لم تكن تحفل قط إن صنفوها في زمرة البغايا أو في فريق المومسات أو في حزب بائعات الهوى...ما يعنيها الآن أنها تشتغل هذه الحرفة البغيضة إلى قلبها عسى أن تظفر بالمال الذي يتيح لها العيش دون أن تتكفف هذا العالم المتخم بالذئاب الجائعة...إنها تزاول تلك الحرفة التي تعرف بأنها أقدم مهنة في تاريخ البشرية.
تسللت الشمس إلى غرفتها الرطبة و بثت في أرجاءها الضيقة شيئا يشبه الدفء .
بزوغ الشمس يعني لصفاء موت ذلك الأمس و ما فيه من ضجر و سآمة ..و انطلاق يوم جديد تعلم جيدا أنه لن يحمل أي جديد...و إن غيب الغيم ذلك القرص النحاسي تشعر المرأة بجبال من القتامة تطبق على قلبها العليل.
ألقت صفاء نظرة مطولة على تلك المرآة المثبتة في صدر الجدار...نظرة هي أداة من الأدوات اللازمة في مهنتها . إنها الأناقة.. هي المفتاح الأوحد إلى قلوب أولائك الذكور المكدسين عند عتبة بابها . هنا أمام هذا الإطار الفضي تقف صاحبتنا و تطيل الوقوف كأنها في صلاة داخل محراب...غمست أناملها بخفة وسط ملحمة من الأصباغ و العطور و المساحيق..إنها بطبعها فائقة الجمال إذ لم يكن وجهها الفاتن و لا شفتاها المكتنزتان و لا شعرها السرمدي في حاجة كبيرة إلى الزينة ،و إنما هي لمسات هنا و هناك فتمسي صفاء بدرا مكتمل النمو و وردة فيحاء تنتظر القطاف.
(تبا..تبا..) تمتمت صفاء في صوت خفيض و هي ترنو في اهتمام إلى شعرها الذهبي..هناك في العمق نبتت شعرة بيضاء. نغصت على صاحبتنا رواءها ..تلك الشعرة نذير شؤم. إنها أول الطريق نحو الكهولة و الشيب و الفناء...لم تحفل كثيرا بالأمر .لمسة سحرية من تلك الأصباغ وحدها كفيلة بإبادة هذه الشعرة و إرسالها إلى الجحيم.
ابتسمت المرأة أخيرا. لقد استعادت كامل بريقها و رونقها ،و اندفع الربيع الفواح اندفاعا ليزيح غيوم الخريف عن ملامحها الآسرة مثلما تندفع الدماء النقية في الشرايين السقيمة لتحمل إليها النشاط و الغذاء...ارتدت أجمل فساتينها . كان أحمر اللون .. ضاعف حظها من الفتنة الدافقة ...صفاء تنفر من تواجدها في هذه الدار و تتبرم من هذا العمل المنتن و كثيرا ما تحدث نفسها لو أن هذه الأنوثة الطاغية كانت ملكا لزوج يحبها و تحبه وسط عش دافئ بعيدا عن هذه الدار الآثمة و بعيدا عن تلك الذئاب الظمآنة التي تتربص بداخلها... و تتزاحم الأدمع فجأة في مقلتيها. إن ذلك الحلم ليس لمثلها أن تفكر فيه و لا أن تتذوق حلاوته ما دامت قد سلكت طريق الرذيلة...و أسلمت تفكيرها إلى سراديب ذاكرتها الخاملة و تذكرت بعد عناء، يوم أن عشقت ذلك السافل، كان ذلك منذ عقد من الزمن. لقد و عدها النذل بالزواج..افترس أنوثتها في حين غفلة ..لطخ براءتها النقية بالعار و الشتيمة،و هرب بدون سابق إنذار و تركها لمصير قاتم لا يزال ينهش أحلامها إلى اليوم ...فرت ذات ليل حالك و شديد البرودة، و سرعان ما رمت بها قدماها في هذه الدار الواسعة ، هنا حيث تغتال أنوثة الصبايا و تفترس براءتهن مرات عديدة آناء الليل و أطراف النهار..كانت حياتها بحق قصيدة حزن لا تكاد أبياتها تنتهي.
(طق..طق..طق..) طرق باهت على باب غرفتها . كانت الأنوار الحمراء شاحبة على غير العادة، أطلت رئيسة الدار برأسها الضخم...ابتسمت في شحوب ثم تقهقرت قليلا إلى الخلف و دفعت بطيف بشري تسلل في هدوء إلى الغرفة ...زبون صباحي لا يبدو عليه النزق و الطيش. كان شابا فارع الطول و أنيق الهندام..دون أن ينبس بكلمة راح يقتلع حذاءه حريصا على ألا يحدث جلبة. و بحركة رتيبة فكت صفاء أزرار فستانها..نزع الشاب معطفه الثقيل..أزاحت صاحبتنا غطاء السرير...ألقى قبعته الرمادية جانبا.. استدارت نحوه و استدار نحوها..تلاقت أعينهما لأول مرة..في ذهول شديد صاحا سويا و في نفس الوقت (ماااااااااااااااااااااااااذا ؟) كانت تلك الـ -ماذا- طويلة جدا مثل مسلسل مكسيكي. و في الوقت نفسه كانت تحمل في طياتها ألما دفينا..جحظت أعينهما و تداعى كل منهما على أقرب مقعد كأن قضيبا كهربائيا مس جلديهما...مواجهة كانت ستكون سعيدة لو كانت في غير هذا المكان الآثم و بين هذه الجدران المتشحة بالكآبة و الضجر . كيف لا و قد كان الأخ في مواجهة شقيقته.



