تبوأ تخت الخلافة بعد خلع عمه وعمره إذ ذاك 35 سنة وكانت الأحوال مضطربة بثورة اليكجرية والعجم تهدّد حدود الدولة الشرقية ولما جلس وجه مسند الصدارة العظمى إلى طوال عثمان باشا ورياسة البحرية إلى جاهين محمد باشا فأخذا الوزير الجديد يهتم في إطفاء لهيب الثورة فقتل ونفى نحو خمسة عشر ألف نفس من الثوار وبذلك عادة السكينة إلى ربوعها.
بعد أن سكنت الاضطرابات وركدت زوابع الفتن الداخلية واستقر الأمن التفتت الدولة إلى الاهتمام بحروب إيران وأخذت تجهز الجيوش ثم تقدم سر عسكر الشرق والي بغداد أحمد باشا لمنازلة العجم ولما تقدّم طهماسب شاه لاسترداده همذان قابلته الجيوش العثمانية بصحراء قوريجان وحصلت بينهما مقتلة عظيمة انتصر فيها العثمانيون وفتح علي باشا ابن الحكيم أرمية وتبريز 1144 هـ .
ولما يئس طهماسب من نوال ما يبتغيه طلب الصلح فعقد معه السر عسكر أحمد باشا معاهدة من شروطها رد ولايتي تبريز وهمذان إلى الشاه وبقاء روان وشروان للدولة ولما علم السلطان بما فعله السر عسكر المذكور غضب جدّاً عليه لإقدامه على ذلك من نفسه ولأنه كان في إمكانه أن لا يترك للعجم شيئاً ما دامت العساكر العثمانية هي الغالبة فعزله هو وباقي الوزراء وعين للصدارة حكيم أوغلي علي باشا وللبحرية عبدي باشا ولكنه توفي بعد مدّة قصيرة وأعيد جانم خواجه محمد باشا للقبودانية العامة ثم إن نادر علي خان أحد أمراء لعجم وجد وسيلة لإبراز ما في ضميره وطعن في حق من كان السبب في عقد هذه المعاهدة وأجلس الشاه عباس الثالث مكان الشاه طهماسب واستقل هو بلقب وكيل الشاه ثم جمع الجموع وهاجم العراق وحاصر بغداد ولما بلغ الدولة خبر ذلك أرسلت جيشاً عظيماً تحت قيادة الصدر الأسبق طويال عثمان باشا فردهم عن بغداد مقهورين ورجع نادر علي خان مجروحاً إلى همذان1146 هـ .
إلا أنه عاد في هذه السنة فجمع الجموع وتجاوز الحدود العثمانية وانقض على جيوشها وكان السر عسكر طو ال عثمان باشا مريضاً في خيمته فلم يقدر على تولي القيادة العامة ولم يحسنها من أنابه عنه فتقهقرت الجيوش العثمانية وقتل السر عكسر المذكور وتشتت الجيش1146 هـ ثم ساقت الدولة في السنة التالية جيشاً آخر تحت قيادة كويريلي زاده عبد الله باشا فانكسر أيضاً وقتل بجوار روانه في واقعاة أربه جايي1148هـ وبذلك انتقلت جميع البلاد التي كانت فتحتها الدولة من إيران إليها ثانية وجلس نادر علي شاه على تخت العجم وثبتت قواعد سلطنته وطلبت الدولة الصلح وبعد المداولة تمّ الاتفاق بينهما في تفليس1149 هـ 1736 م على شرط إرجاع الحدود القديمة إلى ما كانت عليه في مدّة السلطان مراد الرابع.
حرب الروسيا والنمسا ومعاهدة بلغراد
لما انكشفت نيات الروسيا بخصوص ويلونيا والعجم للدولة العثمانية واتفق موت أوغوست الثاني ملك يولونيا وصار ملكها السابق إستانسلاس مرتبطاً مع لويس الخامس عشر لزواجه بابنته سعت حكومة فرانسا لدى أمراء يولونيا حتى انتخبوه ملكاً عليهم كما كان 1146 هـ .
إلا أن النمسا والروسيا انتخبتا أوغست الثالث منتخب ساقسونيا ولم يراعيا أميال الأهالي في ذلك واستعملت أمبراطورة الروسيا أنا أيوانونا الكبرياء والجبروت في هذه المسألة فقامت فرانسا وأشهرت الحرب بخصوص يولونيا على الروسيا والنمسا وأوعزت إلى سفيرها بالآستانة الماركيزدي ويلنوف (VILLENEUVE) بأن يسعى جهده لحمل الدولة العثمانية على الاشتراك مع فرنسا في هذا الحرب وزودّته بالتعليمات التي من مقتضاها أن امتداد نفوذ الروسيا مضر بمستقبل الدولة العثمانية وكان الصدر حكيم أوغلي علي باشا من الواقفين على سر سياسة الروسيا وشديد ميلها للفتح فأظهر عظيم المخالفة لأعمال الروسيا حتى التزم الباب العالي إعلان الحرب على الروسيا ولما استشعرت النمسا بمساعي فرنسا لدى الدولة العثمانية خافت من ضياع النتيجة في مسألة يولونيا وأسرعت إلى مصالحة فرنسا وعقدت معها معاهدة في ويانة1148 هـ 1735 م .
فكفت يدها عنها بذلك ثم اشتركت مع الروسيا لمحاربة الدولة العثمانية وحسنت لها إظهار العداء للعثمانيين فقامت الروسيا في أواخر حرب إيران 1148 هـ ومنعت قيلان كراي خان القريم وجيوشه من المرور من مملكتي داغستان وقبارطاي عند ذهابه لإمداد جهات شروان مدعية إن المملكتين المذكورتين هما من أملاكها ولا يحق لدولة أخرى العبور منهما بغير رضاها ولما احتجت الدولة على ذلك أخذ سفير الروسيا في استانبول المسيو نبلويه ف يقيم الأدلة على صحة دعوى دولته فلم تقبل منه الدولة قولاً ولما تم الصلح مع إيران تعين السلحدار محمد باشا للصدارة وفي خلال ذلك ساقت الروسيا جيشاً عظيماً تحت قيادة الفلدمارشال مونيخ وحاصرت فرقة منه قلعة أزاق ودخلت فرقة أخرى من برزخ أورقيو وهددت بلاد القريم وهاجمت فرقة ثالثة قلعة قيلبرون (KILBURN).
وعند ذلك اضطرت الدولة العثمانية لإعلان الحرب على الروسيا وسار الصدر الأعظم الجديد بالجيوش لقيادة أوردي بابا طاغ ولما لم تكن دولة النمسا على قدم الاستعداد للحرب قصد شارل السادس أمبراطورها تأخير الدولة عما شرعت فيه من التجهيزات بإطالة زمن المخابرات حتى يتمكن من التجهيزات وأوعز إلى المسيو طلمان سفيره في استانبول بالوساطة لإزالة الشقاق حقناً للدماء فأخذ يتخابر مع الصدر الأعظم في بابا طاغ ويماطله مدّة شهر من الزمان وفي أثنائها ساقت النمسا جيوشها على قلعة نيش وشهركوي ودخلت عساكرها بلاد بوسنة ثم تقدّمت الجيوش العثمانية بعد ذلك وحاربت النمساويين في ولاية بوسنة وشتت شملهم في الوقائع التي حصلت في سنة 1149هـ و 1150هـ و 1151هـ واسترد كويريلي حافظ أحمد باشا جهات نيش وشهروي ثم عاد مظفراً إلى بلغراد وهزم سر عسكر ويدين عوض محمد باشا بمساعدة القائدين السابق ذكرهما جيشاً ثالثاً للنمساويين كان يتقدّم على ويدين وأحرق العثمانيون لهم سبع مراكب حربية في البحر تجاه قلعة اليزابيت ثم عبرت الجيوش العثمانية نهر الطونة واستولوا على أراضي يانجوه وحوالي مهاديه (MOHAIA) وأقليم بانات أو طمشوار واغتنمت كافة مدافع ومهمات النمساويين وفتح الصدر الأعظم يكن محمد باشا أورسوه (ORSOVA) وفتح الإسلام وقلعة أطه وسمندرة على التووالى 1150هـ .
وعند ذلك التزمت النمسا أن تطلب الصلح 1158هـ 1738 م وتوسط سفراء فرانسا وهولاندة والسويد في ذلك وفي تلك الأثناء انتصرت اليوش العثمانية أيضاً في واقعة كروسكا (KROZKA) على قائد جيوش النمساويين القونت والليس (WALLIS) 1152هـ وحاصرت استوار ولو احتاط الصدر الأعظم للأمر قليلًا لكان أسر جيش الأعداء بتمامه وفي السنة المذكورة هزمت الجيوش العثمانية أيضاً جيوش الروسيا بقرب شاطئ نهر بروت وجهة أورقيو و ودخلت الدوننما العثمانية إلى البحر الأسود تحتى قيادة القيودان سليمان باشا الذي خلف لاز على باشا المتوفى سنة 1150هـ .
وانتصرت على الأسطول الروسي في بحر أزاق وكانت هذه الانتصارات من أعظم الأسبابا للوصول إلى الصلح الذي انتهى بمعاهدة بلغراد في شهر جمادى الآخرة سنة 1152هـ 1739 م وأن تسلم أوستوريا بلغراد وكذا جمع البلاد الواقعة على الضفة اليمنى من نهري صاوه والطونة وهي التي كانت استولت عليها بمعاهد بساروقجه وأن ترد إلى الدول العثمانية أراضي أوارسوه والبلاد المسماة بالأفلاق النمساوية وأن تترك الدولة العثمانية للنمسا المواقع التي كانت استولت عليها من جهات بانجوه وطمشوار وإن يكون الصلح لمدة 27 سنة أما الروسيا فقد تعهدت أمبراطورتها أنا أيوانونا بهدم قلعة أزاق وأن لا يكون لها فيما بعد مراكب حربية ولا تجارية بالبحر الأسود وبحر أزاق معاً وأن تعيد للدولة كل مافتحته من البلاد دوان تنقل تجارتها على سفن أجنبية وبعد هذا الصلح أبرمت الدولة العثمانية معاهدة هجومية ودفاعية مع السويد ضد الروسيا بتوسط سفير فرانسا المسيو ويلنوف (VILLENEUVE) وكذا تجددت معاهدة تجارية مع حكومة السيسليتين وجددت الدولة مع فرانسا سنة 1153هـ 1741 م المعاهدات التجارية ومنحتها بعض تسهيلات جديدة تجارية وفي سنة1154 هـ 1741 م .
لما توفى شارل السادس أمبراطور النمسا وألمانيا خلفته ابتنه مارية تريزة وقامت فرانسا واتحدت مع بعض دول أوروبا على محاربة هذه الملكة وتقسيم أملاكها للعداوة الكائنة بين ملوك فرانسا والعائلة الحاكمة بالنمسا وسعي فرانسا دائماً في إضعاف النمسا وهدم أركانها ولذلك قامت بين فرانسا والنمسا المحاربة المعروفة بحرب الوراثة في النمسا واستمرت زمناً وانتهت بفوز النمسا.
ولما وقعت الحروب بين المملكتين أخذت فرانسا ومحالفوها في تحريض الدولة العثمانية على محاربة النمسا ووعدتها باحتلال بلاد المجر وغيرها حتى ترجع إلى الحالة التي كانت عليها في زمن السلطان سليمان القانوني ويمكنها بعد ذلك أن تعرقل مساعي الروسيا المجتهدة في مد نفوذها المضر بالدولة ولو انصاعت الدولة لهذه الأقوال لعادت عليها بالفائدة إلا أن السلطان محمود لم يقبل تغيير مسلكه السلمي بل استمر متمسكاً بمعاهدة الصلح مظهر النمسا ميله وودّه.
أحوال البحرية في العهد المذكور :
لما جلس السلطان محمود خان الأول على سرير السلطنة أصدر أمره إلى دار الصناعة بتقوية الدوننما العثمانية وإنشاء سفن جديدة فشيدت ثلاث سفن من نوع الأوج انبارلي وأمر أيضاً بأن يوضع للسفن أسماء تعرف بها السهولة تمييزها عن بعضها وكانت السفن العثمانية لغاية زمن هذا السلطان لا تسمى بأسماء مخصوصة بل تدعى بأسماء قبوداناتها فسمى الغليون الذي تم بناؤه سنة 1162هـ باسم بر بحري والذي تم بناؤه سنة 1161هـ بناصر بحري واستمرت دار الصناعة بعد ذلك تسمى سفنها الحربية بأسماء مخصوصة.
وفي مدة حرب العجم الأخيرة تولى رياسة البحرية أربعة قبودانات على التعاقب الأول شهسوارزاده مصطفى باشا ثم خلفه راتب أحمد باشا ثم خلفه صاري مصطفى باشا ثانية ثم خلفه صوغان يمز محمود باشا.
وفي سنة 1162هـ ساقت الدولة عمارتها إلى البحر الأبيض المتوسط تحت قيادة صوغان يمز محمود باشا المذكور ولما توفي تعين بدله طررق محمد باشا فقاد الدوننما وحارب سفن القرصان وخلص منهم كثيراً من أسرى الإسلام عندما كانوا يحاولون الالتجاء إلى بلاد إيطاليا ولما عاد بالدوننما إلى استانبول عزل وخلفه ملك محمد باشا فسافر بالدوننما إلى البحر الأبيض مرتين.
وفي سنة 1164هـ قامت الأكراد على بعضهم ولكن بالحكمة التي استعملتها رجال الدولة سكنت الفتنة وعادت الطمأنينة بينهم ثم بعد ذلك حصل اختلاف بين أشراف مكة وهو أنه لما ولي محمدبن عبدالله بن سعيد الإمارة بعد أبيه المتوفى اختلف مع عمه مسعود 1145هـ وقامت بينهما حروب يطول شرحها وبعد أن تم الصلح بينهما 1151هـ بتوسط الأشراف عاد الخلاف إلى ما كان وعرضت الشكوى على الدولة فأصلحت بينهما.
واعلم أن معاهدة اكس لاشابيل فتحت لأوروبا عصر صلاح ورفاهية وانتشرت التجارة واتسع نطاقها وساد السلام في أوروبا حتى صار من الإمكان الظن بدوام هذا الصلح إلى الأبد وقد أثرت هذه الحالة السلمية بالممالك العثمانية أيضاً فاستفادت منها حيث اهتم السلطان ووزراؤه في إيجاد ما به الراحة العمومية وأسباب العمران وقد بقيت الحالة على ذلك مدة نحو تسع .
وفاته:
وبينما كان السلطان عائداً من صلاة الجمعة على جواده مات فجأة عند دخوله في باب السراي 1168هـ. .
وكان يتصف بالثبات في الأعمال والأقوال وسلطنته التي استمرت نحو 1168هـ سنة معدودة في تاريخ العثمانيين من أجل الأيام وأبهى العصور ومن كثرة تردد سفرائه على مدينة باريس ومن مكالماتهم ومحادثاتهم الكثيرة مع السفراء المقيمين بالآستانة اكتسب رجال الدولة معلومات سياسية مهمة حتى إن بعضهم لما قال مسند الصدارة العظمى كان على علم تام ومعرفة جيدة بالأحوال السياسية العمومية ولذلك عد مؤرخو العثمانيين عصره أفخر عصر ترقت فيه المعارف السياسية لدى العثمانيين.
ولما كانت أفكار هذا السلطان تميل لنشر المعارف والمدنية أنشأ بالآستانة فقط أربع كتبخانات وجعل بكل واحدة منها دروساً عمومية وكان مرعى الخاطر معظماً لدى معاصريه من الملوك وفي عصره اشتهر الحاج بشير أغا أغا دار السعادة وزاد نفوذه ولما كان من العقلاء وأصحاب الرأي والتدبير اتخذه السلطان مستشاراً خاصاً وخلفه في السلطنة أخوه السلطان عثمان خان.