إن الوقوف على إعجاز القرآن الكريم ، و الاهتداء بهديه حق مشروع لكل بني البشر ؛ ذلك أن الله تبارك و تعالى أنزله إلى الناس كافة. و هو ما يميز هذا الدين عن الديانات السابقة. و لكي يتسنى توصيل هذه الرسالة الإلهية إلى أقوام لا يفهمون اللغة التي أنزل بها القرآن الكريم، و هي اللغة العربية ، فقد كانت فكرة الترجمة ضرورة ملحة تفرض نفسها على الفكر الإسلامي غير المتقبل للفكرة ، و ذلك من أجل أن يتعرف الأعاجم على النص القرآني.
إن صعوبة الترجمة إن لم نقل استحالتها ـ لما قد تجره من أخطار على النص القرآني (التحريف و التزييف) ـ تفرض نفسها في مجال ترجمة النص القرآني الكريم ، ذلك أن من وجوه إعجاز هذا الكتاب لغته. قال تعالى: «إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ»[1]، و قال أيضا:«وَ كَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا و َلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ مَا جَاءَكَ مِنَ العِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ من وَلِيٍّ وَ لا وَاقٍ»[2].. و قد أبهرت هذه اللغة بأسلوبها الإعجازي البلغاء و علماء اللغة من العرب أهل هذه اللغة ، فعجزوا عن معارضته ، و لذلك استوجب على المترجم (ترجمة تفسيرية) المتمكن و المخلص أن يتحرى هذه الخصائص فـ «معجزة القرآن تختلف عن معجزات الرسل السابقين في كثير من زوايا الإعجاز ، و في القرآن إعجاز لا ينتبه إليه إلا بعد أن ينشط و يكتشف المستور عنه من حقائق الكون و أسراره..إن إعجاز القرآن موجود أحيانا في حرف..حرف من القرآن يحمل إعجازا رهيبا ، و لكن الذي يجب أن نعرفه الآن..أن للقرآن عطاء لكل جيل يختلف عن عطائه للجيل السابق ذلك أن القرآن للعالمين..أي الدنيا كلها..لا يقتصر على أمة بعينها..و إنما هو الدين الكامل لكل البشر..».[3]
إن ترجمة القرآن الكريم (التفسيرية) يجب أن تكون على وجه من الدقة و الإتقان ، و على أياد أمينة و مخلصة من أهل الاختصاص ، لأن إهمالا لحرف واحد يمكن أن يبعد القارئ عن المعنى الحقيقي ، فيحرف كلام الله.
إن القرآن الكريم كتاب لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه ، و هو «مليء بالإعجاز..و الدقة في التعبير..اللفظ في مكانه..فإذا تغير عن مكانه ، فإنما يريد الله سبحانه و تعالى أن يلفتنا إلى معنى آخر..إلى شيء آخر. ليس هناك مترادفات..و ليست هناك ألفاظ لا تتسم بالدقة.. و ليست هناك كلمة في غير موضعها..و إنما دقة متناهية في التعبير..دقة متناهية في البلاغة..و لكن بعض المستشرقين الذين يحاولون أن يضلوا عن سبيل الله..أو الذين يدرسون القرآن الكريم ليحاربوه ، و يقولون أن في القرآن تناقضا ، و يزيدون على ذلك بأن هذا التناقض طبيعي ؛ لأن قائل القرآن..كما يدعون هو محمد (صلى الله عليه و سلم) ، و على هذا الاعتبار ـ أي أنه بشر ـ فإنه أحيانا ينسى..».[4]
و قد تحدث القرآن الكريم عن اللغة التي أنزل بها في غير موضع واحد. يقول الله تعالى: «وَ مَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَن يَّشَاءُ و َيَهْدِي مَن يَّشَاءُ وَ هُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ»[5].
لقد أشار "ريتشارد سودرن" في كتابه "صورة الإسلام في أوروبا في العصور الوسطى" إلى أن "بطرس المبجل" رئيس "دير كلوني" Cluny الشهير رعى أول ترجمة للقرآن الكريم إلى اللغة اللاتينية ، فقد عهد بهذه الترجمة إلى العالم الإنجليزي "روبر كيتو" Robert Ketto بمساعدة الألماني "هرمانوس" Hermanosse ، و راهب إسباني الأصل آخر مجهول الاسم ، و قد استغرقت هذه الترجمة ثلاث سنوات (ألف و مئة و واحد و أربعين إلى ألف و مئة و ثلاثة و أربعين).[6] ثم تلتها بعد ذلك ترجمات عديدة كانت في مجملها بعيدة كل البعد عن معاني و مقاصد النص القرآني الرباني.
و نشير إلى أن هذه الترجمة اتسمت بتعليقات و ملاحظات للمعاني الواردة بالقرآن الكريم، و ذلك لما شابها من تصرف و حذف و تغيير ، و كان من وراء هذه التعليقات و الملاحظات تشويه المقاصد الآيات القرآنية ، و تحريف ما اشتمل عليه من أحكام ، و الغرض من ذلك تشويه مقاصد القرآن الكريم في عيون القراء لهذه الترجمات.[7]
و لذلك عدت ترجمة غير صحيحة بعيدة كل البعد عما ورد في النص القرآني من ألفاظ و معان تحمل أحكاما و حقائق دنيوية و أخروية. و واضح أن القائم على هذه الترجمة لم يكن في نيته خلق تواصل بين المسيحيين و الدين الإسلامي ؛ بل كان يهدف لخلق منافذ للمعارضة و النقد لدى المتحمسين من علمائهم لإيقاف زحف الدين الإسلامي إلى ربوع الديار المسيحية و ذلك بما أدخلوه من تحريف و تزيف في ترجماتهم تلك.
إن معظم المصادر الغربية تتفق حول أن أول ترجمة للقرآن الكريم ، هي تلك التي أشرف عليها "بطرس المبجل" ، و إن أشارت مصادر أخرى إلى غير ذلك.[8]و قد عمد المشرفون على تلك الترجمة إلى البحث في كوامن القوة في القرآن الكريم من أحكام و تعاليم ، و حقائق تاريخية، و علمية تستحوذ على العقول و القلوب. و صوبوا سهام التحريف و التزييف إليها.
و لذلك فإنها لم تكن ترجمات بالمعنى الحقيقي. يقول "سالم الحاج ساسي": «لأنها مشفوعة بتعليقات ، و كتابة مقدمات طويلة حافلة بالتشويه ، و الإضافة و التعليقات انصبت كلها على دحض القرآن ، و عدم صحة مصادره ، و إرجاعه إلى المصادر اليهودية و المسيحية».[9]
الجدير بالذكر كذلك أنه قد سبق للمسلمين أن ترجموا النص القرآني الكريم إلى اللغات التي كانت سائدة في عصر النهضة الإسلامية ؛ حيث كانت لهم الريادية في شتى العلوم و المعارف التي لم تكن عند غيرهم ـ نقصد هنا الترجمة التفسيرية ـ و غاياتهم في ذلك تيسير فهم النص القرآني لدى الأقوام الذين لا يعرفون اللغة العربية ، و هدايتهم إلى هذا الدين الطاهر. قال تعالى في محكم تنزيله:«الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ العَزِيزِ الحَمِيدِ».[10]
--------------------------------------------------------------------------------
[1] ـ يوسف : 2.
[2] ـ الرعد : 37.
[3] ـ الشعراوي محمد متولي ـ معجزة القرآن ـدار الهدى ـ عين مليلة ـ الجزائر ـ 2004 ـ ص31.
[4]ـ الشعراوي محمد متولي ـ معجزة القرآن ـدار الهدى ـ عين مليلة ـ الجزائر ـ 2004 ـ ص73.
[5]ـ إبراهيم : 4.
[6]ـ سالم الحاج ساسي ـ نقد الخطاب الاستشراقي(الظاهرة الاستشراقية و أثرها في الدراسات الإسلامية) ـ الجزء 1 ـ ط1 ـ دار الكتب الوطنية ـ بنغازي ـ ليبيا ـ 2002 ـ ص258.
[7]ـ المصدر نفسه ـ ص258.
[8]ـ سالم الحاج ساسي ـ نقد الخطاب الاستشراقي(الظاهرة الاستشراقية و أثرها في الدراسات الإسلامية) ـ الجزء 1 ـ ط1 ـ دار الكتب الوطنية ـ بنغازي ـ ليبيا ـ 2002 ـ ص (258ـ259).
[9]ـ نقد الخطاب الاستشراقي ـ الجزء 1 ـ ص259.
[10]ـ أول سورة إبراهيم عليه السلام.