أمنية ما بعد الموت

منذ ألاف السنين جاء مسافر غريب من الفضاء الخارجي إلى الأرض، كان قويا ومن شعب متقدم، قطع مسافات خرافية ليرى أهل الأرض، صحيح انه أحبهم ولكنه حب السيد للعبد، كان يعتقد أنه بسهولة سيصبح ملكا على الأرض، كان يعتقد انه بقوته سيخضع كل بشري لسطوته، كان يعتقد انه بذكائه ووسامته وكبريائه وعلو مكانته سيجندل كل فتيات الأرض في هواه.

دار حول الأرض لسنوات عديدة، كان عمره مئة ضعف عمر البشري العادي، فظهرت أجيال وماتت أجيال وهو ما يزال في قمة شبابه، ولم يكترث لوجود أية بشرية لأنه عرف أنها ستذوب في هواه بمجرد رؤيته، لقد كان غريبا وقويا ووسيما، حتى أن فتيات الأرض ظنوه إله وعبدوه، ولكن في مكان ما على الأرض ظهرت هي، أجمل بشرية سكنت هذه الأرض بعد حواء، أو هي حواء وقد عادت للحياة مرة أخرى، وكانت كأي حواء تهوى شخصا ما، فلاح فقير ولكنها تحبه ويحبها، شاهدها ذلك المسافر ووقع على الفور في غرامها، طلبها للزواج ولكنها رفضت ، حاول أن يغريها بالذهب والكنوز التي لم تقع عينا فتاة أرضية عليها من قبل ، وعدها بالخلود والقوة والعلم، وعدها أنه سيأخذها في رحلة لتشاهد الكون كله، ولكنها رفضت حبه وأصرت على حبها للفلاح الفقير.

هددها أنه سيقتل ذلك الفلاح إذا لم تطعه، ولكنها أخبرته ضاحكة إنه بقتله للفلاح ستزداد كرها له ولن تحبه أبدا، هددها أنه سيقتل أهلها، هددها أنه سيحرق الأرض، ولكنها رفضت طلبه بشجاعة، دار حول الأرض عدة مرات بمركبته وهو يطلق النيران منها عاليا، شاهد سكان الأرض نارا هائلة في السماء وعيون نارية تنظر لهم بغضب هادر، كل أهل الأرض سجدوا إلا هي، سجدوا في وحشية وحاولوا أن يقنعوها ويجبروها بالقوة، حتى الفلاح تخلى عنها وأخبرها بكرهه لها لأنها ستتركه يحترق، ولكنها رفضت.. رفضت وأصرت على موقفها، صعدت على الجبل ليراها المسافر في مركبته ويراها الناس على الأرض، وضعت ساقا على ساق بينما المسافر يدور في السماء وهو يهددها بالتدمير الشامل، سجد سكان الأرض مرات عديدة له ولكنها ظلت تضحك ولم تغير من جلستها، تلك الساق المستهترة فوق الساق الساخرة.

بكى المسافر أمامها وتوسل، تضرع إليها وأخبرها أنها ستصبح ملكته، ستصبح ملكة الأرض كلها، ثم عاد ليبكي بين يديها، قبل قدميها، ولكنه لم يجد منها سوى الرفض، حاول لفترة طويلة للغاية وجرب كل الطرق إلى قلبها، حتى انه سجد أمامها.. ثم لم يجد في النهاية إلا أن يقتل نفسه أمامها فقط لتشعر ببعض الحزن عليه أو يصاب قلبها بالأسف.. فقط الأسف.. هذا كل ما يريده، أقصى أمانيه أن تأسف على موته، أو تتذكر هيئته الحزينة وحبه لها في يوم من الأيام، هددها بذلك، سحب سلاحه وحز عنقه في بطء، ولكنها ظلت مبتسمة ورافضة، فقط عندما سالت دماؤه أمامها نهضت ووضعت يدها على شعره الأشقر، نظرت في عينه ذات اللون الغريب، تفحصت نظرته الحزينة ومعالم الهوى على وجهه، عندها فقط سالت دمعة حارة من عينيها وطبعت قبلة على رأسه.. لقد رفضت حبه وهو حي قوي، وقبلته هو ميت ضعيف.. ولكنها عرفت أنها حققت آخر أمانيه.