قلّما عرف التاريخ عقلًا جمع بين التفوق في الطب والفلسفة والمنطق والرياضيات والفلك والموسيقى والشعر، وترك في كل منها أثرًا باقيًا. ومن هذه العقول النادرة أبو علي الحسين بن عبد الله بن سينا، الذي لقّبه معاصروه ومن جاء بعدهم بـ"الشيخ الرئيس"، وعرفته أوروبا باسم "أفيسينا" (Avicenna). فقد ظل كتابه "القانون في الطب" مرجعًا أساسيًا في جامعات أوروبا عدة قرون، وظلت فلسفته موضوع نقاش وجدل في الشرق والغرب حتى اليوم. وما يزيد سيرته إدهاشًا أنه كتب معظم أعماله في حياة مضطربة، بين التنقل والسجن والهرب وخدمة الأمراء، وأنه رحل وهو في السابعة والخمسين تقريبًا.
النشأة: طفل يحفظ القرآن في العاشرة
وُلد ابن سينا سنة 370هـ / 980م تقريبًا، في قرية أفشنة قرب بخارى، في بلاد ما وراء النهر (أوزبكستان الحالية)، وكانت بخارى آنذاك عاصمة الدولة السامانية ومن أكبر مراكز العلم والثقافة في العالم الإسلامي. وكان أبوه من أهل بلخ، يعمل في إدارة الدولة السامانية، وكان بيته ملتقى للعلماء والمتحاورين في الفلسفة والدين.
وقد ترك لنا ابن سينا سيرة ذاتية قصيرة، أكملها تلميذه وملازمه أبو عبيد الجوزجاني، وهي من أهم المصادر عن حياته. ويروي فيها أنه أتمّ حفظ القرآن الكريم وكثيرًا من الأدب وهو في العاشرة من عمره، ثم درس الفقه والحساب والمنطق، وسرعان ما تفوق على أساتذته، فصار يدرس وحده. ثم درس الطبيعيات والإلهيات، واتجه إلى الطب، فوجده، كما يقول، "ليس من العلوم الصعبة"، وبدأ يعالج المرضى وهو في السادسة عشرة تقريبًا.
الحيرة أمام أرسطو
ومن أجمل ما يرويه ابن سينا في سيرته، قصة حيرته أمام كتاب "ما بعد الطبيعة" لأرسطو. فقد قرأه، كما يقول، أربعين مرة حتى حفظه، دون أن يفهم مقصوده، فيئس منه. ثم صادف يومًا في سوق الوراقين كتابًا صغيرًا لأبي نصر الفارابي في "أغراض كتاب ما بعد الطبيعة"، فاشتراه بثمن زهيد، وقرأه، فانفتحت له مغاليق الكتاب كلها، ففرح فرحًا شديدًا، وتصدق في اليوم التالي بمال كثير على الفقراء شكرًا لله. وتكشف هذه القصة عن صبر نادر في طلب العلم، وعن تواضع العالم الذي يعترف بفضل من سبقه.
وكان من عادته، كما يروي، أنه إذا استعصت عليه مسألة ذهب إلى المسجد فصلى ودعا الله أن ييسر له فهمها، وأنه كان يسهر الليل في القراءة، فإذا غلبه النوم رأى المسائل نفسها في منامه، وربما انحلت له في الحلم.
مكتبة السامانيين: الكنز المحترق
في نحو السابعة عشرة من عمره، استُدعي ابن سينا لعلاج الأمير الساماني نوح بن منصور من مرض ألمّ به، فنجح في علاجه. وطلب مكافأة له أن يُسمح له بدخول مكتبة الأمير، فأُذن له، فوجد فيها، كما يصف، بيوتًا كثيرة في كل بيت صناديق كتب في علم من العلوم، ورأى فيها كتبًا لم يسمع بأسمائها كثير من الناس. فقرأ منها ما شاء، وحصّل منها علمًا غزيرًا. ويُروى أن هذه المكتبة احترقت بعد ذلك بمدة، فاتهمه بعض حاسديه بأنه أحرقها لينفرد بما فيها من علم، وهي تهمة لا دليل عليها.
ويقول ابن سينا إنه حين بلغ الثامنة عشرة كان قد فرغ من العلوم كلها، وإن علمه في ذلك الوقت كان أحفظ، وإنه لم يتجدد له بعد ذلك شيء، وإنما نضج ما كان يعرفه.
حياة الترحال
توفي والد ابن سينا وهو في نحو الحادية والعشرين، وبدأت الدولة السامانية تنهار تحت ضربات القوى الصاعدة. فاضطر ابن سينا إلى مغادرة بخارى، وبدأ حياة طويلة من التنقل بين مدن خراسان وفارس وما حولها: جرجانج (عاصمة خوارزم)، ثم جرجان، والري، وقزوين، وهمذان، وأصفهان.
وتروي المصادر أن السلطان محمود الغزنوي، الذي كان يسعى إلى جمع العلماء في بلاطه، طلب من أمير خوارزم أن يرسل إليه ابن سينا وغيره من العلماء، فرفض ابن سينا الذهاب وفرّ متخفيًا. وكان يعمل في كل مدينة يحل بها طبيبًا أو مستشارًا أو وزيرًا لأمرائها، فقد تولى الوزارة لأمير همذان شمس الدولة البويهي، وعالجه من مرض مزمن.
لكن العمل في السياسة جرّ عليه المتاعب: فقد ثار عليه جنود الأمير مرة، ونهبوا بيته، وطالبوا بقتله، فاختبأ أيامًا. وبعد وفاة شمس الدولة، سُجن ابن سينا مدة في قلعة قرب همذان، بتهمة مراسلة أمير أصفهان علاء الدولة. وكتب في السجن بعض مؤلفاته. ثم تمكّن من الهرب متنكرًا في زي الصوفية مع أخيه وتلميذه الجوزجاني واثنين من غلمانه، ووصل إلى أصفهان، حيث قضى سنوات أكثر استقرارًا في خدمة علاء الدولة.
العمل الليلي: مدرسة في البيت
يصف الجوزجاني نظام عمل أستاذه بأنه كان يقضي النهار في خدمة الأمير وتدبير شؤون الدولة، ثم يجتمع في الليل بتلاميذه، فيقرأ أحدهم في "الشفاء" وآخر في "القانون"، ويناقشون ما يقرؤون، حتى يمضي جزء كبير من الليل، ثم يجتمع بأهل الطرب والموسيقى والشعر. وكان يكتب كثيرًا من مؤلفاته دون الرجوع إلى كتب، معتمدًا على حفظه، فيُروى أنه كان يكتب خمسين ورقة في اليوم.
"القانون في الطب": الكتاب الذي حكم الطب ستة قرون
يُعدّ "القانون في الطب" أشهر مؤلفات ابن سينا وأوسعها أثرًا. وهو موسوعة طبية ضخمة في خمسة كتب:
- الكتاب الأول: في الأمور الكلية في الطب، ويشمل تعريف الطب، والتشريح، ووظائف الأعضاء، وأسباب الأمراض وأعراضها، وحفظ الصحة، وطرق العلاج العامة.
- الكتاب الثاني: في الأدوية المفردة، ويصف نحو ثمانمئة دواء من أصول نباتية وحيوانية ومعدنية.
- الكتاب الثالث: في الأمراض الجزئية التي تصيب أعضاء الجسم من الرأس إلى القدم.
- الكتاب الرابع: في الأمراض التي لا تختص بعضو واحد، كالحميات والأورام والجروح والكسور والسموم.
- الكتاب الخامس: في الأدوية المركبة.
ومن أبرز ما في "القانون" من أفكار متقدمة لعصره:
- إدراكه أن بعض الأمراض تنتقل بالعدوى عبر الماء والهواء والتربة، وتنبيهه إلى الطابع المعدي لأمراض مثل السل.
- وضعه شروطًا منهجية لتجربة الأدوية واختبار فاعليتها، منها أن يُجرَّب الدواء على أمراض بسيطة لا مركبة، وأن تُراعى قوة الدواء مقابل قوة المرض، وأن يكون أثره ثابتًا متكررًا، وأن تكون التجربة على بدن الإنسان لأن أثرها في الحيوان قد يختلف. ويرى بعض مؤرخي العلم أن هذه الشروط من الإرهاصات المبكرة لمنهج التجارب السريرية.
- اهتمامه بالعلاقة بين الحالة النفسية والصحة الجسدية، وتوصيفه لأمراض مثل "العشق" بوصفه حالة لها أعراض جسدية.
- وصفه الدقيق لعدد من الأمراض وأعراضها، وتمييزه بين أنواع مختلفة من الالتهابات والحميات.
- تأكيده على الوقاية وحفظ الصحة بالرياضة والغذاء والنوم والنظافة.
وقد تُرجم "القانون" إلى اللاتينية في القرن الثاني عشر الميلادي على يد المترجم الإيطالي جيرارد الكريموني في طليطلة، وانتشر في أوروبا انتشارًا واسعًا، وطُبع مرات كثيرة بعد اختراع الطباعة. وظل مقررًا دراسيًا في عدد من الجامعات الأوروبية الكبرى، مثل مونبلييه ولوفان، حتى القرن السابع عشر تقريبًا. كما طُبع النص العربي للقانون في روما عام 1593، ليكون من أوائل الكتب العربية المطبوعة في أوروبا.
"الشفاء": موسوعة الفلسفة والعلوم
إذا كان "القانون" موسوعة الطب، فإن "الشفاء" موسوعة الفلسفة والعلوم. وهو كتاب ضخم يقع في أجزاء كثيرة، ويتناول المنطق، والطبيعيات (بما فيها علم النفس والنبات والحيوان والمعادن والآثار العلوية)، والرياضيات (الهندسة والحساب والفلك والموسيقى)، والإلهيات. وقد لخّص ابن سينا أفكاره الفلسفية أيضًا في كتب أصغر، منها "النجاة" و"الإشارات والتنبيهات"، الذي يعد من أنضج أعماله وأكثرها عمقًا.
فيلسوف الوجود: الواجب والممكن
طوّر ابن سينا فلسفة متكاملة، استفاد فيها من أرسطو والأفلاطونية المحدثة والفارابي، لكنه أضاف إليها إسهامات أصيلة. ومن أشهرها تمييزه بين "واجب الوجود" و"ممكن الوجود": فالأشياء الممكنة لا تحمل في ذاتها سبب وجودها، ولا بد أن تنتهي سلسلة أسبابها إلى موجود واجب الوجود بذاته، هو الله. كما ميّز بين "الماهية" و"الوجود"، وهو تمييز كان له أثر بالغ في الفلسفة اللاحقة، شرقًا وغربًا، ومنها فلسفة توما الأكويني في أوروبا.
الرجل الطائر: تجربة ذهنية سبقت عصرها
ومن أشهر ما تركه ابن سينا في علم النفس الفلسفي تجربة ذهنية تُعرف بـ"الرجل الطائر" أو "الإنسان المعلّق في الهواء". فهو يطلب منا أن نتخيل إنسانًا خُلق فجأة كامل العقل، معلقًا في الفضاء، معصوب العينين، لا يلمس شيئًا، وأطرافه منفصلة بعضها عن بعض، فلا يشعر بجسده ولا بأي شيء خارجي. ويقول ابن سينا إن هذا الإنسان سيظل مدركًا لذاته، واثقًا من وجوده، رغم غفلته عن جسده تمامًا. ومن هنا يستدل على أن النفس جوهر مستقل عن البدن. ويقارن كثير من الباحثين هذه الحجة بعبارة ديكارت الشهيرة "أنا أفكر إذن أنا موجود"، التي جاءت بعدها بنحو ستة قرون.
الجدل حول فلسفته
لم تمر فلسفة ابن سينا دون نقد. فقد هاجمه أبو حامد الغزالي في كتابه "تهافت الفلاسفة"، وأخذ عليه وعلى الفارابي مسائل عدة، منها القول بقدم العالم، وإنكار علم الله بالجزئيات على النحو الذي فهمه الغزالي، وإنكار حشر الأجساد. ثم جاء ابن رشد فرد على الغزالي في كتابه "تهافت التهافت"، وإن خالف هو نفسه ابن سينا في مسائل كثيرة. وهكذا صارت فلسفة ابن سينا محورًا لنقاش فكري امتد قرونًا.
الشاعر والإنسان
ولابن سينا شعر، أشهره "القصيدة العينية" في النفس، التي مطلعها:
هَبَطَتْ إِلَيْكَ مِنَ المَحَلِّ الأَرْفَعِ ... وَرْقَاءُ ذاتُ تَعَزُّزٍ وَتَمَنُّعِ
وفيها يصور النفس الإنسانية حمامة نزلت من عالم علوي إلى عالم الجسد، فألفته وحزنت على فراق موطنها الأول. كما نظم أرجوزة في الطب، وأخرى في المنطق، لتسهيل حفظهما على الطلاب.
الرحيل في همذان
في سنواته الأخيرة، أصيب ابن سينا بمرض في الأمعاء أثناء مرافقته علاء الدولة في إحدى حملاته العسكرية، وحاول علاج نفسه، لكن حالته ساءت. ويروي الجوزجاني أنه حين شعر بدنو أجله، ترك العلاج قائلًا ما معناه إن المدبّر الذي كان يدبر بدنه قد عجز عن التدبير، فلا فائدة من العلاج. ثم اغتسل وتاب، وتصدق بما معه على الفقراء، وأعتق غلمانه، وجعل يختم القرآن كل ثلاثة أيام. وتوفي في همذان سنة 428هـ / 1037م، ودُفن فيها.
ويقوم على قبره اليوم في همذان ضريح كبير بُني في القرن العشرين، صار معلمًا ثقافيًا يقصده الزوار. كما تحمل اسمه جامعات ومستشفيات ومراكز بحث في بلدان عديدة، وتمنح منظمة اليونسكو جائزة لأخلاقيات العلوم تحمل اسمه.
خاتمة
عاش ابن سينا نحو سبعة وخمسين عامًا، قضى كثيرًا منها هاربًا أو مطاردًا أو مسجونًا أو منشغلًا بشؤون الأمراء، ومع ذلك ترك عشرات المؤلفات، يقدرها بعض الباحثين بأكثر من مئتي كتاب ورسالة، منها موسوعتان من أعظم موسوعات العصور الوسطى. وتُنسب إليه عبارة يتناقلها الناس، وإن لم تثبت نسبتها إليه بسند موثوق، معناها أنه يفضّل حياة قصيرة عريضة على حياة طويلة ضيقة. ولعل في هذا المعنى سرّ عبقريته: عقل لا يكلّ، وفضول لا يشبع، وإيمان بأن العلم رحلة لا تنتهي. وهكذا بقي "الشيخ الرئيس" شاهدًا على أن الحضارة العربية الإسلامية، في عصرها الذهبي، لم تكن مستهلكة للمعرفة، بل كانت منتجة لها ومعلّمة للعالم.