جلس البواب يرتشف قهوة المساء و هو يرمق السيارات التي يئن بها هذا الشارع الصاخب أبدا ،هنا حيث يتعانق العرق و الدخان و الجلبة و الكتل البشرية فتحيل المكان و الزمان إلى سنفونية من مسرحية يشاهد أطوارها ذلك البواب و يفكك طلاسمها بسهولة و يسر كلما ارتشف من ذلك الفنجان الأثير إلى نفسه... كان العم زيدان –و هو الاسم الذي كنا ندعوه به- بواب العمارة و حارسها الأمين ،فهو يعرف قاطنيها فردا فردا .بل يعرف أقاربهم و أصدقائهم أيضا.. وقد أمضى الرجل سنوات موغلة في الطول من عمره في ذلك
الموضع و بات موضع إكبار و تقدير الكبار و الصغار جميعا.
أخذت مقعدي إلى جوار البواب الذي كنت آنس بحلاوة حديثه و جمال معشره ..ناولني فنجان قهوة مترعة ،و رنوت إلى تلك التجاعيد التي سلكت لها أخاديد غائرة في جبين الرجل الكهل و قرأت بين التواءاتها مروءة أهل الريف و طيبتهم و سألته: منذ متى قدمت من قريتك إلى هذه المدينة الرحيبة و الصاخبة؟
أجاب الرجل مبتسما و كان ذلك دأبه دوما : منذ أكثر من عشرين سنة أو يزيد.
و صمت الكهل كأنما يعتصر ذاكرته و قال : قبل هذا كنت في القرية مع شقيقي الأكبر أقاسمه المسكن و المتجر،و حين طالبته بنصيبي في أموال التجارة ماطلني و التوى علي بالمال ثم طردني و أهلي من المسكن . فلم أجد بدا من الضرب في الأرض و التماس عمل و بيت يأويني ،ووجدتني في هذه المدينة حارسا لهذه العمارة.
و قاطعته مغضبا : ما الذي حملك على أن تذعن لطيش أخيك؟ و لماذا لم تشتكي به و تسترد حقك و حق بنيك ؟.
تطلع الكهل إلى العصافير المحلقة فوق الشجرة السامقة في الرصيف المقابل و هي تكاد تعانق سقف السماء الصقيل و تتمتع بمذاق زرقته الأزلي ..و قال :لست من طينة الرجال الذين يكثرون الشكاة و يستزيغون ارتياد المحاكم و إثارة الخصومة.
سبح الرجل في واحة من الصمت الطويل ...ثم نطق بعد أن اعتراني اليأس من أنه لا ينطق: أتعلم يا صديقي أن تلك الشجرة المنتصبة أمامك هناك نمت و ترعرعت بين ناظري. لقد غرسوها شتلة ضعيفة طرية العود . لقد كانت شيئا يعبث به الصغار و تتحرش به الهوام و هاهي اليوم كائن آخر ينتفع منه الجميع.
سيو..سيو..سيو..أمعنت العصافير في طيرانها و عبثها ذاك حول الشجرة المورقة. تلك الشجرة الشامخة كالطود و الحانية كالأم الرءوم .. . و قلت لمحدثي : و ما أخبار و لدك حسان فقد أطال المكث هناك في المهجر ؟.
كان الكهل لا يزال بصره متسمرا على الشجرة و أطيارها و رد : عشرة أعوام كأنها قرون أنفقها في تلك البلاد البعيدة دارسا للهندسة ،لكن ما يمعن في إيلامي و وحشتي هو انقطاع رسائله منذ فترة طويلة.
توقفت سيارة أمامنا و فزع البواب إلى السائق بعد أن استأذنني ..وجاءني يحمل رسالة في يده بعد أن ودع السائق بحرارة. قال لي البواب و قد أشرق وجهه بالسعادة : سي أحمد أنت رجل مبارك و فأل خير. هذا كتاب من ولدي حسان أسألك أن تقرأه لي.
سعدت كثيرا لفرحة هذا الرجل الطيب . إن سعادته بلا ريب تفوق فرحة تلك العصافير التي تقفز على أفنان تلك الشجرة الودود ..و قرأت الرسالة في روية و البواب يرمقني بعينين يتلألأ بينهما الفرح و الحبور حينا و الترقب و الإشفاق من المجهول حينا آخر .و قلت : أبشر يا عم زيدان إن ولدك قد نال شهادة الهندسة و سوف يكون بين أحضانك قريبا.
و هنا تزاحمت أدمع الفرحة في مآقي الرجل و أخذ يشكرني بكل مفردات الثناء و الشكر..و جلست إليه كعادتي بعد أيام نحتسي فناجين القهوة التي تجيد زوجه إعدادها . و فجأة قطع علي نشوة استمتاعي بنكهة تلك القهوة الفاخرة قائلا : أنظر إلى تلك الشجرة ،لقد هجرتها العصافير اليوم.
أدهشتني ملاحظته النفاذة والتي غفلت عنها.. و أجبت : مثلها كمثل الأم المرتاعة لفقد أبناءها في يوم عاصف مطير .
قال الرجل متأثرا و كأنني لمست وترا آلمه : أتدري كم أشتاق للقاء حسان ؟ بل إن البكاء يغالبني أحيانا لولا أن أتحلى بالصبر و أواسي النفس بأن حسان هناك من أجل الدرس و التحصيل و سرعان ما يؤوب إلى موطنه و إلي .
في هذا الحين كانت تلك الشجرة تتهادى على عزف منفرد لريح هينة أخذت للتو تغازل الأوراق الشاحبة أملا في أن ترد إليها الحياة. و تدفع عنها سطوة الخريف الذي بدأ يزحف رويدا رويدا حاملا معه الوحشة و البرد و الصمت.
و هممت بالحديث..(بيب...بيب...بيب...بيب) وقفت سيارة فارهة تبهر الألباب . و انتصب البواب كعادته حين يقرع سمعه منبه السيارات...مثلما يصنع تأثير منبه بافلوف كما يقول أصحاب العلوم...راح يتفرس في هوية الشخص الذي يقود المركبة ،و حدق في ملامحه و أمعن في التحديق حتى أدهشني أمره .ثم أفرج بعد لأي عن صيحة ضج لها المكان : من؟ ولدي حسان ؟ مرحبا بك يا قرة عيني.
و هرع إلى فتح باب السيارة و نزل شاب وسيم الطلعة و أنيق الثياب ،و راح الوالد يقبل ولده في سرور و سعادة عارمين و أخذ يتلمس شعره و وجهه و يديه ... لكن قسمات الشاب كانت كالجليد يكتنفها التبلد و البرود و عدم الاكتراث. فالولد لم يحفل قط باحتفاء أبيه به ،الأمر الذي حز في نفسي كثيرا.
قال الولد بعد أن تطلع إلى البواب مليا : أما زلت قابعا أمام هذه العمارة تحرسها مذ تركتك ؟؟؟.
وقف الكهل ذاهلا أمام هذا الاستقبال الجاف و هذه الرعونة القاتلة... قال و قد تلاشت البسمة من وجهه للتو مثلما يتلاشى النهار أمام زحف الليل :أجل يا بني لا زلت بوابا ،و بفضل راتبي الزهيد أتيح لك أن تدرس هناك في المهجر.
قال المهندس في ازدراء قاتل و هو يركب سيارته الفارهة : أرجو منك أن تتخلى قريبا عن هذه الحرفة البغيضة . فأنا أكره أن يعلم صحبي أن أبي بواب.



