الكاهنة
 
 
على الرغم من حداثة سنها إلا أنها قادرة على قراءة الحواس وتخيل بالمستقبل بكل تفاصيله
صادفتها خارجا من إحدى الأماكن التي يرتادها أمثالي من العشاق المشردين – كانت جالسة على إحدى ناصيات الشوارع المظلمة تحت احد أعمدة النور غير المنتشرة بكثرة في ذلك المكان
 
فنادت: أنت, يا رجل
    تلمست نفسي وأدرت وجهي باتجاه ذلك الصوت الأنثوي القادم من مكان ليس ببعيد
فسألتها : هل نديتني
قالت : نعم, اقترب مني ولا تخف
     متعجبا , شعرت أنها حقا تريد مجالستي ومشاركتي الكلام
اقتربت منها بما قيه الكفاية, فقالت لي:اجلس, فجلست القرفصاء
ثم قالت بعد أن تأملتني قليلا:ما بالك شاحب الوجه, عديم الإرادة, لا تقوى حتى على المشي ؟
فأجبتها, سائلا: وهل يعنيك هذا الأمر؟
شحنت نفسي متأهبا للمغادرة, وبسرعة أمسكت يديّ بشيء انتفاضة السحر في عينيها, لا اعرف لماذا اعرف تبدد ذلك الخوف الدامي الذي كان يملا قلبي, وما سر الشعور أني بحاجة إلى الكلام معها ؟
تركت يديّ متحسسة برودة أصابعها, لتعيدني إلى هذا العالم مرة أخرى
 سألتني: هل تريد الكلساحرة. ؟ -وابتسمت- يا لها من ساحرة .....
 
   تململت  قليلا لأحسن من جلستي , ومن دون أي إجابة أو ايمائة بالقبول عمدت إلى سرد قصتي مع تلك الفاتنة الغامضة التي دخلت حياتي , وتغلغلت في مسامات روحي ,  وغيّرت أسلوب تصرفي .
   - كل ذلك كان عن طريق الصدّف ولن اسمح للأيام أن تخرجها بتلك البساطة المعهودة –
  
       بدأت قصتي معها عندما كانت خارجة من إحدى البوابات التي كان يغادرها مئات الأصناف من النساء والفتيات.
لا اعرف لماذا هي بالذات التي هيّجت هذا الخافق المذبذب نحوها , وقفت مسرعا وعيني لم تنزل عنها ,استمريت بالزحف حتى وصلت ذلك الجبل الماسي  .
ألقيت عليه التحية فأجابت بالقبول –صمت – اختفت كل ماركت اللغات التي أتقنها, نظرت إلي بتعجب وابتسمت.سبحان الله ,تلك الشفاه القادرة على سحق كل الهواة في هذا المضمار
 
  لم البث أن ابدأ قصتي لكي أكملها حتى قامت تلك الكاهنة باستلام دفة الحديث منّي , لتكمل هي ما بدأته
  وقالت : أنت يا صديقي , عاشق من الدرجة الأولى لا تعرف ماذا تريد من هذه الإنسانة سوى أن تراها كل يوم
خيّم على المكان صمت مزعج لبرهة, ثم أكملت سائلة:هل تريد علاجا لهذا العذاب ؟ - لم تنتظر إجابتي – وقالت: واجه العذاب بالعذاب, واحرق النار باللهب, وان كنت لا تجرؤ على ذلك.فانتظر القدر يفعل هذا  وتحمل أعباء الزمن
  ثم وقفت واستأذنت بالوداع ولقاء آخر, ومضت في طريقها تعظ هاوٍ غيري.
  
  كيف يكون ذلك ؟ كاهنة كهذه تدخل أجندة حياتي وتعقب عل تصرفاتي ثم تغادرني ... لكن كيف سأراها ثانية ؟ ... استيقظت من كابوس أسئلتي لأبحث عن إجابة
    ناديتها 000 كانت قد ذهبت فلم تسمعني
 
إلى متى سيستمر مسلسل الصدف هذا في حياتي, ومتى سيأتي ذلك اليوم الذي سأرمي فيه عبء الزمن
ما زالت قصتي قائمة مع هذه الموسوعة الجمالية, وما زال القدر يقنعني لأصارحها بما يدور في نفسي, أتمنى أن يأتي يوم يغلبني فيه القدر وافجّر مشاعري بين يديها    
                                                                                                
 
 
                                                                                          بقلم:
هارون الرشيد 
السبت: 1/12/2007