في ليلةٍ يسكنها الظلام ووحشة الأيام يخطو بخطواتٍ مثقلةٍ على أرضِ الوطنِ ويتركُ بصمةٍ غريبة على كلِ حبةِ رملٍ تلامسُ قدميهِ كأنهُا قبلات عشاقين يجمعهما اللقاء بعد فراق وعناء طويل.... يرافقهُ في خطواتهِ ذكرياتهِ التي تركها هنا قبل عشرة أعوام ويرحل حينها الى بلدِ أخذ منهُ الكثير. أنه شاب في الثلاثين لكن أهلكهُ متعاب وشقاء الغربة ليرسم الكبر لوحتهُ على ملامحِه. الذكريات بأسى تترك نياشينها في جسده المتعب وقشعريرة فيُ بدنهً فيعادُ أمامهُ شريطِ ذكرياتِ طفولتِه عندما كانت توبخهُ والدتهُ كل ما كان يقتربُ من التمثالِ الرخامي المنتصبِ على طاولةٍ خشبيةٍ كبيرةٍ قربَ سريرها في غرفةِ نومها. كان التمثالُ عبارةً عن فتاةٍ عاريةٍ يستثنيها قطعة حريرية يغطي أسفلَ خصرها.... لا يعلمُ أن كان هو يكره هذا التمثالَ أم أنه ممتنٍ له لكونه يمثلُ دوراً كبيراً في نشأتهِ. كانت ليلتها تبدو مثيرة ويطلُ عليها ضوءُ القمرُ الخافت لينيرَ جسدها الرخامي الابيض حيثُ كانت الليلة الاولى لوالديهِ العروسين والليلة الاولى التي تسقط بيها قذائفُ الفرسِ على بغدادِ..... كان والدهُ يعشق التمثال بعشقه لزوجتهِ الذي يجمع الشبه الكبير بينهما....
هنا وعلى هذا الموقعِ كانت ولادتهُ ونشأتهُ ليتحولَ مع مرورِ الأيامِ الى بيتٍ مهدمٍ لاتسكنهُ سوى أنقاضٍِ من بقايا الحربِ المدمرةِ.... يتقدم بخطواتٍ باردةٍ داخل الهيكل. تلسعهُ
أخترقت ليلتهم قذيفةٌ من امطار جهنم لتشطرَ السريرِ الى شطرين ويرحل بها الوالد الى ابواب الرحمن تاركاً بصماتِ دمهِ على اجزاءِ جسدها فيخدش عذريتها. لكن لم تتصور الام بأنا نطفة الفزع ستستقرُ في احشائها ليتكونَ منها هذا الشاعر الذي يتوسطُ الغرفة الآن . ثم برغبةٍ ملحةٍ في نفسهِ يشدهُ الحنين الى غرفتهِ كحنينهِ الى حبيبتهِ التي خذلها وتركها لتنهشَ بها اظافرَ الزمنِ بقسوتها. كانت الغرفة صامتة تعاتبُه وأثارَ أغتصابها على يدِ جيوشِ الاحتلالِ ظاهرةً على كل ركن فيها.... أثارت في نفسِ الشاعر عتاب حبيبته فحمل سلاحهُ ليدافعَ عنها وأن كانت عودته بعد حين. فجأة يصمتُ القلمُ ويتجمدَ الدم في وجههِ وهو يشعرُ بلمسةٍ خشنةٍ تلامسُ كتفهِ من الظهرٍ.
ما أن رفعَ جبينه حتى وجدَ مجندون حاملون اسلحتهم في وجههِ.
يصرخ بصوتٍ مفزع.
- مَن انتم ؟؟!!!
الكلمة الوحيدة الذي ينطق بها لسانهُ ثم يسكنُ ظلامٌ قاتمٌ في عينيهِ. يشعرُ فلا يرى يسيرُ الدربُ وهو يشم رائحةَ الدم على اطرافِ الطريقِ واصوات عتادٍ ترحلُ كأنه ينسحب من معركةٍ دمويةٍ حتى يصلَ بهِ الظلامُ الى ساحةٍ خاليهٍ يشعرُ حينها بنسمةٍ باردةٍ تلامسُ جسدهُ فيتلاعبُ الهواءُ في خصلاتِ شعرهِ بهدوء حتى يستقرُ الوضع بهِ في سردابٍ عميقٍ مظلمٍ فيرفعُ المجند الغشاوة السوداء عن عينيِه.... هنا يكررُ سؤالهُ من جديد لكن بهدوءٍ اقل من الاول..
- من أنتم؟؟؟
لا مجيب...
وهو حائرٌ مندهشٌ......
- ماذا تريدون مني؟؟؟ ومن أنتم؟؟؟!!!
اجابةَ الزعيمُ ستعلم في الحالِ عندما ترفعُ رايتنا على جبينك فتسيرُ بها بين قومِك. بعد ان نطق بهذه الكلماتِ القليلةِ أشارَ الى احدِهم باتمامِ المهمة.
هنا رفعَ المستخدمُ نجمةِ داود من على جمرةٍ حارقةٍ كي يطبعها على جبين الشاعر.......
بقلم
هناء الجلبي
21 – 10- 2009



