الهروب نحو الذات

قد تبدو بعض الأمر مستحيلة الحدوث , و لكنها أحيانا تحدث و نحن لا نشعر بها ....

يفترش صديقي ( مجد ) السرير ... يتطلع إلى حيث سقف الغرفة الكئيب ... يغمض عينيه ... يستذكر قدر الإمكان الأحداث التي ربما هي آتية .... تراه  يريد أن يستجمع أفكاره ليكمل ما بدأ به بعد أن أثقلته متاعب الحياة و أزداد العبء و بدأت التنهدات تراوح مكانها رافضة الخروج ...

 

يحاول ( مجد ) أن يكون هناك هدوء لكي لا تعبث تلك المبكيات بهذه اللمسة البريئة التي ترتسم أمام ناظريه .... من وقت لآخر يزعجه أن يسمع أي صوت خارجي لأنه سيجعله يبتعد و قليلا عن عالمه الذي يعيش ... !! فتراه أحيانا يريد أن يبحث عن ذلك الشريط الأثيري الذي يربطه مع الذات ... !! 

ينهض ... يتجول من هذا الركن إلى ذاك ... ينظر من حيث النافذة ... يرى الشارع فارغا ... الأشياء العابثة ساكنة ... لا يرى سوى قطة تجلس فوق سور مجاور للمنزل ... تنظر إليه ... تتثاءب ... ثم تذهب لتجد مكانا آخر لا يراقبها فيه أحد ...  يظل ( مجد ) يراقب القطة حتى رمقته بنظرات حادة إلى أن اختفت ... يفتح الشباك ... يشتم ذلك النسيم ... يتنفس بعمق ... ينتابه الفضول في معرفة أساس الأشياء ...ولماذا تحدث بالطريقة التي تحدث بها .... !!يقفل ( مجد) النافذة ... يسدل الستارة ... يذهب لينام ...!!

في الصباح تأتيه والدته باكرا توقظه ... يحاول  عبثا أن يعانق ذلك اليوم الجديد بقليل من التفاؤل ... لكنه لا يؤمن بعبثية الأشياء ... يرتدي ملابسه و يغادر ... !! أثناء مروره بحارته , يرى القطة التي رآها ليلا مفترشة الطريق ... و كأنها قد فقدت الحياة ... !! يتوقف ( مجد) للحظة .. كأنما أراد أن يلومها لماذا تركت سور المنزل وليلوم نفسه لماذا ناظرها ليلا و كأنما يناظر عشيقته ... !!

 

يكمل الطريق ... قصص كثيرة تحدث رغما عنا ... و دائما نحتاج لحدث أكبر حتى ينسينا الحدث الذي أحيانا قد يأخذ حيزا كبيرا من التفكير مع أنه يكون قد انتهى ..!!

- رفيق  دربي ( مجد )" أُدرك رغم قلة خبرتي أن الإنسان أسعد ما يكون عند تحقيقه لأحلامه ... ولكن يكون عدم تحقيق الحلم سعادة بحد ذاتها لأنه ربما يكتشف ضآلة الفكرة التي يبحث عنها و سذاجة الحلم عندما يتحقق ...."

يتهمني ( مجد ) بأنني دائما أكون عقبة في طريق الحالمين ...!! كان يجالسني طويلا ... كان حالما ...شاعريا ... يتنفس الصعداء عندما يتكلم عن الذات و ما تحتويه سويداء النفس من أهات محترقة ... تنطفئ ما أن تخرج .... ... كنت أحب أن أسمع منه ... كنت أخاف جدا عليه لأنني أعي تماما أنه يكابد الحقيقة و يتهرب من كونه كائنا بشريا يتأثر بسلوكيات الآخرين و بالتالي سينقاد رغما عن أنفه إلى حيث تمركز الأشياء ..!!

الحالمون سيكتشفون يوما أنهم يعطون الأمور قدسية أكبر من قدسية المعتقدات ... يتنازلون عن كبريائهم لمجرد أنهم يعطون صفة الإنسانية لمعظم الأشياء و ينحنون إجلالا ً و إكبارا ً لأحلامهم ...!!

كان ( مجد ) يعيش حالة من الخيالية التي تتلاعب به بقذارة ... و كنت دائما أحذره من ذلك ... كان يتقن فن اللعب بالكلمات ... يرتب المفردات بطريقة تعتقد أنه متمرس ولكنه لم يحاول أن يفضح مشاعره من خلالها ...!!

يُطرق باب المنزل ... أفتح فإذا به ( مجد ) ... يبتسم و الحزن يغطي وجهه ... يتنهد بعمق ... يجلس ... يقول :

" الآن أدركت أن ثمة انقلابا قد يأتي نتيجة فشل الآخرين ... أدرك تماما أنها لعبة المفردات التي أتلاعب بها فأكوِّن المشاعر ... فتنقلب المشاعر ضدي و ترسم طريقا لست أعرف ملامحه ... لم أعرف يوما أن أدير المفردات لصالحي ... لذا سوف أهرب نحو ذاتي ... لأكون أنا ذاتي .... و ذاتي أنا ..........!!!

 

                        سليمان الفقرا

                          

         عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.