كان مسافراً للدراسة! هذا ما كان يعلمه أهله وأقاربه، بل وأصدقاؤه الذين ضاق بهم المنزل حين ودعوه، كما ضاقت بهم الحافلة التي كانوا يستقلونها في طريقهم إلى المطار لمشاركة أهله في وداعه.
لكن ما شعر به احمد عند وداعه لهم من ضيق في صدره وغصة في حلقه لم تكد تعطيه فرصة أن يقول وداعاً بصوته العذب وأسلوبه المداعِب المعتاد، فأثار ذلك العديد من التساؤلات، كما أن أقرب أصدقائه قد لاحظوا غياب حب احمد وهيامه (صديقه عمرو)، لم يغب عنه لحظة الوداع قبل الإقلاع فقط، بل لم يره أحد في بيت أحمد طيلة اسبوع قبل
سفره .
ولكن ما يعرفه الجميع عن احمد أنه إنسان يحسب لعزته وكرامته حساباً عسيراً، فلم يجرؤ أيٌ منهم على إبداء رأيه فيما يخص غياب صديقه عنه .
وها هو احمد يودع أصدقاءه، فلم يبق برفقته الآن سوى والديه وكذلك قصي أخيه الصغير، لم يكن من الصعب على والديه أو على أخيه الصغير أن يشعروا بالخوف على احمد لما بان على وجهه من مشاعرٍ توحي بالتيه بل والضياع، كما أن الحزن.. لا ليس الحزن بل القهر لم يفارق زوايا عيناه حينما كانوا برفقته في غرفة الإنتظار المعدة للمسافرين فقط، ولقد تمكن أهله من الدخول معه إلى هناك بحكم منصب أبيه ومكانته.
كان احمد يمسك بهاتفه بكلتا يديه تنهال عليه الرسائل، فكان يبحث بين تلك الرسائل عن شيء كالذي يبحث عن كنزٍ ثمين أراده من دون غيره، كانت هذه الرسائل سلاماً و وداعاً من أصدقاءٍ كثر، لكن والدته لم تشعر بنشوةٍ أو فرحة في عينيه عند قراءتها، فلقد كانت ترى الجمود واليأس بل والجفاف بين سجايا عينيه...
لم تدر ما السبب، ومع حزنها وخوفها الشديد لما تشعر به وتشاهده لم يكن بإستطاعتها أن تسأله عما يدور في غياهب أحاسيسه، كي لا تغضبه فهي تعرف ابنها؛ لا يفصح عما في داخله وان نهشت الآلام كبده.
ودع احمد اباه بابتسامةٍ حزينة كادت تمزق جوانب فمه لصعوبة صنعها، وقد أوصى أخاه بالحفاظ على علاقته بربه، وكأنه يقول لن يصدُقك أحد سوى الله فأثارت هذه الكلمات شفقة الصغير على الكبير، وكانت والدته إلى جانبه تنتظر دورها لوداعه، وتفكر في ماهية الوداع الذي سيكون، وما أن صافح الإبن والدته حتى تبدد كل ما فكرت به، فما صدر عنه سوى قوله: "السلام عليكم" .
يآالله..! يا له من وداع ! ما الذي يجعل ابناً بهذه القسوة؟! وما الذي أشغله عن عاطفته لأمه حتى أنه نسي أن يقبل يدها ... وكان الفراق، فقال: "السلام عليكم" .
ركب الطائرة وجلس على مقعده بجانب النافذة، وإذا بأهله لم يتحركوا من أماكنهم يرقبونه ويناظرونه، و والدته تحاول إخفاء دموعها التي سالت وانهمرت تبحث عن إجابه؛ أهي الحياة؛ ألم وفراق؟ أم أن السعادة وليدة الألم؟؟
أقلعت الطائرة وهاتف احمد لم يغلق بعد، وكأنه ينتظر ذلك الكنز الثمين الذي كان يبحث عنه بين تلك الرسائل الواردة، وبالفعل ها هو رنين الهاتف يعلو، فنظر سريعاً إلى اسم المتصل فوجده رقماً جديداً فأجاب
احمد _ ألو
المتصل _ السلام عليكم
( إنه عمرو ميز احمد صوته فعرفه، فظن انه قد وجد ذلك الشيء الثمين الذي كان يفتقده وينهمك في البحث عنه، ذلك الشيء الذي أسر لسان احمد في فمه فلم يفلح في توديع مودعيه، وأسر عواطفه في قلبه فنسي كيف يودع والدته ويقبل يدها، أسر الدمع في عينيه، فكان أضعف من أن يفجر حزنه أو يبرر صمته، ذلك الشيء الثمين كان يمثل تلك المشاعر الصادقة التي لطالما تمنى احمد ان يراها في عيني صديقه عند وداعه، تلك المشاعر التي تثبت صدق صداقة ذلك الصديق الذي غاب عن وداع صديقه لأعذار لربما كان كتمانها أولى من تبريرها، فها هو الصديق يحسب كم صنع لذاته من عزة وكرامة، وذلك عندما يرى الدمع والحزن في عيني صديقه بسببه ومن أجله! ).
فرد عليه احمد بهمس لا يكاد يُسمع
_ أهلاً عمرو
عمرو _ عجيبٌ أن هاتفك لم يغلق بعد، الأصل أن يكون الآن مغلقاً داخل الطائرة .
( لم يُجب احمد، فهو يرى أن هذه المسألة أقل من أن تذكر في هذا الموقف ) .
عمرو _ بالتوفيق شد حيلك
احمد _ إن شاء الله
( قالها بصوتٍ متقطع لا يكاد يصل إلى سماعة الهاتف؛ كانت الغصة في حلقه تسجن الكلمات في داخله )
عمرو _ صلي على النبي
( ثم صمت، وكأنه أراد الإنصات لصوت بكائه، ظاناً أن ما منع احمد من القدرة على الحديث هو بكاؤه، ولكن كرامة احمد حرمته من أن تسيل ولو دمعة واحدة على خده فقد كان يحتقنها في عينيه، فقال احمد وهو يشعر بالظلم، والقهر يمزق أحشاءه: )
_ اللهم صلي على سيدنا محمد
عمرو _ "أيوه هيك"
( بأسلوب المعلم حين يحدث تلميذه ).
وانتهى الإتصال، وبدأ العقل بالإنشغال فلم يجد احمد شيءً من ذلك الكنز الذي أسقمه في البحث عنه،
فبدأ يراجع الماضي بكل ذكرياته مع صديقه عمرو، بل وأخذ يبحث في هذه المكالمة الأخيرة عن أي كلمة أو نبرة في صوت صديقه تشعره بحزن على فراقه، أو حتى عن أدنى مبرر صادق لعدم وداعه له، عندها تذكر احمد تلك اللحظة التي أخبر فيها صديقه عمرو الذي لم يُكتب له النجاح في الثانوية بأنه يفكر بالسفر إلى مصر ليدرس الطب هناك، أملاً منه ان يسمع من عمرو ما يشعره بخوف صديقٍ يخشى فراق صديقه، لكن ما صدر عن عمرو لا يوحي بذلك، فقد كان قوله: " افعل ما تراه صحيحاً " .
فأمعن أحمد النظر في هذه الكلمة فوجدها تقتصر على أمرين متناغمين، أولاهما أن عمرو لم يرد إظهار أي اهتمام بأموره وسفره، وثانيهما أن عمرو قد دخل في قلبه شيء عليه؛ لأنه سوف يدرس الطب، بينما هو لم يحالفه الحظ في النجاح، فلم يُرد إظهار أي نوع من الاهتمام به أو بدراسته، فزاد ذلك من ألم أحمد وحسرته وهو في طريق غربته .
وصل احمد إلى القاهرة، ولم يفته أن يتصل بعمرو ليطمئنه على نفسه، رغم كل جراحه وآلامها وقد أيقن بأن
مسببها عمرو الذي برع في استخدامه لأسلوب اللامبالاة ليغيض من يريد متى يشاء.
ولعل هذه المعاملة من عمرو هي التي جعلت من احمد شاباً يريد السفر، فقد ضاقت به نفسه وفضل الهروب عن الواقع .
ذهب احمد ليروح عما في داخله، فإذا به يجد نفسه على ضفاف النيل، فمكث طويلاً هنالك لوحده، وأجبر نفسه على عدم مغادرة ذلك المكان حتى تلقي بكل همومها وذكرياتها المؤلمة في هذا النهر العظيم، وأخيراً نجح في ذلك، فقطع على نفسه عهداً بأن يصبح رجلاً يؤمن بأن المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين، وأن لا تطغى عاطفته على عقله وصوابه ، فقد كانت مصر هي مكان هبوطه ومركز انطلاقته .
احمد تعلم من الحياة ما يجعله قادراً على الإستفاده من المعادلة القاسية التي تقول:
" قدرتك على بناء ذاتك هي نفسها قدرتك على هدم أعدائك "
أو كما جاء في المثل الشائع:
" إن لم تكن ذئباً أكلتك الذئاب " ، مع الحرص على ان تكون ذئباً في الحق لا في الظلم والباطل .
وتذكر أخي القارئ أن يوم العدل على الظالم أشد من يوم الجور على المظلوم .
فها هو احمد قدر الله تعالى أن يعود إلى وطنه، لكنه عاد قائداً لا منقاداً، عاد مقبلاً يدي والدته مقدراً كل ذي قدر بقدره، فلم يسئ إلى عمرو، فقد عامله بالحسنى كأي صديقٍ من أصدقائه بلا غلوٍ ولا تخسير .
فكما قيل "من الرجولة أن تحسن إلى من أحسن إليك وأن لا تسيء إلى من أساء إليك" ،
يا لها من كلمة " الرجولة " كلمة في لفظها تجد الأنوثة، فقد ختمت بتاء التأنيث لتشهد أن الرجولة ليست لفظاً وكلاماً، وإنما فعلٌُ ومواقف .
وها هو عمرو قد جاء إلى منزل احمد ليهنئه على سلامته، فشعر بالصدمة إذ لم ير تلك الدمعات التي توقعها تنهمر من عيني احمد اشتياقاً له، كما لم يجد ذلك العناق، فقد ظن أن احمد في مثل هذا الموقف لن يفرط في ذلك العناق، بل سيستغل هذه اللحظة لمعانقة صديقه، وسينسى ما كان ويسرع إلى أحضانه مرةً أخرى، سيعفي الواقع ويعود إلى غياهب تفكيره القديم، ولكن أي من ذلك لم يحدث، بل قد تغير الموقف؛ فعمرو الآن هو من تضيق به الدنيا بأسرها، هو من يفقد القدرة على الحديث من شدة الألم، هو من يُرى الدمع في أعماق عينيه، هو من يشعر بأنه مسافر فلا يجد من يهون عليه، فقد أيقن أن احمد الآن يبتعد حقاً .. ويسافر حقاً ...
أيقن بقوله _صلى الله عليه وسلم_ : " كما تدين تدان " ، فكان تقدير المولى بأن يجد احمد كنزه ولو بعد حين؛ بعد عودته وليس قبل سفره .
عمرو الذي أخفى أي نظرة توحي بألم الفراق قبل السفر ها هو اليوم تملأ نظراته دموع الألم والحسرة لما خسره من عظم قدر كان له عند صديقه خاصةً بعد ما رأى من رجولة احمد وقوة عوده ما يبهره، ولسان حاله يقول: "وإذا الصديق قسا عليك بجهله فاصفح لأجل الود ليس لأجله" .
قال فيها :
يالمسافر تطمن حارسك وفي فاقد شعوره
ما يغير خافقه لعب الخواطر وكثر الافكار
صافي سماه، سالكات دروب البر وهادية بحوره
وفي، ولو كان صاحبه خاين ولو كان غدار
العفو، بس هذا القلم يملي ويعاند في غروره
لا تقول صاحبي بس يسرد مواويل ويسطر اشعار
صاحبك لا نسيته في ظلامه، في ظلامك اعطاك نوره
انت تدري لا زعلته وابتعد ماصدر عنه غير نفظ الغبار



