الوجيه
تفرست في وجوه لم تلح لي شاحبة... ووجوه لم يعد لوجودها موجب أو سبب... وهُويات متفاوتة الوجاهة والوجوه.. وأخرى منهارة متثاقلة حطّها سيل الجعة من عل.. بينما انغمست هامات في خلاء متقلب بين ذبح قيم واستباحة مُحرّمات دحضتها موضة الحداثة والمدنية..
تمعّنت في الكراسي المتراصة في الحانات الشّعبية والمقاهي المتكاثرة فرأيت وجوها لم أعرفها من قبل ووجوها عرفتها وأُخرى لم يعُد لوجودها مبرّر.. ووجوها قُبرت وفي طيّاتها وسجلاّتها الذّهبيّة غزوات وفُتوحات لفروج عديدة .. وكرعت من ملذّات الدّنيا من كلّ لون ومذهب وحزب..
تأمّلت وجوها عرفتها وأخرى لم يحصل لي شرف معرفتها.. عرفتها بدون أقنعة وبلا مساحيق هذا العصر.. ولم أعرفها وحالتها على ما هي عليه.. لا هي شاحبة مبتذلة ولا هي ناعمة مشرقة.. لاهية عن أمر أُخراها ساعية لأمر دنياها هائجة مائجة غير قانعة ولا راضية..
هممت بمجالسة وجوه ألفتها ولم أقتنع بوجاهتها جالستها وكنت مظطرّا إلى مجاراتها في فسقها ومُجونها وليس في ذلك ذنب لكل من اتّبعني..
ظلّ وجه كاتب الشرطة ينتفخ كلّما أفرغ قارورة جعة في جوفه..وجهه قمحي نازح من ريف حطّم الجفاف كلّ قيم فيه.. ولم تعد لديه إلاّ رغبة جارفة في ضمّ المتاع من منقول وغير منقول إلى ممتلكاته حتى يتخلّص ممّا سبّبه له الجفاف من جفاء وحرمان..
وجه تغضّنت تقاسيمه وامتلأت فجواته.. ثمّ انتفخت وجنتاه ونتأتا وتحرّبتا وغدتا تبتلعان كلّ من يدنو أو يُفكّر في الاقتراب منهما..
وجه إذا رغب في قلب الأوضاع رأسا على عقب برّر وأقنع.. وإذا راوغ نجح.. وقد يُصبح الشّاكي مطلوبا والمشتكى به طالبا.. وفي جلسة خمرية يُباع الشّاكي أو المشتكى به حسب الأحوال والوجاهة بأبخس الأثمان..
وبما أن محضر الأبحاث يُصبح حُجّة عادلة لا وجه للطّعن فيها.. فإنّ هذا الوجه يكون قد أصدر حُكمه في القضيّة قبل هيئة المحكمة.. ولذلك كان وجهه مُهابا مُبجّلا حيث حلّ..
تذمّر مرّة أحدُهم من تصرّفاته المفضوحة فاشتكى به إلى رئيس المخفر فجنى أربعة أشهر سجنا جرّاء شكايته متّهما إيّاه بمحاولة إرشاء موظّف عمومي حال مباشرته لوظيفته..