حدثنا با لمعطي ذلك الرجل الطاعن في السن، المشتهر بمستملحاته و حكاياته الغريبة والعجيبة، وهو يسترجع ذكريات طفولته و شبابه بإحدى الأحياء التي كان يقطنها ، بأسلوب مشوق جعلنا نتحلق حوله، متخذيه مركزا لقطر دائري، مشخصين الأبصار في طريقة حكيه ومفتحين البصائر في المعاني البليغة التي تتضمنها مروياته٠٠
حدثنا قائلا : كان يوجد بحينا القديم ، رجل قوي يدعى الغول، طويل القامة، عريض المنكبين، واسع الصدر شكلا ،ضيقه رأفة ورحمة ٠٠يعبث بكل المخلوقات والأشياء، لا يدع ولا يذر ولا يخاف لومة لائم٠٠ولا يحن قلبه لمن استعطفه أو استنجد به ٠ لم يكن أحد يتجرأ للإشارة إليه ولو بالبنان٠٠بل السلطة الأمنية تهابه و تخشاه لهول ما يقوم به وتسمع عنه جبروته٠٠الكل يسعى للنجاة من بطشه٠٠استمر الحال على هذا المنوال إلى أن ضاق الجميع بهذا الذل والهوان ٠
بدأت مناوشات أفراد الحي جنينية تستفهم حول الوضع ، حي بكامله يخاف ويهاب رجل واحد ؟
كبرت الاستفهامات وكثرت معها الاجتماعات الخلوية زرافات وأفرادا٠٠كيف لرجل لمجرد اسمه الغول أن يزرع الرعب والهلع والخوف والبطش في حي بكامله٠؟
دوت صرخات جماعية داخلية محدثة ثورة بلا٠٠لا؛لا؛لا، وألف لا٠ يجب من الآن إعلان راية العصيان ؛ لا للذل ، لا للهوان ، لا للفرقة ،لا لا، لا٠٠ونعم للوحدة؛ نعم للتضامن ، نعم للتكتل٠٠!٠لم يكن يدرك الغول ما يحاك ضده للإطاحة به ، وإصابته بالضربة القاضية ٠ إستقررأي أفراد الحي على الكيد للغول بعدما وصل السيل الزبى، وذلك بالتربص له عند مقدمه فرادى و جماعات، هنا وهناك٠٠والالتفاف حوله بعد توزيع المهام فيما بينهم ٠ فمنهم من أسند إليه أمر رميه بالتراب على وجهه ليفقد السيطرة على نفسه وعدم تمكينه من الرؤية ، ومنهم من أسندت إليه عملية طرحه أرضا و إسقاطه وهي أصعب المهمات باعتبار الغول جبلا متحركا وليس جسما آدميا ٠ توحدت القوى ،فجعلت من الغول عود ثقاب بعدما جعلته طريحا على الأرض ينهال عليه بالرفسات والركلات، واللكمات من كل حدب وصوب، حيث خارت قواه ، وأصبح كحمل وديع يئن٠٠لم يستسغ آخرون أنينه أضافوا إليه صنفا آخر من الرفس والركل والسب و الشتم واللعن٠٠! كانت الضربة القاضية للغول ، ألحق على إثرها المستشفى ليلفظ أنفاسه الأخيرة٠ أخيرا سقط الغول بفعل تضامن أفراد الحي جميعهم وإذاقته الأذى الذي أذاقهم إياه لسنين٠٠سقط الجبار الظالم ؛ وكل جبار ظالم لا بد وأن تخور قواه كما خارت قوى الغول إن عاجلا أم آجلا ٠ عمت الفرحة الحي ، وعلت زغردات النساء معلنة نهاية مرحلة٠٠صاح الأطفال مهرولين ، سقط الغـــــــــــول ؛ سقط الغـــــــــــــــول٠٠٠
إسترد الحي حياته الطبيعية ؛ تحسنت العلاقات بين الأفراد٠٠؛ كثر التزاور بين الأسر و العائلات والأصدقاء٠٠أصبح الحي يضرب به المثل في الحياة العامة٠ ونحن ننصت بإذعان إلى با المعطي ذلك الرجل الطاعن في السن ؛ البشوش السريرة ، ذو الوجه الوضاء ،واللحية المنسدلة التي ينبعث منها الوقار ، وهو يسرد لنا حكاية الحي الذي كان يقطنه ، طلب منا في الختام ، أن نبلغ عنه الغائبين حكاية سقوط الغول ٠ وهأنذا قد بلغت فاشهدوا ٠٠
تحياتي: القيشوري
سقوط الغـــــول
- التفاصيل
- كتب بواسطة: عبدالكريم القيشوري
- المجموعة: القصة والرواية
- الزيارات: 6