التداولية بين المنهج والطريقة
بقلم:الأستاذ رخرور أمحمد
باحث من الجزائر
ما يجب أن نقر به ابتداء ، هو أن ما تشهده الساحة النقدية اليوم من تطورات ، والمتجلية في الكم الهائل من المفاهيم والنظريات والمصطلحات والطرق الإجرائية في تحليل النصوص الأدبية بأنواعها ؛ مرده بالأساس إلى ما جادت به الدراسات اللسانية من قبل ، ومن مكتشفات نظرياتها ، التي لا يخفى دورها الهام في تطوير النقد الغربي ثم النقد العربي على حد سواء .
وعلى العموم فإن مجيء التداولية أحدث تغييرًا كبيرًا في ميدان النقد الأدبي . ذلك أن التداولية تدعو إلى تغيير النظرة إلى النصوص . أي تحويل نظرة البنيوية التي ترى النص بنية مبتورة عن الفعل الملفوظي ، إلى نظرتها التي تدعو إلى دراسة النص في علاقته مع النشاط الملفوظي(الكلام).الأمر الذي يفرض ـ في مذهب التداولية ـ أن نجدّد نحن أيضا نظرتنا إلى النصوص الأدبية . فما هي هذه التداولية إذن ؟.
تسعى التداولية إلى أن تتجاوز حدود الخطاب ، لتصير نظرية عامة للفعل والنشاط الإنساني ، شغلها الشاغل هو دراسة اللغة في المقام (الاستعمال) ، الذي يهتم بما يفعله المستعملون بالألفاظ .
وتشير الدراسات إلى أن أول من ابتكر كلمة "البراجماتية" هو "شارل سندرس بورس 1914 / 1839"· في مقالته الشهيرة "كيف نجعل أفكارنا واضحة ؟ ." فقد جاء فيها أنه » : لكي نبلغ الوضوح التام في أفكارنا من موضوع ما ، فإننا لا نحتاج إلاّ إلى اعتبار ما قد يترتب من آثار يمكن تصورها ذات طابع عملي ، قد يتضمنها الشيء أو الموضوع ... وكلمة البراجماتية مشتقة من اللغة اليونانية والتي تعني "العمل النافع" أو"المزاولة المجدية" ، ويصبح المقصود منها هو "المذهب العملي" أو "المذهب النفعي«" ([1]) .
كما يعد "شارل موريس" (··) أول من بادر إلى وضع تعريف مقصود لمصطلح "التداولية " ، وخلاصة تعريفه لها هي أنها دراسة علاقة الدلائل بمستعمليها ؛ أي دراسة اللغة أثناء ممارستها إحدى وظائفها الإنجازية أي الحوارية والتواصلية . وقد عدّها جزءً من السيميائيات .
أما التداولية عند "غرين " 1989 Green و"بليكومور Blikmore "1990 فهي فهم اللغة الطبيعية. ولدى "فارسشيرن 1987 " Werschueeren أن تمعن الفكر أكثر في استعمالات اللغة من كل جوانبها. في حين يصرح "رودوف كارناب " بأن التداولية هي قاعدة اللسانيات . وهي لدى " فرانسواز ريكانتي "فرع من دراسة استعمال اللغة في الخطاب .
وفي نظر المؤسس الأول لـ " التداولية ـ " أو " تداولية أفعال الكلام " كما يسميها البعض"ـ ج. أوستين"· أن وظيفة اللغة لا تقتصر على نقل وإيصال المعلومات وإرسالها ، أو التعبير عمّا يجول في أذهاننا من أفكار ومشاعر وإظهارها ؛ وإنما يجب أن تضطلع اللغة ـ وهو أمر موافق لطبيعتها ـ بتحويل ما يبدر عنها من أقوال، في إطار ظروف سياقية معينة إلى أفعال ذات سمات اجتماعية . وينبغي أ ن تهتم التداولية عند كلّ من "أ. م .ديلر" و "ف . ريكاناتي" بدراسة اللغة في الخطاب ، وتنظر في الوسميات الخاصة به لتأكيد طابعه التخاطبي .