خرج بياله باشا 966سنة بعمارة حربية مؤلفة من 88 سفينة وتقابل في مياه سبيانجه بسفينة طليانية فقبض عليها ولما استنطق طائفتها علم منهم أنه لما زادت الدولة العثمانية قوّتها البحرية في سواحل بلاد الجزائر ومالطة خافت طائفة فرسان مالطة واستغاثت بأوروبا والتمست من حكومتها البحرية إمدادهم بالأساطيل فتداولت تلك الحكومات في الأمر ثم أقروا وأعموماً على مهاجمة العثمانيين فنقل بياله باشا هذا الخبر إلى السلطان الذي اهتم بالأمر غاية الاهتمام وأرسل من إستانبول اثنتي عشرة سفينة لتقوية العمارة العثمانية على أعدائها وأمره السلطان بالتربص في سواحل الأرنؤد لاستطلاع أحوال العدوّ وتقوية حصون تلك البلاد فقام بباله باشا بتنفيذ هذا الأمر كما يجب ثم عاد بالعمارة في الشتاء إلى خليج إستانبول.
وبعد وصوله بقليل ورد خبر من بكلر بك طرابلس الغرب طورغود باشا ينبئ بأنه بعد عودة الدوننما العثمانية من البحر المتوسط الأبيض حضرت أساطيل الدول المتحدة إلى جزيرة جربة وأخذت في إقامة الاستحكامات بقصد الاستعداد للهجوم على طرابلس الغرب في أول الربيع وبناء على ذلك صدرت أوامر السلطان ببناء وتجهيز السفن للسفر وقام بياله باشا بمباشرة وتنفيذ هذه الأوامر وصار يراقب دار الصناعة باستانبول وكليبولي بنفسه حتى تمكن بعد قليل من بناء 120 سفينة.
وفي اليوم الثامن من شهر رجب سنة 967هـ 1560 م أبحر بياله بالأساطيل المذكورة وما زال يجد في السير حتى وصل إلى جزائر قيون حيث تلاقى مع السفينة التي أرسلها طورغود باشا حاملة أخباره وبعد أن اطلع على ما تحمله من المكاتيب أخذ في السير وفي تلك الأثناء قبضت فرقة العمارة التي تحت قيادة أولوج على رئيس وكانت في المقدمة على سفينة حربية للأعداء بقرب متون وعلم من طائفتها التي وقعت بيد العثمانيين أقوال مطابقة تماماً لما كان أخبر به طورغود باشا أي أن دوننمات الدول المتفقة تقصد الهجوم أولاً على طرابلس الغرب ثم اجتمع بياله باشا بفرقتي مصطفى بك حاكم مديللي وقورداوغلي أحمد بك بك رودس بمياه متون المذكورة وسار الجميع يقصدون طرابلس الغرب.
وفي يوم 18شعبان سنة 967هـ 1560 م تحركت الأساطيل العثمانية عند الفجر وما زالت تتقدم نحو الجزيرة حتى شاهد الاسطولان بعضهما عند ذلك أخذ الطرفان في التعبية والتصفيف ثم ابتدأت السفن العثمانية بإطلاق مدافعها المشهورة بسرعتها حتى دمرت للأعداء جملة سفن وتعطلت جملة غالونات عن الحركة فتوقفت عن إطلاق نيرانها فانتهز العثمانيون هذه الفرصة وتقدمت فرقة من أسطولهم حتى دخلت وسط صفوف سفائن العدوّ وفرقتهم إلى شطرين وبذلك التجأ من الجناح الأيمن14 سفينة إلى مينا جربة وخرجت السفن التي كانت تحت قيادة اندريادوريا إلى عرض البحر فترك بياله باشا عند ذلك فرقة من أساطيله في جربة وخرج هو بباقي السفن لتعقب العدو وما زال يطارده حتى استولى منه على سبع وعشرين غليونا وعشرين شانية إلا أن غالبها غرق مما أصابه من المقذوفات وفر الأميرال إندريادوريا تاركاً في قبضة العثمانيين كثيراً من أمراء أوروبا وبرنساتها.
وفي يوم دخول الأساطيل العثمانية الاستانة أشرف عليها السلطان من قصر مطل على البحر وكان دعا الأمراء العظماء والسفراء لهذا الاحتفال فدخلت الأساطيل رافعة أعلام النصر تلوح على وجوه قوادها علامات الشجاعة والفوز تجرّ خلفها ما استولت عليه من سفن الأعداء حاملة ما غنمته من الغنائم النفيسة فكان لذلك منظر من أحسن المناظر وأبهجها وكان قبودان الأساطيل العثمانية علق العلم الإسبانيولي في وسط السارية كما يكون ذلك في حالة الحزن دلالة على ما لحق الإسبانيول ومحالفيهم من القهر والنكال وأصعد الدون الوارو وغيره من القواد والأسرى إلى أعلى مكان بمؤخر السفينة (كمبانا) ومرت الأساطيل على هذه الحالة عند ذلك قام سفير فردينند إمبراطور ألمانيا وهنأ السلطان على الانتصار العظيم فأجابه السلطان بقوله: إذا افتكر الإنسان في أن هذا التوفيق العظيم قد ساقه إلينا الباري جل وعلا بألطافه الإلهية فلا داعي إذن للغرور أو التفاخر .