جلس هذا السلطان الشهير والبطل الكبير وهو السابع من سلالة ملوك آل عثمان على
سرير السلطنة بعد وفاة أبيه وكان سنة إذ ذاك 22 سنة وعقب جلوسه قام عليه كثير من أمراء بلاد ال
أناضول الذين كان فتح العثمانيون بلادهم بدعوى استرداد تلك البلاد فتمكن في آخر الأمر من إدخالهم جمي
عاً تحت لواء الطاعة ولما استلم زمام السلطنة كانت جميع بلاد آسيا الصغرى خاضعة للسلطنة ال
عثمانية ما عدا بلاد ابن كرمان ومدينة سينوب ودولة طرابزون.
أما بأوروبا فكانت دولة القسطنطينية لا تزال على استقلا
لها وبلاد بيلوبونيز (موره) منقسمة بين عدّة أمراء من اليونان واللاطينيين وبلاد البانيا خاضعة لاسك
ندر بك وبوسنة مستقلة تمام الاستقلال وبلاد الصرب تدفع جزية للعثمانيين وما عدا ذلك من الجهات فكان
في قبضة العثمانيين.
كان ملوك القسطنطينية يجتهدون على الدوام في بث الدسائس ونفخ روح العصيان في جسم
مملكة العثمانيين منذ عظم أمرهم وضخم ملكهم ليأمنوا على ما بأيديهم من بقايا الدولة اليونانية العظيمة و
كان الإمبراطور قسطنطين من يوم تبوئه عرش المملكة وهو عامل على طريقة أسلافه من إحداث الثورات
وتنشيط عوامل الاضطرابات الداخلية بالمملكة العثمانية فانتهز السلطان المشار إليه ذلك فرصة ل
اتمام مقصوده ونيل مرغوبه من فتح القسطنطينية سيما وأن أحوال تلك المدينة الداخلية كانت مختلة بسبب ا
لتعصبات المذهبية والقلاقل الدينية.
وبعد أن صمم السلطان على إنقاذ غرضه واحتاط لأمره وأعد جيوشه خرج من أدرنة
عاصمة بلاده بعد أن وطد الأمن في أنحاء المملكة وأدخل تحت لواء طاعته من ثار عليه من الأمراء المار
ذكرهم على رأس جيش كثيف يبلغ مائتي ألف جندي ومعه أسطول مؤلف من ثلاثمائة غراب حربي وكثير من سفن ال
نقل وكان أمر بتجهيزها بمدينة كليبولي قبل خروجه وكانت هذه الأساطيل تحت قيادة بلطه أوغلى سليمان بك ا
لمعتبر لدى الملاحين أوّل قبودان للأساطيل العثمانية ومعه أيضاً كثير من آلات الحصار وأدوات الحرب
والنزال وحاصر مدينة القسطنطينية براً وبحراً.
ولما شرع السلطان في تهيئة الأسباب لفتح القسطنطينية و
أخذ في بناء الحصون على ساحل البحر الأسود أرسل إمبراطور القسطنطينية قسطنطين باليولوغ يتضرع
إليه ويسأله العدول عن مشروعه هذا وفي مقابلة ذلك يتعهد بدفع الجزية التي كان يدفعها سلفه فلم يقبل ا
لسلطان ذلك من رسله ونقل بعض المؤرخين أنه أرسل للسلطان ثانية رسولاً يقول له أن بناء هذه الحصون
والقلاع ما وراءها إلا القتال وتجريد جيوش الشر والحرب فإن لم تحملك المواثيق على عقد الصلح بيننا
فذاك إليك وقد فوضت أمري إلى الله تعالى فإن هداك وعطف قلبك كان ذلك غاية المراد وإن كان قدر لك بفتح
القسطنطينية فلا مرد لقضائه ولا مانع لحكمه وإلا فلا أزال أدافع عنها إلى آخر رمق من حيات
ي.
وقد بذل هذا الس
لطان في أمر حصار القسطنطينية من السعي والإقدام ما جعله يعد من أعظم الفاتحين ولم يترك أية وسيلة ممك
نة لنجاح مرغوبه ونيل مطلوبه فصنع من خوارق العادات ما لم يسمع بمثله.
منها أنه سبك مدفعاً جسيماً من البرونز ق
طره اثنا عشر شبراً يقذف كرة من الحجر يبلغ وزنها اثنى عشر قنطار لمسافة ميل وكان خدامه يبلغون
سبعمائة شخص ويحتاج حشوه لساعة من الزمان ولما أرادوا نقله من مدينة أدرنة حيث صبوه لوضعه على
حصار القسطنطينية خصصوا له خمسمائة زوج من الثيران القوية وثلاثة آلاف جند
ي.
ومنها وهو
أغربها تسيير السفن الحربية على اليبس مسافة فرسخ من عند المكان المسمى الآن طولمة باقجه إلى المكان
المدعو قاسم باشا وكيفية ذلك أنه أمر بناء على إشارة المهندسين بتغطية الأرض التي يراد سحب السفن
عليها بألواح الصنوبر المدهون بالشحم حتى صارت كالمزلقان ثم سحبوها عليها وكانت عبارة عن ثمانين
غراباً وسبعين سفينة خفيفة بقوة الأيدي والآلات المستعملة إذ ذاك لأنه رأى تعذر إدخال السفن إلى
مينا المدينة لأنها كانت مقفلة بأضخم السلاسل الحديدية ومحصنة بأقوى الآلات الدفاعية وأجودها فتمت
جميع هذه الأعمال في ليلة واحدة فقط وعند الصباح اندهش المحصورون تمام الاندهاش حينما شاهدوا أسطو
لاً حربياً تام المعدات انحدر من الشاطئ إلى ميناهم ثم أنشأ العثمانيون في نفس ذلك اليوم جسراً عظي
ماً من السفن المذكورة ونصبوا عليه إحدى بطارياتهم الأربعة عشر كل ذلك على مرأى من المحصوري
ن.
ونقل هامير المؤرخ
أن السفن أثناء سحبها كانت ناشرة شراعاتها وربابينها على مقدّمتها وكانت الأبواق تضرب والط
بول تعزف ولما طلع الفجر شاهد المحصورون أزيد من سبعين سفينة حربية راسية بميناهم
.
ولما علم ال
إمبراطور ضعف عساكره أمام عسكر العثمانيين المنتظمة المدربة على القتال العارفة بأساليبه
أرسل يستغيث بأوروبا النصرانية فأعارته أُذناً صماء وأرسل البابا إليه رسولاً يحرضه على مدا
ومة القتال وشد العزيمة ويعده بأنه سينادي بالحرب المقدسة بين أمم النصارى ومع ذلك فإنه لم يكن بأور
وبا إذ ذاك من ملوك النصارى من له قدرة على مساعدة القسطنطينية ومقاومة جيوش العثمانيين القوية غير
أميرين وهما هونياد أمير تراسل فانيا إلا أنه لم يكن في مقدرته غير حفظ نفسه والآخر هو اسكندر بك الشه
ير الذي كان يهتم في حفظ مركزه بجبال بلاد ايبير كما كان يفعل الدون بيلاج بجبال استورى حين إغارة المس
لمين على بلاد إسبانيا ولما كان لمدينة جنوة منافع تجارية ومواصلات مستمرة مع القسطنطينية ولها عدة
مخازن تجارية بجهة غلطة أرسلت إلى الإمبراطور دوننمه مؤلفة من خمس سفن حربية تحت إمرة رجل شجاع يدعى
جوستنياني ومعه ستة آلاف جندي فتمكن هذا القائد بمهارته من إنزال جيشه إلى البر على مرأى من العثمانيين
وعند ذلك انتعشت قلوب المحصورين وقويت نفوسهم واجتهد ذلك القائد الجنويزي مراراً في إحراق السفن
العثمانية فلم ينجح أصلاً لتيقظ جنودها حتى إنه أتى ذات ليلة تحت دجى الظلام لهذا القصد فوجد جند العثماني
ين متيقظاً فلمحوه ولما همَّ بالرجوع أطلقوا عليه نيراناً قوية فأغرقوا سفينته وكان بها أزيد من
مائتي شاب من متطوّعة الطليانيين ومن أولاد أشرافهم ولم ينج ذلك القائد بنفسه إلا بعد جهد جهيد وعناء
شديد.
ولما تيقن ال
عثمانيون من نجاح مشروعهم وأنهم سيستولون على المدينة لا محالة أرسل السلطان قبل الهجوم العام بيوم
واحد رسولاً إلى الإمبراطور يخبره بأنه إن سلم المدينة من غير قتال فإن السلطان يمنح جميع الرعايا ا
لحرية التامّة ولا يتعرض لهم في شيء أصلاً ويهب الإمبراطور بلاد مورة في مقابلة ذلك فلم يقبل من ال
رسول قولاً وردّه بعد أن وبخّه ومما قال له: إن السلاطين الذين أنوا قبل محمد هذا سعوا في افتتاح ا
لقسطنطينية فلم يقدروا مع ما بذلوه من القوّة والسعي فالأصلح للسلطان أن يرجع بعساكره وهو يتعهد
بدفع الجزية كالأول ولما شكل الإمبراطور مجلسه الخاص وعرضه عليه ما قاله رسول السلطان أطرقت ا
لأعضاء برؤوسهم ولم يعارض واحد منهم دلالة على القبول ما عدا رسول البابا ومندوب إسبانيا وغي
رهما فإنهما أشارا على الإمبراطور بمداومة القتال وانتظار أمداد أورو
با.
لما شرع السلطان
في الهجوم العام رتب عساكره وقسمهم إلى فرق تحت قيادة أمهر ضباطه ونادى مناديه في المعسكر بأن أوّل
من يتسلق سور المدينة من العسكر يوليه السلطان ولاية من أغنى الولايات وينعم عليه بالعطايا الوافرة
والإنعامات الجزيلة وأخذ هو يجول بين الصفوف على ظهر جواد يحرض الجند ويستحثهم وأمر فسار المتطوّ
عون أمام العسكر وبيد بعضهم أحجار وبيد البعض الآخر أخشاب أو أكياس ملئت بالطين والرمل ليلقوها
بالخندق لتكون كالجسر يعبرون عليه لامتلاك المدينة.
ولما صدر لهم الأمر بالسير اندفعوا كالسيل المنهمر وانقض
وا كالأسود وصاروا يلقون ما بأيديهم بالخنادق فأنصبت عليهم من أعلى السور نيران الأعداء وقتلت منهم
كثيراً وأظلم الجو من دخان المدافع وحجبت الشمس حتى صار النهار ليلاً وقابلتهم سهام الهاجمين كل ذلك
والجيوش المنتظمة لم تبد أقل حركة مدة ساعتين حتى تعب عسكر الإمبراطور وضعفت نيرانهم فعند ذلك
تحركت تلك الفرق وزحفت على الأسوار بقلوب لا تخاف الموت وأمامهم أبراج من الخشب على عجل يجرها ال
جند مكسوة من الخارج بجلود يبلونها بالماء على الدوام لتمنع تأثير النيران التييقذفها المحاصرون و
بداخلها عدد من أبطال الجند معهم آلات الدفاع.
وشرع النقابون من أهالي توقات في نقب الأسوار ورميت سلالم التسلق على ال
أبراج واشتبك القتال وقويت نيران الأعداء بعد ضعفها وفتحت مدافع العثمانيين أفواهها الشبيهة
بالبراكين حين ثورانها وقذفت عليهم مقذوفاتها الهائلة وصار الإمبراطور يطوف بنفسه على العسكر
ليبعث فيهم روح القوّة الخامدة ثم اقترب العثمانيون من الأسوار جدّاً وضربت مدافعهم أغلب الحصون
والأبراج وعبروا الخندق على الجثث الملقاة به ودخلوا المدينة فاستولوا عليها عنو
ة.
ويقال إن ال
إمبراطور قتل أثناء مقاومته الهاجمين خلف الباب ويقال إنه أصابه سهم وهو فوق السور يحرض عسكره
فخر قتيلاً وسمعه أحد عسكره المنهزمين يتضرع إليه بأن يحتز رأسه لكي لا تعلم جثته بين القتلى فيمثل بها
المتغلبون.
وكانت القسطنطين
ية في غاية المنعة متينة الأسوار والحصون والأبراج وقد حوصرت تسعاً وعشرين مرة وكانت هي المنص
ورة وكان بها من السكان إذ ذاك أزيد من 300 ألف نسمة.
ولما استولى السلطان المشار إليه على تلك المدينة الجسيمة و
امتلكها بحق الافتتاح أبقى للنصارى عدّة كنائس خصوصاً الكنائس الموجودة بالقسم المنخفض من المدي
نة فإنها لم تُمس أصلاً ووجد الفاتحون بالمدينة من الأموال والنفائس والأمتعة الثمينة شيئاً كث
يراً جداً خصوصا ما كان للقياصرة بقصورهم.
ومما يدل على مكارم أخلاق هذا السلطان أنه أبقى للنصارى خلاف ما أبقاه لهم من الك
نائس والصوامع كنيسة وحارة بتمامها مراعاة لمهندس معماري يدعى كريستبول كان استعمله السلطان
محمد في بناء بعض المباني وأعطاه تلك الحارة بتمامها لتكون ملكاً له ولذريته من
بعده.
قال فولتير بعد
روايته هذه الحادثة: ليست هذه الحادثة من الحوادث التي تستحق الذكر في التاريخ أي أن مهندساً كان يمتلك
حارة بتمامها بل القصد أن نبين أن الأتراك لم يعاملوا النصارى بقسوة كما نعتقده نحن ولا تجيز أمة من
أمم النصارى أن يكون للمسلمين مسجد ببلادها أصلاً بخلاف الأتراك فإنهم يسمحون لليونان المقهورين بأن
تكون لهم كنائس وكثير من هذه بجزائر الأرخبيل تحت مراقبة أحكامهم .
وكان استيلاء العثمانيين على هذه المدينة ا
لعظيمة في يوم الثلاثاء عشرى شهر جمادى الآخر سنة 857هـ 29ماية 1453م بعد حصار دام ثلاثة وخمسين يوماً
حسب رواية غالب المؤرخين، وقد أرخ بعضهم سنة افتتاحها بقوله: بلدة طيبة ولما دخلوا المدينة بحثوا عن
جثة الأمبراطور بين القتلى ولما وجدوها حسب دلالة من يعرفه دفنوها بما يليق بها من التعظيم في مقابر
الملوك وافتدى السلطان كثيراً من أمراء اليونان ممن كان وقع في يد العسكر أسيرا
ً.
وقد أوقع هذا ال
ظفر جميع أوروبا في الحيرة والاندهاش فهاجت ملوكها وماجت وأظهر السلطان مزيد التفاتة لراحة ال
رعايا وأمر للنازحين منهم بالعودة إلى أوطانهم وبحريتهم في معتقداتهم وأصولهم الدينية وبحسن تدبيره
جعل شعلة هذا الهيجان تخمد نوعاً.
قال بعض المؤرخين: لما سقطت القسطنطينية في يد الفاتحين وقع الرعب في قلوب جميع سكان ممالك
اليونان حتى كأنهم أصيبوا بمصيبة عظيمة فهاجت سكان مورة والجزائر المجاورة لها وتركوا مواطنهم
هائمين على وجودهم لا يدرون أي جهة يقصدون.
ثم أمر السلطان بانتخاب بطريق لليونان حسب عادتهم فانتخب جورج جيناد يوس وألبسه
التاج بيده وسلمه عصا البطارقة وقال له إذ ذاك: كن بطريرقاً لأمتك وليحفظك المولى ويجب عليك في جميع
الأحوال أن تتأكد من محبتي وخلوص طويتي إليك وتتمتع بالمزايا التي كان يتمتع بها أسلافك من قبل ولما
أمن اليونان على أنفسهم وأموالهم وحرية عبادتهم أصدر السلطان المشار إليه فرمانا يصرح لهم فيه بحكم
أنفسهم بأنفسهم فشكلوا طائفة منفصلة تمام الانفصال عن الأمة الفاتحة وكان بطريرقهم جائزاً
لرتبة وزير ودرجة شرف بين ضباط الانكشارية.
وبعد أن أتّم السلطان تنظيم أحوال هذه المدينة العظيمة وإصلاح ما تخرب من حصونها
سافر في سنة 858هـ بالجيوش الكثيرة العَدَد والعُدَد لفتح بلاد جديدة فغزا مقاطعة بوسنة واستولى
على أكثر بلادها وأضافها إلى أملاكه ثم قصد بلاد موره فأسرع أميراها هادمتر يوس وتوماس قسطنطين
وطلبا من السلطان أن يقبل منهما دفع جزية سنوية قدرها 1200من الذهب فقبل منها وكان أرسل قبل ذلك أس
طولاً تحت قيادة الرئيس خاص يونس ففتح قلعة أينوز وجزيرتي سمايرك وطاشيوز،وكانتا للبنادق
ة.
ولما عاد السلط
ان إلى أدرنه قتل وزيره جندره سي قرة خليل باشا بتهمة أخذ الرشوة من إمبراطور القسطنطينية وقت ال
فتح وقد كان الوزير المذكور يجتهد ويبذل المساعي في تحويل فكر السلطان وصرف عزمه عن فتح القسطنطين
ية وقد كان قبل ذلك أيضاً اجتهد في تثبيط همة السلطان بايزيد عندما أراد مقابلة جيش المتفقين في الوا
قعة الشهيرة التي انتصر فيها بورنة وقد عزل السلطان أيضاً كلا من الوزيرين يعقوب باشا ومحمد باشا
لسوء طنه في سلوكهما نفيا إلى بعض البلاد البعيدة وبعد قتل خليل باشا بقي مسند الصدارة خالياً مدّة
سنتين إلى أن وجهت إلى محمود باشا الشهير.
ولما كان فتح القسطنطينية قد أثار عوامل الغضب والحقد عند ممالك أوروبا خصو
صاً بابا رومية كالكستوس الثالث منهم لما كان يرجونوا له من ضم الكنيستين الشرقية والغربية إلى
بعضهما سعى في تأليف حملة صليبية فتم له ذلك وأغار جيش أوربى مختلط على حدود المملكة العثمانية بأور
وبا سنة860 هـ 1456 م فلما بلغ السلطان محمد الفاتح نهض بجيش يبلغ 150ألف مقاتل وأسطول مركب من
200سفينة وذلك بعد أن رتب إدارة الأمور بالقسطنطينية وحاصر مدينة بلغراد عاصمة بلاد الصرب براً
وبحراً وكاد يفتحها إلا أنه في خلال ذلك هاجم جان هونياد قائد المجر أساطيل العثمانيين وأتلف منها ق
سماً عظيماً وكان دخل المدينة قبل حصارها ودافع عنها دفاع الأبطال فالتزم السلطان بترك حصار بل
غراد بعد أن قتل من جيشه عدد كبير وقد جرح هونياد في هذه الحرب جرحاً بليغا مات به بعد عشرين يوماً من رفع
الحصار ولما علم السلطان بموته أرسل محمود باشا الصدر الأعظم فأتم فتح بلاد الصرب 860هـ
.
وبذلك فقدت هذه ا
لبلاد استقلالها تماماً ثم توجه إلى مورة عن طريق سيروزو يكيشهر واستولى على مدينة كورنثة وما جاو
رها من البلاد وبذلك لم يبق لتوماس بالبولوغ أخي قسطنطين شيء من البلاد التي كانت له ثم أراد التقدّم
لفتح بلاد مورة تماماً إلا أن ديمتر يوس تعهد بدفع الجزية فقبل السلطان ورجع عنه في هذه المرة ومع
ذلك فإنه لما أظهر الطغيان بعد بقليل دخل السلطان بلاده في هذه السنة فأخضعها تماماً وفر توماس إلى
إيطاليا وتوفي ديمتر يوس في إحدى جزائر الأرخبيل.
لما نال السلطان مراده من الاستيلاء على ب
لاد الصرب واليونان حول عزيمته لتسخير الممالك الباقية في حالة استقلال على سواحل البحر الأسود وهي
أماصره وطرابزون وسينوب وكانت الأولى تابعة للجنويزيين والثانية وهي طرابزون تابعة لأمراء من
بيت قياصرة القسطنطينية وكانت تشكلت حين إغارة الحملة الصليبية الرابعة سنة 600هـ على مدينة القسط
نطينية واستيلائهم عليها فتم له فتح أماصرة سنة 865 هـ وأخضع أيضاً مملكة طرابزون ولم ينفعها تصدي
الأمير أوزون حسن لحمايتها من مخالب العثمانيين سنة 865 ثم نقل ملكها داود كومنين هو وعائلته إلى القس
طنطينية ورتب السلطان لهم ما يكفيهم من المرتبات.
أما مدينة سينوب فقد استولى عليها من يد صاحبها إسماعيل بك من
عائلة اسفنديار وهم بقية من طوائف ملوك الإسلام كانوا يحكمون قسطموني وسينوب وهم وإن كانوا ي
دفعون للدولة أتاوة سنوية معينة إلا أنهم كانوا لا يفترون عن بث الدسائس وإقلاق الراحة بجهات ال
دولة العثمانية كلما تمكنوا من ذلك ولما رأى السلطان أن بقاء هذه الإمارة وإن كانت خاضعة له عرقلة
لمساعيه، أراد محو استقلالها وضم الممالك الإسلامية المتفرقة إلى بعضها ولذلك أصدر أمره إلى وزي
ره الأعظم محمود باشا بمداركة ما يلزم لفتح تلك الإمارة، فساق عليها جيشاً برياً واسطولاً مؤلفاً
من مائة غراب حربي .
بعد عودة السلطان من غزواته المذكورة اهتم بتقوية البحر
ية فأنشأ كثيراً من السفن الحربية على أشكال أساطيل البنادقة وسارت الدوننمة العثمانية تخرج سنو
ياً للغزو في بحر الأرخبيل لإظهار آثاراً البسالة العثمانية لكسان جزائره ولما كانت جزيرة مديللي
واقعة على طريق بوغاز الدردنيل صمم السلطان على ضمها لأملاكه تأمينا لهذا الطريق فأرسل وهو في كلي
بولي سنة 866 هـ1462 م الوزير محمود باشا مع الجيوش براً وساق أساطيل الاستانة وغليبولي بحراً فل
ما وصلت الأساطيل إليها نقلت الجيوش من ساحل الأناضول إلى الجزيرة وشرع في حصارها فحضر حاكمها و
أظهر الخضوع فاستولى الباشا على قلعتها وباقي البلاد الموجودة بالجزيرة وعين لها محافظاً وقاض
ياً وحامية ثم عاد ظافراً ومن وقتئذ أخذ السلطان يشيد الحصون والقلاع في بوغاز الدردنيل وجزيرة
بوزجه أطه لحماية طريق القسطنطينية.
أنه لما يئس ملك بوسنة من المداخلة في أمور بلاد الصرب كما قلناه فيما سبق أظهر
التمنع عن دفع الجزية السنوية المضروبة عليه سيما أنه كان رأى قرب وقوع الحرب بين العثمانيين وال
بنادقة، لهذا رأى السلطان ووزراؤه أن من الوجوب الاستيلاء على بلاد بوسنة ليتمكنوا من تهديد بلاد ا
لبنادقة فلهذا أمر وزيره الأعظم محمود باشا سنة 867هـ بالخروج من مدينة أسكوب لمحاربة ملك بوسنة
ولما وصلت الجنود العثمانية إلى بوسنة أخذت في مطاردة ملكها الذي كان يفر أمامها من نقطة إلى أخرى إلى
أن حاصروه ببلدة كلوجي ولما رأى عدم مقدرته على المدافعة سلم نفسه وخضع أيضاً جميع من بالقلاع والمدن
من الحكام.
قد كانت بلاد روسيا الشرقية وشبه جزيرة القريم وجميع الجهات الواقعة شمالي ال
بحر الأسود يحكمها من زمن جنكيزخان أمراء من التتار وكانت الطوائف المذكورة اعتنقت الدين الإسل
امي من عهد تيمور لنك وقد كان تيمور جمع الطوائف النازلة ببلاد قازان وأزدرهان والقريم وقبجاق من
التتار وشكل منها مملكة القبجان وقد استمرت هاته الحكومات زمنا طويلاً فاتحة قوية إلا أنه بعد مدة
اعتراها الوهن والاختلال فانتهز الجنويزيون فرصة ضعفهم واستولوا على ثغو آزاق وكفه ومنكوب
وغيرها واتخذوها محطات للتجارة وكانوا ينتفعون كثيراً من وقوع الاضطرابات بين الممالك المذكو
رة وفي سنة 880هـ أمر السلطان وزيره الأعظم كديك أحمد باشا بالذهاب إلى تلك الجهات وفتحها وطرد ا
لجنويزيين منها وكان تولى الصدارة بعد عزل محمود باشا ثم خرج إليها يقود 300سفينة بين حربية ونقلية و
أخضع البلاد التي كانت في قبضة الجنويزيين بأكملها وطردهم من تلك الأطراف واتفق في تلك الأثناء أن
الحاج كراى آخر ملوك القبجاق كان توفي وترك اثنى عشر ولداً ذكراً فقام هؤلاء الأولاد على بعضهم كل
ٌّ يدعى حق الملك واستمرت المحاربات بينهم زمناً وطويلاً حتى ضعف حالهم وانقسمت مملكتهم فقام عند ذلك
علماء القريم وأشرافها وعرضوا للسلطنة العثمانية بمحضر قدموه يلتمسون إصلاح ذات البين وتقرير
قواعد النظام والسكينة ببلادهم وقد كان العثمانيون وجدوا من ضمن الأسرى الذين قبضوا عليهم بمراكب
الجنويزيين منكلى كراى أحد أولاد الحاج كراى ولما عرفوه أظهر له السلطان الاحترام وعامله بما يليق و
أطلعه على المحضر المقدم من أهل بلاده ثم نصبه خاناً على بلاد القريم بالنيابة عنه وأنعم عليه بالخلع ا
لسنية والتشريفات المخصوصة وأرسله إلى بلاده وقعد ذلك صارت بلاد القريم ولاية ممتازة تابعة للد
ولة العثمانية 880هـ وانتقلت جميع المنافع التجارية التي كانت للجنويزيين بتلك الجهات إلى يد العثمانيي
ن.
لما بلغ السلطان سنة885 هـ 1480 م أن سفن قرصان أسير جزيرة رودس وهو من نسل
أمراء الصليبيين الذين بعد أن طردوا من الديار الشامية تمكنوا من الاستيلاء على جزيرة رودس وجعلها
داراً إقامة لهم وكانوا أخذوا يهتمون في بناء السفن الحربية وإرسالها للصيال والفتك بسفن ال
تجارة العثمانية وكانت أضرت بها كثيراً صمم السلطان على تسخير هذه الجزيرة المهمة لتأمين طريق ال
تجارة فأرسل عمارة بحرية مؤلفة من 160سفينة حربية وجيشاً برياً يبلغ مائة ألف مقاتل تحت قيادة مسيح
باشا ولما وصلت هذه القوّة إلى الجزية حاصرت المدينة وبعد مدّة استولت على بعض الحصون لكن لما
أصدر هذا القائد لجنوده الأمر بعدم التعرض للغنائم وقع منهم هذا الأمر أسوأ موقع لمنعهم عن ال
تمتع بالفوائد المطلوبة والثمرة المرغوبة ونتج عنه تكاسلهم وتراخيهم عن الهجوم وبعد حصار ثل
اثة شهور التزم مسيح باشا بالرجوع عنها وتأخر فتحها نحو خمسين سنة ومع ذلك لم تفترهمة هذا السل
طان العظيم عن الفتوحات بل جهز في سنة 886هـ 1481 م جيشين عظيمين أحدهما لفتح جزيرة قبرس وقاد الثاني
بنفسه لغزو بلاد العجم وبينما هو في الطريق أدركته الوفاة.
ولما كانت البحرية العثمانية في أيامه تقدمت كثيراً عده ال
مؤرخون مؤسساً للبحرية العثمانية وقد فتح العثمانيون في زمنه فتوحات كثيرة وتمهدت أركان السلطنة
عن ذي قبل بحيث أصبحت حاكمة على جميع جهات البحر الأسود تقريباً وبحر مرمراً كله والقسم الأهم من جزر
الأرخبيل ولو لم يكن له إلا فتح القسطنطينية لكفاه فخراً ومجداً.
وترك من الأولاد الذكور اثنين الأمير بايزيد والأمير
جم.
وكان ملكاً جليلاً
يعجز الواصفون عن مقدار فضائلة ومحاسنه وكان رحمه الله محباً للعلم والعلماء شجاعاً كريماً عاق
لاً له الفتوحات العظيمة والمآثر الجسيمة معدوداً من أعظم الفاتحين وأسمى المتغلبين وهو الذي افتتح
مدينة أتينا وكسر أساطيل البنادقة مراراً حتى جبرهم على دفع الجزية له ونزع من بلاد إيطاليا عدة مدا
ئن وافتتح دولة طرابزون وغير ذلك، ثم في أثناء مشروعاته الجسيمة اعتراه مرض أوقف أخراجها من ا
لقوّة إلى الفعل فانتقل إلى رحمة ربه في سنة 886 هـ 1481 م بمدينة ككبوزه بعد أن حكم اثنتين وثلاثين سنة
حكماً مكللاً بالنصر والمجد ودفن بجامعه الذي شيده بالقسطنطينية المعروف باسمه وكان قبل وفاته ي
ستعد للتغلب على جزيرة رودس ونزعها من يد طائفة الفرسان لكثرة شرورهم ونهبهم سفن المسلمين ويقود
بنفسه جيشاً لافتتاح مدينة رومة.
ولقد كان الاستيلاء على مدينة القسطنطينية في مدّة هذا السلطان من أعظم الدواعي لتقدم الممل
كة العثمانية وضم أجزائها إلى بعضها لأنه لم يكن من المناسب بقاء دولة مستقلة وسط دولة أخرى و
اسعة الأطراف خصوصاً إذا كانت هذه الدولة الثانية عاملة على بث عوامل الشرور في جسم المملكة ا
لأولى كما كانت تفعله دولة القسطنطينية الضعيفة. زيادة عن أن وقوع القسطنطينية في وسط المملكة ال
عثمانية يكون بعد فتحها العاصمة التي منها يمكن لسلاطين آل عثمان مراقبة أطراف مملكتهم شرقاً و
غرباً وشمالاً وجنوباً ولذلك فإنهم بعد فتحها نقلوا إليها عاصمتهم لوقوعها في المكان المتوسط من
أملاكهم.
وكان هذا السلط
ان من أعظم ملوك زمانه تهذيباً وعلماً فكان يحسن العربية والفارسية والتركية واليونانية واللاطين
ية وغيرها وله ميل شديد لفن التصوير ويعرف ما يمكن معرفته إذ ذاك من الجغرافيا والتاريخ والرياضة و
كان يقرأ القصائد اللاطينية التي كانت الشعراء من أهل البنادقة والجنويزيين يمدحونه بها وكان يطالع
مؤلفات بلوتارك بمواظبة ويهتم في تقليد اسكندر الأكبر وقيصر والفاتحين الشهيرين الذين ذكرهم هذا
المؤلف وقد اتفقت أقوال مؤرخي اليونان والبنادقة والجنويزيين على محبة السلطان محمد للعلوم وانك
بابة على دراستها ولما سمع بشهرة المصور البندقي جنتيلي بيللينوا حضره لديه فلما قدم أحسن وفادته و
غمره بالهدايا وأنعم علهي بتاج وقلادة من الذهب وغير ذلك ورده إلى بلاده مع الاحترام اللائق بأمثا
له وكان يحضر بنفسه امتحان العلماء والفقهاء المستعدين للترقي في الدرجات العلمية السامية وأعلى
شأن العلم كثيراً وعضده.