يقوم جوهر النقد الأدبي أولا على الكشف عن جوانب النضج ال
فني في الإنتاج الأدبي، وتمييزها مما سواها على طريق الشرح والتعليل. ولا يعنيني في هذه المقالة الموجزة
أن أتعرض لنقد النثر والشعر، بل لنقد شيء من الشعر فقط، حتى أستطيع أن أستوفي ما ذهبت إليه. ولعل ا
لذي دفعني إلى تقديم الشعر على النثر هو ما استقر عليه رأي الباحثين من
أن الشعر سابق على النثر
الأدبي، وقد علل النقاد هذا الرأي وقدموه ذاهبين إلى أن نزعة الإنسان الخيالية أسبق وجودا في تاريخه،
وأيسر منالا لديه من مراعاته لواقع في تصويره وحكاياته وتفكيره جملة.
فإذا أخذنا بهذا الرأي
فإنه يحق لنا أن نعرض لما قاله الشعراء في المعنى الواحد مع اختلاف في التناول والخيال.والتجربة ال
شعرية سابقة على قول الشعر؛ إذ هي الصورة الكاملة النفسية التي يصورها الشاعر حين يفكر في أمر من
الأمور تفكيرا ينم عن عمق شعوره وإحساسه. ثم بصوغه قولا يغذي شاعريته. والشاعر الحق هو الذي تنضج
في نفسه تجربته الشعرية،
فيقف على أجزائها ثم يرتبها ترتيبا فكريا وفنيا. وهذا يحدث للشعراء
الفحول تلقائيا، وأما غيرهم فإننا نحس المعاناة الشديدة التي يخوضونها خلال التجربة الشعرية، وبعد
ولادة هذه التجربة.
وفي الذاكرة ثلاثة أبيات لثلاثة من الشعراء وهم:
أبو الطيب أحمد بن
الحسين المتنبي (ت 965م) وأبو العلاء المعري (ت 1057م) وعمر
الخيام (ت 1132م).وواضح أن بين كل
شاعر من هؤلاء الثلاثة قرن من الزمان ونجزم بأن أبا العلاء اطلع على شعر المتنبي كله، ومشهور عنه
أنه كان يسمي ديوان المتنبي "مسند أحمد" وهذا ينم عن شدة اعتداده بشعر المتنبي وحبه له.
وأما عمر ا
لخيام فهو فارسي ونظم شعره بالفارسية ثم جاءت ترجمته إلى العربية بعد وقت طويل، وأغلب الظن أ،ه لم
يطلع على شعر أبي الطيب ولا شعر أبي العلاء، وإن كان له اطلاع فإنما هو على أبيات سارت بين الناس،
وجرت مجرى الأمثال.وما يهمنا من هؤلاء الثلاثة أنهم عاشوا تجربة شعرية يعيشها الناس جميعا. ولكن ي
ختلفون في التعبير عنها فكريا وفنيا، وهذا ما حدث للشعراء الثلاثة أبي الطيب المتنبي وأبي العلاء
المعري وعمر الخيام.
التجربة هي:الموت ودفن الأموات..
يقول أبو الطيب:
يـُدفـّنُ بعضنا
بعضاً ويمشي
أواخرنا على هام ِ الأولي
ويقول أبو العلاء المعري:
خففِ الوطء ما
أظـُنُّ أديم الأرض إلا من هذه الأجسادِ
ويقول عمر الخيام (ترجمة أحمد رامي):
خفف الو
طء إن هذا الثرى
من أعينٍ ساحرةِ الاحورارِ
إذن: فكل من الشعراء الثلاثة خاض
تجربة الموت، والدفن، ورأى القبور، وتصور حال
من حلّوها.
فأبو الطيب شاعر حاد النظرات
قاسي القلب عاش حياته وغبار المعارك كساؤه وصليل السيوف حداؤه، والحياة عنده للقوي، ولا حظ فيها لل
ضعيف، ومنظر الموت والدفن مألوف لديه. فإذا تفحصنا تجربته الشعرية نجدها تجربة شاعر فارس يخوض ا
لمعارك فإما قاتل أو مقتول، فإذا انجلى غبار المعركة وكان من الناجين لم يأبه لما وراء ذلك، وهذا
واضح في بيته الذي أوردناه آنفا.
انظر إليه كيف وظف الكلمات لتجسد تجربته الشعرية، يقول: "يدفـّ
ن" ولم يقل "يَدْفِن"؛ فهذه الشدة على الفاء تكشف لنا عن قلب قاس وعين جامدة، ويقول "بعضنا بعضا"؛ نعم
هكذا أبناء لآباء، وآباء لأبناء، وأعداء لأعداء، من بعض لبعض، ويقول: "تمشي"؛ أي تستمر مسيرة الح
ياة ولا تتوقف، وما طبيعة هذا المشي إنه مشى سريع شديد الوطء مشي على الهام (الرؤوس) فآخرنا يدوس على
أولنا قد شغلته الحياة عن النظر إلى من سبقوه وأصبحوا ترابا.
وتستطيع أن تقول إن المتنبي كان
واقعيا ولكنه كان قاسي القلب لا مكان للعاطفة الإنسانية في قلبه، ولا يعني هذا أن المتنبي لم يكن يألم ك
ما يألم الناس، ولكن تجارب الحرب جعلت منه أنموذجا للشاعر الفارس الفيلسوف.
وإذا انتقلنا إلى
أبي العلاء المعري ذي المحبسين الذي ضاق بالحياة والأحياء وتشكك فيها وفيهم، اعتزل الناس بعدما رأى
ما رأى منهم، اتهم العلماء والفقهاء بله التجار والسفهاء.
انظر إليه كيف يقول: "خفف الوطء" وه
ذا انعكاس لحاله، فهو الضرير الأعمى الذي يتحسس طريقه يخشى أن يصطدم بجدار أو يهوى في حفرة، "خفف الو
طء" لا تمش مختالا
تدوس هام الورى. "ما أظن أديم الأرض"ظنه يكاد يكون يقينا ولكنه لم يبلغ ذلك "إلا
من هذه الأجساد" هذا القصر وهذا الحصر يوحي لنا بأن شاعرنا كان يجيل ذلك في فكره فتارة يهتدي، وتارة
يضل، تارة يعتصم بالدين، "منها خلقناكم وفيها نعيدكم" (طه. 55) فهذه الأجساد من التراب وإلى التراب، و
ستبلى وتتحول ترابا، فلا يليق بنا الاختيال، ولا يليق بنا التكبر، وعلينا أن نسير متواضعين فلم التك
بر وقد عرفت النشأة، وعرفت المنتهى؟!وننتقل إلى شاعر الفرس عمر الخيام، الشاعر العالم رأينا له
نظرة تشبه نظرة أبي العلاء إلا أنه يزيد عليها لمسة من جمال كان ثم بان، فهل هذا التصوير الرائع لل
شاعر أم للمترجم أم لكليهما؟ إنه لكليهما.. للشاعر الذي ابتكر المعنى، وللمترجم الذي وظف الألفاظ هذا
التوظيف الدقيق. فإذا انتقلنا من مصراع البيت الأول إلى مصراع الثاني، نجد شاعرنا والترجم قد بلغا
أوج التجربة الشعورية. "إن هذا الثرى من أعين ساحرة الاحورر". الثرى الذي ندوسه بأقدامنا ليس من ا
لأجساد فقط، فإن بعض الأجساد تستحق أن تداس بالنعال والأقدام معا. أما الأعين الساحرة فلا -
فرفقا بالقوارير - ورفقا بالجمال.
هذه نظرات تجلت لي وأنا أتأمل الأبيات الثلاثة ما اتفق من
معانيها وما اختلف، ويتبين لنا أن التجربة الشعرية جزء من نفس الشاعر، وهي الباب الذي نلجه لنطلع على
مشاعر الشاعر وأحاسيسه، ومدى ارتباطه بالطبيعة وبالناس.
شيء من نقد الشعر
- التفاصيل
- كتب بواسطة: اسماعيل عبد الله
- الزيارات: 18