الجو هنا مقبض والدخان كثيف وخانق والأفكار مثل هذا الدخان الأسود النتن الرائحة كلها ضبابية تثير اليأس والشجن. أهؤلاء من جنس البشر. هم مثل بني الإنسان لكن حياتهم وحركاتهم بل وحتى طريقتهم في المشي والضحك لا تشبه ما اعتدت على رؤيته قبل ذلك. المهم....لا بد من التركيز الآن في حمل هذه الألواح الخشبية ونقل دواليب الألواح إلى الخباز في الغرفة الأخرى ولكن بحذر وهدوء شديدين حتى لا تسقط منها أرغفة الخبز التي ما تزال عجينا لم ينضج بعد......ياااه الحمد لله كاد قلبي يقفز
من هول ما حدث لقد كاد الدولاب أن يقع فعجلاته قد أكلها الصدأ كما أنه ثقيل جدا على جسمي النحيل وصحتي المحدودة...الحمد لله أما لو رآني صاحب الطابونة لا لا داعي للتخيل فلقد رأيته يضرب أحد الزملاء بقدمه في منطقة الحوض حتى كان زميلي يأكل تراب الأرض من العواء والصراخ من ألم الضربة. لكن ما هذه التي يسميها الناس هنا سندرة...إن شكلها مخيف ربما لأن أحدهم قد مات فيها قبل ذلك كما حكى لي الخباز أن طفلا جاءهم يطلب عملا ولما أناخ الليل سدوله وأنهى عمله لم يجد مأوى ينام فيه فصعد هذه السندرة ونام نومة الأموات من هول ما ناله من هذا العمل الشاق لكنه مات بعد أن اختنق بدخان الطابونة الذي سود كل حوائط الطابونة....يا الله أكل هذه الظلال الموحشة في هذا المكان الضيق المحدود...بقي الآن ساعتان على نهاية العمل وبطني تصرخ من ألم الجوع فأنا إلى الآن ما زلت أتناول وجبتين ولا أتعشى منذ أربعة شهور سيما وأن ما آكله لا يتعدى طعمية بربع جنيه وكوبا من الشاي يصرفه لنا القهوجي رأفة بحالنا فقط بربع جنيه وليس بالسعر الذي يسمونه سياحيا في هذا المصيف. لكني على كل الأحوال لا أعدم هنا الخير في الناس فالكل يحميني ويقدرني ويناديني بالبركة لأني أحفظ القرآن سبحان الله أنا ما كنت أتخيل أن أشباه البشر هؤلاء يقدسون القرآن في نفوسهم هكذا....الكل كان يضرب ويشتم بأقذع الشتائم إلا أنا....لقد نجاني الله مرات من القتل على يد كثير من العجانين والخبازين والفرادين (من يقومون بفرد رغيف الخبز على آلة معينة) بعضهم كان مدمنا للهيروين وآخرون كانوا هاربين من أحكام جنائية كثيرة، بعضهم من أقصى الصعيد وآخرون من أطراف الأسكندرية...لقد كادت سكين القادوس (القادوس الذي يقطع أرغفة الخبز وهي ما تزال متكورة صغيرة) أن تقطع يدي أو تشج رأسي لولا أن الله سلم ونبهني بعض العاملين معي في اللحظة الحاسمة....لن أستطيع فكاكا ولا هربا فصاحب الطابونة أعلنها صريحة أن من يهرب سيقدم بطاقته إلى قسم الشرطة ويتهمه بسرقة واحدة من أنابيب الغاز والشهود موجودون وكلهم مستعدون للشهادة ضده...لا أدري لماذا تقفز إلى عيني الآن صورة أمي وإخوتي وأبي الذي مات قبل شهور قليلة فأزداد من الهموم جبالا ومن القلق أطنانا، لكني أحب هؤلاء الناس فهم مثلي وكما يقولون غلابة. حسنا لا بد من التحمل فأنا رجل ...نعم لكن كل أبناء جيلي منعمون ولا يجدون هذا الشقاء....لكن هذا الشقاء وتلك المعاناة هي التي يولد من رحمها كل عظيم يا محمود ألا تذكر هذه الروايات التي تقرأها وكيف أن البطل يتعذب في كل الرواية ثم ينعم بالحبيبة في آخر فصل منها. يااد يا محمود ولاه!!!! نعم يا حاج (هكذا كنا نناديه بينما سمعت أباه يوما ينهره لأنه يضيع كل ماله على المخدرات والنسوان وقد كان فظا غليظ القلب ضخم الجثة مثل مسوخ الحكايات القديمة التي كنت أسمعها من جدتي) يللا روح بسرعة هاتلي علبة سجاير اجري.....وأنطلق بسرعة البرق إلى أحد الدكاكين الفاخرة حافي القدمين شعري قد شاب ليس من الدقيق الأبيض الذي ملأه لكن من الهم الذي ملأ الرأس تحت هذا الشعر. يراني صاحب الدكان الذي ترى في وجهه نضرة النعيم وتشم حوله أزكى أنواع العطور وربما كان هذا شعوري مع كل من هم خارج الطابونة، لكن ما هذا حلاوة طحينية ومربي وعسل وجبن ولانشون ...آه خذوا روحي وأعطوني قطعة من هذا اللانشون فلطالما سمعت أن طعمه لذيذ لا يقاوم....لا لن أستغرق في هذه الأحلام الباهظة الثمن فروحي هنا في هذا المكان أرخص كثيرا من قطعة اللانشون...نعم يا ابني عايز ايه ياد يا بتاع الطابونة....هاه أيوا يا حاج أنا عايز علبة سجاير للحاج...نوعها ايه السجاير... هاه...انت كل حاجة هاه ...مش عارف ...طيب خد كليوباترا...طيب ...كل هذا وعيناي قد تسمرتا على اللنشون وقد رآني صاحب الدكان وكان من حسن حظي أنه كان يأكل وقتها وكان من بين طعامه هذا اللانشون فقال لي كلت لانشون قبل كده قلت له....لا فقدم لي بقايا أكله وقال لي طب دوق مش خسارة فيك إنت شكلك غلبان قوي.....وحينئذ طفرت عيني بالدمع فأكلت اللانشون ولكني ازدردته على الفور فإني ممن يستعصي عليهم استمراء طعام فاخر من غير شهية ولا عزة لكني شكرته على كل الأحوال وعدت إلى الطابونة....وكان هناك بانتظاري علاء هذا الشاب الوسيم الذي أسمع من كل العمال معي في الطابونة أنه كما يقولون ابن ناس لكنه هرب من زوجة أبيه في القاهرة وهو يعلم أن أباه يبحث عنه في كل شبر في مصر ويفتقده كثيرا وبجانب علاء كان هناك سعيد الذي هرب من الملجأ وإبراهيم الذي قضى أعواما في السجن ثم خرج بعدها ليجد أنه لا سبيل إلى تربية أبنائه الخمسة إلا بالاستقامة التي أسمعها كثيرا تخرج من فمه بقوة وهو يقول لنا دوما بينما ينفث دخانا كثيفا من سيجارته وينظر بعيون حجرية مستغرقة في الخيال: الاستقامة يا ابني مفيش أحسن من الاستقامة....
الطابونة (قصة قصيرة لكن حقيقية)
- محمود الفقي
- واحة الإبداع
- القصة والرواية
- الزيارات: 2619
Facebook Social Comments



