أيام ندى الجديدة ، تبدو متعثرة في هذه القرية الصغيرة ، فهي لم تعتد بعد على هذه الأجواء ، ولم تتعرف لحد الآن على أي فتاة من فتيات القرية ؛ كما لم تتخذ بعد صديقة من زميلا تها في العمل .. كل ما يسليها هو ذكرياتها .
اليوم ..كان يوما مختلفا فقد دق "المقدم " باب منزلها وسلمها رسالة ، مضت مسرعة إلى غرفتها واستلقت على السرير .. لقد كانت رسالة من "وسام " ، فتحت الرسالة :
"عزيزتي
مضيت عني ، مخلفة فراغا رهيبا في حياتي ، أنا الآن جالس في حديقتنا المفضلة ، أتأمل زهورها ، وفي صدري لوعة وسؤال محرق : لماذا شاء القدر أن تكوني في صحراء ، أيتها الزنبقة البرية ، بعيدا عن عيني ؟ أتذكر ملامحك الآن ، وقسمات وجهك وأخاف أن ياتي يوم أنسى فيه طعم الذوبان في بحيرات عينيك !
أهديك زنبقة ، لعلها تأنسك وتأنسني إلى السبت القادم !
وســام "
وتمضي أيام" ندى " متشابهة ، رتيبة لا تكسر رتابتها إلا رسائل " وسام " ، الواردة كل سبت .
اليوم سقطت أمطار غزيرة ، ذكرتها بولعهما الشديد بالمطر ؛ ذهبت إلى صندوقها الخشبي وأخرجت رسائل السبت ، وقرأت آخر رسالة :
" عزيزتي ندى
في عمق الظلام والعتمة ، كنت جالسا ، وحيدا كالغريب أتأمل السماء والريح تعوي ، والبرد قارس ، وكاظم يغني في أذني .. فتزداد وحدتي .
صراحة أجد في هذه الوحدة لذة ما ونشوة غريبة ، وربما أحس بأن أهم ما أفتقده في هذه اللحظة هو المطر الذي أحس تحته بالصفاء والطمأنينة ، وأحس أيضا بأنه سوف يجعل هذا المشهد الدرامي في أبهى صوره .
غيابك يمنحني نشوة كبرى ، حين أجلس وحدي وأفتقدك ، وحينما أنظر إلى جانبي وأقول هذا مكانك ) المفترض ( وكاظم يزيد من رومانسية اللحظة ، إنى أهرب من العالم المتحرك هنا إلى العالم الجامد حيت أنت خوفا من شيء مجهول ، أو ربما رغبة في أن تملئي أنتي وحدك فراغي ووقتي وفكري ووجداني ، ولأنى أيضا وفي هذه الأجواء أتذكر وأستحضر بعمق تلك الأحاسيس القوية التي هزتني عندما رأيتك وأحببتك .
وسام "
تسرع إلى شريط كاظم الساهر ، وتسهر ليلها مع كلماته وكلمات الرسائل .
مضى شهر ولم تتوصل برسائل " وسام " كما اعتادت كل يوم سبت ، أحست بالضياع ، فرسائله هي الفرحة الوحيدة في أيامها الرتيبة ؛ تعود إلى رسائله لتأنس وحدتها و لتبحث بينها عن سبب هذا الانقطاع المفاجئ لرسائله ..تأخذ رسالة كثيرا ما أثارت مخاوفها :
عزيزتي
تتوالى الأيام ، وفي كل يوم تنكشف أشياء جديدة في ذواتنا ..في أنفسنا ، وكم هو صعب أن يعرف الواحد منا نفسه ، ما لم تتوفر له مرآة يرى فيها نفسه ، وصعب أكثر أن يجد مرآة تعكس صورته الحقيقية دون أن تخدعه ، تغيرات الظروف وصروف الدهر ومواقفه تزيل كل ما هو مزيف ، وكل ما هو هش ؛ ولا يصمد أمامها إلا ما هو حقيقي .
عزيزتي ؛ أكتب لك هذا السبت لأتساءل : هل يقتل الزمن الحب ؟ يقولون إن الحب يجعل الوقت يمر بسرعة ، والوقت يجعل الحب يموت ببطء ، وكنت ترددين على مسامعي : " بعيد عن العين بعيد عن القلب " ، فها أنا بعيد عن العين فهل أنا بعيد عن القلب ؟
هذه التساؤلات طرحتها على نفسي وأنا أتأمل في موضوع الحب والزمن ؛ وفي موضوعنا .. حقيقة هناك علاقة رابطة بينهما ، و بالنسبة لي هناك عامل آخر يضاف للزمن وهو البعد ، فالبعد عن الحبيب لزمن طويل يخمد جذوة الحب ، فالحب يا "ندى" يجعل من الصحراء جنة خضراء ، ولكن عندما يبتعد الحبيب تذبل الأغصان ، وتهاجر الطيور وتصبح الأرض / الذاكرة جـــــــــــــــــــــــــــرداء!
وســـــــــــام
خالد الخراز