يجد من يقرضه المال ليدخل معه في شراكة ,ورغم غنى أبوه لم يرد ان يقرضه ,فضاعت عليه فرصة ان يكون تاجرا فتفرغ للتحصيل العلمي بعدها بزمن علم أن من اراد مشاركته نصاب محتال يشلرك الناس ثم يخدعهم ويأخذ بكل حصتهم ,فيحمد الله أن اباه لم يمنحه النقود وضغط عليه ليكمل دراسته الجامعية التي حصل نت وراءها على وظيفة وسيارة وسكن… الانسان كطفل صغير يحبوا يرى شيئا يلمع يهرع اليه ليمسكه لكن الأم تجري وتحمله مبعدته , الطفل يبكي ويصرخ ويكره أمه لأنها حرمته من اللعب بشيء بارق ولامع لم تتركه يتمتع بذلك البريق الذي خطف بصره وشغل ذهنه ,لكنه بعد زمن يعرف أن لمعان ذلك الشيء هو السنة لهب نار وان حب أمه وخوفها عليه من احتراقه هو الذي جعلها تمنعه وتبعده عن الخطر الذي فيه اذيته وهو يحسب أن فيه سعادته ,كذلك الله – ولله المثل الأعلى -يجنبنا اشياء نعتقد أنها ستجلب لنا السعادة لكن في حقيقة الأمر هي سبب هلاكنا
اذن نحن نسعى لتحقيق أحلامنا وطموحاتنا المشروعة حتى يبارك الله سعينا ,فان تحققت نحمد الله وان لم تتحقق نعلم أنه لو فيها خير لنا لوفقنا الله اليها ,لكن فيها ضرر لم نراه وسيتبين مع الأيام وان لم يتبين فلا يعني هذا انعدامه ,وان الله يحبنا لذلك أوجدنا وغيرنا عدم ومتعنا بنعمة العقل وغيرنا عجم ومتعنا بنعمة الاسلام وارسل الرسل لذلك فانا اثق في اختياره لي واشكره في السراء واصبر في الضراء على القضاء ,صبر محتسب الأجر ,لا صبر ساخط ,واعلم ان بعد العسر يسر وان مهما طال ظلام الليل فان الفجر سيبزغ نوره وان الشمس مهما طال الظلام ستسطع ,فلا اقنط من رحمة الله ولا أياس ,لأني احسن الضن به ,لأنه خالقي ,فلن يتركني ,ولن يتخلى عني ,رعايته تحيطني ورحمته ملتفت بي ونعمه واحسانه مغدق علي …
لذلك وجب القيام بتوعية ايمانية نعرّف فيها الفرد بخالقه وحبه له ونعرفه كذلك بنفسه والعلاقة بين النفس وخالقها والتفاعل الحاصل بينهما في صيغة واضحة محددة ,وهي محراب العبودية ,فهو يجد ذاته ويحقق ارادته ويتجرر في اطار عبوديته لخالقه وبه يستعين على ذلك طالبا منه هدايته لصراطها وتوفيقه للسير فيها للوصول الى النعيم النفسي وهي طمأنينة قلبه والى النعيم الأخروي وهو الجنة ,لأن بذكر الله تطمان القلوب ومن يبتعد أو يتخلى عن ذكر الله فان له معيشة ضنكى ,هذا الضنك ليس في الأمور المادية فقط بل يجد آثاره في قلبه ,انه يشعر أن قلبه منقبض وانه يختنق وأن به ضيق وقلق ولا يعرف السبب والذي هو بعده عن الله لكنه لا يريد أن يقر بهذا السبب ,ويبحث عن دواء لهذا الضيق النفسي ولهذا الاتقباض والتوتر في كل مكان ما عدا ذكر الله ولما لا يجد يقرر انهاء حياته حتى يتخلص من هذا الضيق ويرتاح في اعتقاده الخاطىء وليته يرتاح
- التفاصيل
-
كتب بواسطة:
- الزيارات: 6
Cheap viagra online cheap viagra http://www.blinklist.com/Buy-Viagra-Cheap/ [url=http://www.blinklist.com/Buy-Viagra-Cheap/]cheap viagra[/url]