مع بزوغ أول خيوط الشمس التي تلامس وجنتيها برفق تعود الى الحياة بعد ان غابت عنه مع بداية غروب الشمس .....انها فتاة سهلة بسيطة الملبس وخفيفة الحركة ....مع كل صباح تتوجه الى البحر. هو رفيق دربها وهو يشبهها تهدء لهدوئه وتثور مع ثورته وهو كما هو لايتغير يعطي ولا ياخذ. تقضي كل لحظات حياتها معه تسجل تاريخها على ساحله لدرجة انها لاتعاشرغيره وتشعر انها تمتلكه وهو يمتلكها .

كانت تعاتبه وتناقشه تغضب منه ساعات وتصالحه لساعات تتنعش من مياهه تتأمل الخيال وهية تتحرك على رماله تبني عليه قصراً لاتسكنه سوى لحظات ثم تبعثرها مع غروب الشمس و تعود الى مقبرة التي ترقد فيها حتى تأتيها الشمس ثانية وتحيها .وفي صباح يوم من ايام الصيفية كانت الشمس دافئة والسماء صافية عارية من كل خيوطها .وجدها جالسة على حافة البحر تلعب برماله يقف امامها ينظر اليها نظرة غريبة لم تراه في احد من قبل كأن النظرات تتمخض لولادة جسد صغير جديد يسمى الحب .وبقيت تنظر اليه بصمت وهو يناديها بصمت يدعوها الى تقمص دورها مع المولود الجديد الذي ولد عند رؤيتها .اشرقت حياته من اجلها مع كل هذا فهيا لا تستطيع تبني هذا المولود الجديد كيف وهي تعيش ساعات وتنتهي حياتها مع غروب الشمس .كيف يكبر هذا المولود وفي اي مهد ينام ومن أي منبع يرضع... كيف يمكن للحب ان يرتوي من جسد ميت كيف تشعره بالامان وتسهر على راحته وهي لاتملك ما تقدمها له كيف تشعره برجولته وتشعر هي بانوثتها معه ..... كيف تمنحه الحلم وينام على فراشها كل ليلة الكوابيس ...كيف يمكن الاشجار ان تثمر وهي تنبت في الصحراء ....كيف يمكن للعبيد ان يعشق وهو مقيد بسلاسل الموت .......ان تبدأ رحلتها معه وتبحر بلا سفينة وتغرق معه في عالم الجنون ....لا...لا....كانت هذه اجابتها له وهي صامتة تردده بصمت كما هو دعاها بصمت وتوجه نظرها الى البحر ......لكن هو رفع صوته وبدأ بالصراخ كالصاعقة تهز كل كيانه ويتهمها بوجود حب ثاني بحياتها.
يغمرها شعور اليم يهز في داخلها كأنها تصطدم بجبل من حجر صوان وسط امواج قوية تغير جريان المد والجزر فيها. لكن تبقى صامتة كالبحر عندما يواجه الامواج بصمت دون ان يحتاج الى الدفاع عن نفسه .ومع هذا ايقنت انه قدرها لكن شاءت الا قدار ان يلتقيا في الصحرا ء لاتنبت فيها بذور للحب .....شاءت الاقدار ان يكون اللقاء تحت سماء لاتمطر فيها الاحلام....شاءت الاقدار ان يكون العشق على جسد ميت .......شاءت الاقدار ان تكون جنونهم في عصر التعقل ......في بلاد تطارد كل مجنون بالعشق وكيف للحب ان يعيش ويكبر من غير جنون .من غير ان يثور كالوحش الكاسر بالبراري ويلتهم كل نبتة تنبت على جسد حبيبته .لكن شاءت الاقدار ان يعشق جسد ميت لاينبت فيه نباتات ولايمر على جسورها المياه .... شاءت الاقدار ان يقع هذا الجسد فريسة تحت اسنان مالك الموت وتذبح مع الاف الذبائح في الاعياد .....هل يمكن للحب الجديد ان يغير كل هذا؟؟؟!!!!
نهض واقترب منها اكثر واكثر وهو يمد له يده ويردد على سامعها من جديد ........خذيه خذي الحب هو لكي سأمنحك من دمي ومن جسدي الروح .....سأرويك من شفتاي الماء لتحي على شفتيك الأزهار الميتة......سأفتح لكي النوافذ لكي لتشرق الشمس في عالمكي كل لحظة وكل ساعة .هكذا يقترب منه اكثر ويعانقها ويضمها الى صدرها بحنان وتنهمر الدموع من عينيها ولاول مرة تشعر بقوة رجل يعانقها ويقترب منها كل هذا التقرب
تجيب عليه بكل اسى يمزق في داخلها
- ارحل ....فلا تنبت الازهار في الصحراء
- سأرويها من دمي ومن روحي
- كلا ....ارحل..... هي معتادة على دم وروح ميت
- سأعيدها الى حياة مزدهر
- اتركها وشأنها هي تعيش بسلام
- كلا.....بل هي مستسلمة
- استسلمت لقدرها
- لا ......ليس هذا قدرها الحب هو قدرنا نحن الاثنين سنزرع من جديد وبالارض جديد
- لا.....لا أملك سوى هذا الارض
-انا املك غيره تعالي معي الى عالم خالد لاتنتهي به الحب ويكبر به حبنا في احظانك ويستنشق انفاسك ....ويرتوي من ايامك......لا يشاركني فيه احد سواك .....لنهبط معا الى عالم تشرق به الشمس ليل نهار وتنبت على جسدينا غابات من الاشجار وتتفجر فيها ينابيع من الانهار..... تعالي فلا تتخيلي ان يولد مثل هذا الحب فيك من جديد ......
وهي صامتة تتقدم بخطواط بطيئة نحوه وتضع يدها في يده وتعاهدها قائلة
-ساضع يدي بيدك.......نسير معا ونكبر معا ونزرع معا ونجني معا........ سأسطر أيمامك بخيوط ذهبية... أنسج من شعاع الشمس لك غداً أجمل......لنعيشه معا ونموت معا ........




بقلم

هناء الجلبي