-  الشبح -

 

خرجت فاطمة لتوّها من المحكمة بعد أن أنهت ارتباطها بمحمد زوجها الظالم, الذي لم يتعلم من رابط الزوجية المقدس سوى ممارسات التعذيب التي كان يتفنن بها, وإمضاء توقيعه القاسي على جسد فاطمة الناعم ضربات وحروق جعلت طعم الحياة معه مثل العلقم , لم يعد بالامكان أن تضع نفسها بين يديه القاسيتين مجددا , و بعد عراك دام أكثر من سنتين , أطلق محمد سراح زوجته في المحكمة بعد إجبارها التنازل عن حقها أمام القاضي .

لم تعطي اهتماما للمال , لم تكن مثل أولئك النساء القويات اللواتي يصمدن في وجه المجتمع الذكوري لينلن مرادهن , اكتفت بالرحيل بسلام من جحيمها الذي ترك بصمة لن تنساها فاطمة طوال حياتها .

لاحظ أباها الذي تمكث عنده الآن تغير ظاهرا في شخصية ابنته المرحة , النشيطة , وميلها لمصاحبة الوحدة في غرفتها , ورغبتها المتواصلة لشرب القهوة مع ذكرياتها بصمت كل صباح, مسترجعة سيناريو الألم الذي لم تخرج من فوهته لحد اللحظة , تشاور مع أمها وتناقشا حتى طلوع الشمس لإيجاد طريقة لإخراج ابنتهم الوحيدة من عالمها المظلم هذا , وفتح أبواب الأمل أمامها, فهي لم تزل صغيرة على حمل الهموم من الآن, توصل الوالدان الى الانتقال من المدينة والرحيل الى منزل آخر , علها تستطيع محي صورة طليقها ومعاناتها معه من ذهنها بتبديل جلد التفاصيل الغامقة التي حفظتها معه في هذه المدينة .

وهذا ما حصل فعلا , بدأ أبو فاطمة البحث عن منزل في المدينة المجاورة , وبعد مدة وجد مراده , منزل صغير مع حديقة خضراء , حوله القصور والمنازل الحجرية الراقية , باع منزله فورا و كل محتوياته من أثاث وفرش , واشترى البيت وأثاثا جديدا مغيرا بذلك مرحلة من حياتهم بالكامل من اجل ابنته المدللة .

وصلت العائلة صباحا الى المنزل الجديد , وبدأ العمّال بتنزيل الأثاث إليه , تحت إشراف  أبو فاطمة , وبينما كان مشغولا هو وعائلته  بمساعدة العمّال إذا برجل يقترب منهم ويسلّم على أبو فاطمة , أنه جارهم الجديد حسّان الذي يسكن في البيت المجاور , طوال الوقت كانت نظراته لوالد فاطمة غريبة وفيها الدهشة التي لاحظها عليه عبد المجيد – أبو فاطمة – فسأله عن السبب ...

-         ما بك يا سيد حسان أثمة شيء يريبك ؟

-         نعم سيد عبد المجيد ... لا لا ليس هناك أي شيء

-         ماذا تقول نعم ثم لا أهناك شيء فينا لم يعجبك ؟ أم هناك شيء في المنزل؟ عطلا ما , خلل ما , أخبرني فأنا لم أوقع عقدي مع صاحبه بعد ؟؟

يقترب حسان منه ثم يقل بصوت منخفض ..

-         ان هذا المنزل كما يقول الكثيرون في الحي مسكون بالأشباح والعياذ بالله

-         ماذا؟ هذه خرافات أنا رجل مؤمن ولا أؤمن بوجود مثل هذه الخرافات 

-         أنت حر أيها السيد , لكن واجبي كجار لكم يحتم عليّ تحذيركم .

-         شكرا يا سيد حسّان على تحذيرنا , لكنا مصرون على  العيش في هذا المنزل فهو مميز وجميل، والأيام ستثبت لنا وللجميع صحة أو ضعف روايتك

-          أنتم أحرار كما قلت لكم ,  عائلات قبلكم سكنت هنا , ولم يطل مكوثهم أكثر من شهور ثم يسمعون أصوات و يشاهدون أشياء تتحرك في المنزل .

-         أيها السيد أنا وابنتي وزوجتي مؤمنون بقضاء الله , و إن أصابنا أي مكروه فهو من عنده سبحانه و تعالى .

-         على أية حال , أهلا وسهلا بكم , وأتمنى أن لا أكون قد أثقلت عليكم

-         لا , سيد حسّان شكرا لك وأتمنى أن نصبح أصدقاء

-         إذا اسمحوا لي سأغادر الآن

-         مع السلامة

لم تبالي العائلة بما سمعته من حسّان , و بعد الانتهاء من عملية النقل , أغلقوا الباب على حياتهم السابقة , وفتحوا بابا للأمل في أياما أجمل ومستقبل أكثر إشراقا لابنتهم التي ما زالت في  مكنون أفكارها تعيش في ذكريات الماضي .

دخلت الى غرفتها الجديدة, بدأت رحلة الاستطلاع في محيطها تضيء بسمة على وجهها , فتحت نافذة الروح بتنهيدة , جلست على سريرها  وصارت تشم وردة كانت قد التقطتها من الحديقة محاولة أن تنقي دماغها من جراثيم البال التي لوثت الإنسان الجميل في داخلها .

خيم الليل , لم تستطع فاطمة النوم في الليلة الأولى , فلم تتأقلم بعد على رسم اللوحات الجميلة في الغرفة, وما زالت عالقة بألوان الماضي المتشابكة , أغمضت عيونها لتخلد الى النوم , ولتغادر نحو الأحلام , فجأة أوقفها سماع صوت غريب في غرفتها , هناك من يبكي , أنها تسمع الصوت بوضوح , قامت الى النافذة و نظرت الى الخارج , لم تجد أحد , فتحت الباب وخرجت الى غرفة الجلوس , ليس هناك احد يبكي والكل نيام, إن الصوت قادم من غرفتها , وما زال يتعالى , وبعد بحث دام نصف ساعة تأكدت فاطمة إنها متعبة وان هذه أوهام , فاليوم كان شاقا كثيرا, قررت تجاهل الصوت والنوم, لكنها ما أن وضعت رأسها على الوسادة, حتى سمعت الصوت مجددا, انه واضح هذه المرة ...

-         من هناك , من الذي يبكي ؟؟؟؟ أرجوكم هذا ليس مزاحا ..

شعرت بالخوف يسري داخلها , ارتعشت أطرافها معلنة القلق في أرجاء جسدها كله, توقف النحيب فجأة وعاد الهدوء لغرفتها , خلدت فاطمة للنوم بعدها .

تكرر سماعها للصوت لليلة الثانية , وصار الموضوع أكثر جدية , صارت تصرخ بصوت عال ..

-         من هناك ؟؟ أخرج أيها الجبان ؟؟؟ أمي أبي ألحقاني

استيقظ الوالدين مذعورين وتوجها بسرعة لغرفتها

-         ماذا هناك يا ابنتي , أهو كابوس ؟؟؟

-         لا ليس كابوس يا أبي , أنا اسمع صوت بكاء هنا في الغرفة وقد تكرر سماعي إياه لليوم الثاني أرجوك أبي

نظر عبد المجيد الى منى زوجته بنظرة مهمومة وكأنه يقول لها , لم تتخلص بعد من حالتها , فهزت منى رأسها موافقة ثم حضنت ابنتها مهدئة إياها بقراءة آيات قرآنية لها حتى نامت .

تأقلمت فاطمة مع سماع البكاء كل ليلة كاتمة في داخلها أي شعور بالخوف أو القلق, حتى لا يظن أهلها بأنها لم تتخلص من ماضيها بعد, ويعيدون الاسطوانة القديمة , لكن في هذه الليلة لم يحدث شيء لم يبكي أحد , كان أمر روتينيا بالنسبة لها, صارت حالة البكاء أمر لا ترغب في اختفاءه فصار نوعا من التسلية لها وعادة صارت تستحبها مثل شرب القهوة والجلوس لوحدها, لم تنم حتى الآن منتظرة صوت البكاء ليلبي نداءها, تطور الأمرأكثر فبدلا من البكاء صارت تسمع صوتا يكلمها هذه المرة ....

-         مرحبا فاطمة

بدأ قلبها بالخفقان وأحست بنوع من الخوف مجددا, من يكلمها الآن , لم تشأ أن تنادي أهلها حتى تتأكد من مصدر الصوت جيدا ...

-         من هناك ؟؟ من أنت ؟؟؟ وكيف عرفت اسمي ؟؟

-         أحبك يا فاطمة أحبك

-         ماذا ؟؟ ماذا تقول ؟؟ تحبني , من أنت أخرج أيها الوقح , أخرج قبل أن أطلب الشرطة لتقبض عليك ...

اختفى الصوت , أسرعت فاطمة للنظر من النافذة لتشاهد صاحب الصوت لكن لم تلحظ أي حركة في الحديقة , ولم يفتح الباب , صارت تجول في خاطرها أسئلة كثيرا , أصرت أهذي ؟؟؟ أجننت ؟؟؟ 

استنتجت أن كلام والديها حول تخلصها من حالتها صحيحا, وهذه الأصوات ما هي إلا منبه داخلي يذكرها بعدم نسيان الماضي الذي تجاهد من اجل محوه من ذاكرتها .

استيقظت في الصباح بنشاط غريب , تغيرت غرفتها بشكل جميل , أشعة الشمس تتغلغل من بين قضبان النافذة والستائر , ورد بنفسجي مدهش يزين طاولتها..

-         ما أجمل هذه الورود  , آه أنها تبعث فيّ الفرح , سأشكر أمي لأنها وضعته لي في مزهريتي .

توجهت للمطبخ حيث أمها , قبلّتها على غير عادتها وجلست تساعدها في تحضير الفطور وهي تدندن وتغني بفرحة ... طالت أمها الفرحة وقالت ..

-         وأخيرا يا ابنتي , منذ زمن لم أراك بمثل هذه الحيوية , أدعو الله أن تعودي لنا كما كنت

-         نعم يا أمي , لقد عدت والفضل لورودك البنفسجية التي وضعتها في غرفتي , وكوب القهوة .

اندهشت الأم , وتبدلت ملامح وجهها , لقد وضعت فنجان القهوة بالفعل , لكنها لم تضع أية وردة ... فقالت في داخلها ...

-         ماذا تقول ابنتي ؟؟ عجبا  , ثم قالت لها

-         أي ورد تقصدين , أنا لم أضع لك أية ورد , يبدو انه والدك , فقد أورثك هذه العادة منذ الصغر وجعلك تغرمين بالزهور مثله تماما ..

-         إذا سأشكره حينما يرجع الى المنزل

-         لقد خرج منذ الصباح الباكر , وأظن أن هذا وقته , هيا ضعي الأطباق على طاولة السفرة

-         حاضر يا أمي

حملت فاطمة الأطباق وذهبت الى غرفة السفرة وإذا بوالدها يفتح الباب ويطل حاملا معه باقة من الورود قطفها من الحديقة

-         صباح الخير يا حلوتي , ها ما كل هذا النشاط على غير العادة , تفضلي يا ابنتي هذه الأزهار لقد قطفتها لك توا .

-         شكرا يا أبي , لكن الزهور التي قطفتها لي صباحا أجمل بكثير ..

-         زهور , أي زهور ؟؟ أنا لم أقطف لك سوى هذه الزهور التي في يدي , قد تكون أمك من فعلت !!

رجفت يديها وأوقعت الصحون منها وكسرتها , أسرع أبوها نحوها .. لكنها توجهت لغرفتها لتحضر الزهور وكانت هناك المفاجأة ... لقد اختفت الزهور ... لقد كانت هنا قبل قليل ... صدمت فاطمة .. وكانت الصدمة عنوان جديد أضافه عبد المجيد لهموم ابنته السابقة ...

-         لا عليك يا ابنتي ... يبدو انك كنت تحلمين .. لا تقلقي

-         لقد كانت هنا الآن , أنا متأكدة صدقني يا أبي .. لقد شممتها وضممتها صدقوني أنا لا اهذي .

بكت فاطمة , حضنها عبد المجيد مطمئنا إياها , ومصدقا لروايتها عل هذا الشيء يخفف من الأزمة قليلا ....

دخل البيت الحزن أكثر , فعلى ما يبدو أن الموضوع معقد أكثر مما يظن الجميع , لكنهم قرروا إرجاء الموضوع للأيام آملين  أن تنسجه بشكل أفضل .

أرخى النهار ستائره , وحل الليل على المنزل الحزين , فاطمة امرأة مكسورة الجناح , امرأة مسكينة نثرت جرحها على البيت كله , وأرغمت الجميع على ارتداء الألم والهم , دخلت غرفتها لتنام أغمضت عيونها مصرة على إغماض أجفان الوهم , لكنه يسهر معها واليوم كلمّها أكثر من ذي قبل .....

 

 

-         مساء الخير فاطمة ...

-         أعدت من جديد ؟؟؟

-         لا تتصوري مدى سعادتي ... اعتيادك على حضوري الى غرفتك أعاد لي ذكرياتي في هذا المنزل ... حركني من سكون سنين ... أخرجني من قيدي المغبر المتعفن على جدران البيت .

-         منذ متى وأنت تسكن هنا ؟؟

-         منذ زمن بعيد جدا ... كنت أول من سكن هذا المنزل ... لم يرغمني احد على تركه سوى العمر الذي توقف عند أول محطة للمرض واصلا بي بخطوات سريعة للموت ..

-         أنت غير مرئي أنا لا أراك .

-         نعم ، ليست مجاملة لك , لكنك الوحيدة التي اطمأن قلبي المتوقف عن النبض لها ، زارني الكثيرون  لم يكونوا أبدا مثلك , شاهدت ضعفهم وقاسيت مع صراخهم المزعج كل يوم , حتى قررت محاربتهم ليخرجوا من مملكتي الصغيرة محملين بالخوف , أنت مميزة بجراحك , بصمودك الرائع , ببكائك الجذاب الذي شجعني أن أسكن أوجاعك وأشاركك إياها , أحضنك عندما تبتسمين من غير أن تشعري , أعتقد أني ...

-          قل ما بك ؟؟ لا تذهب مرة أخرى أرجوك قلها

ظهر طيف غريب أمامها , شاب وسيم يملأ وجنته النور وابتسامة على محياه مثل دواء يزيح عن القلب همه ولو كان بسعة السماء , يرتدي الأبيض الناصع , مد يده لها وقال ...

-         تعالي ..

شعرت بالخوف ووجلت , خشيته فهو شبح , لم تستطع المشي ولو لخطوة ...

-         تعالي , لا تخافي أرجوك , أريد أن تشعري بحضني , لا أملك قلبا , لكنك خلقت في هالة من الحنان والجمال  داخلي , أسست فيّ حضارة من الدفء وأريدك أن تشاركيني إياها ... تقدمي هيا

تقدمت نحوه مترددة , لم تجد سواه حضنا لترتمي عليه وتشكو له , تأملت بشكل سريع ملامح الحنان فيه وتجذّرت فيها ورمت نفسها عليه , حضنها برقة, شعرت به يواسيها ويبكي , لقد شاهدته للمرة الأولى يبكي , هو أيضا يحتاج لمن يتشارك معه أحزانه , نظرت لوجهه الملائكي , مسحت دموعه التي  ما أن حضنت يدها حتى فاحت منها رائحة عطر جميلة ....

-         لا أريد أن أراك تبكي , أنت رجلي لن اسمح لأي شيء أن يضعفك من الآن .. أتسمعني ؟؟

 

 

-         ما يبكيني ... وما يضعفني , أنت , ضعفك , انكسارك , أنا انعكاس لك , أتوه إذا قرأت في عينيك الضياع , ساعديني لأن أتغلغل في عمق الجراح لامحيها من روحك .. هيا اجعلي الفرحة تدخل من نوافذ غرامنا عصافير مغردة سعيدة , وابتسامتنا وضحكاتنا كل ليلة عالم آخر لا يسكنه غيرنا .. أتوافقين

-         نعم

رحل وتركها لتخلد للنوم , فمنذ اليوم علمت أن هناك من يحميها من حزنها , وصارت كل ليلة تتكلم معه حتى قدوم الفجر اللئيم, الذي يفرق ضحكاتهم عن بعضها لقدوم ليل آخر يحمل في طياته عشق من نوع آخر

ذات ليلة ارتدت أجمل ثيابها, تزينت بأجمل حليها, وعندما حضر طلبت منه أن يرقص معها , أرادت أن تصل معه الى نشوة رومانسية خالصة , أن يصل الانجذاب بينهم الى ذروته ... ضمها , أمسك يدها , وبدأا يرقصان على موسيقى وضعتها ...

في هذه الأثناء استيقظت أمها لتشرب الماء , سمعت صوت الموسيقى , تتبعت المصدر , حتى قادها الى غرفة فاطمة , فتحت الباب الذي يخفي خلفه مفاجأة غير سارة ... رأت فاطمة ترقص لوحدها ... مرتدية فستانها الأبيض ...

-         فاطمة .. فاطمة

استيقظت فاطمة من انسجامها , هرب الشبح وتركها

-         أين تذهب , أرجوك لا ترحل , لا تخف أنها أمي ... أمي أريد أن أعرفك على حبيبي

-         ابنتي ما بك , يا الهي أنها تهذي , يا أبا فاطمة , يا أبا فاطمة

هرع عبد المجيد الى هناك وأخبرته أمها بالقصة كلها , وقرر أن يعرضها غدا على طبيب نفسي ..

-         حبيبي, لا ترحل انتظرني أريد أن اذهب معك

سمعت صوته يقول ....

-         لا يمكن , أنهم يفرقونا ... أنهم يمزقون حبنا , يبددونه , وداعا

صارت تصرخ فاطمة ..

-         لا تتركني حبيبي , لا تتركني أيها الشبح , أمي أبي , أنه يذهب , أنتم السبب أخرجوا من غرفتي هيا قبل أن ....

وتنهار على الأرض

-  ابنتي .. لقد انهارت .. اتصل بالإسعاف 

أسرع والدها الى الهاتف واتصل بالمستشفى , حضرت سيارة الإسعاف وأخذتها , بعد أن فحصها الطبيب , أخبر الوالدين بأنها لا تعاني من مرض مادي , أي أن مشكلتها نفسية وتحتاج لعرضها على طبيب نفسي , فشد الأعصاب الذي تعرضت له ليس ناتجا عن أي أمراض فعلية , إنما هو نتيجة لصدمة نفسية ...

 

في اليوم التالي توجه الأب المسكين مع ابنته لطبيب نفسي , كانت فاطمة صامتة طوال الوقت , لم تتفوه بأي كلمة , طلب الطبيب من والدها أن يخبره بحادثة كان لها الأثر عليها , فأخبره أنها تطلقت قبل فترة وهذا ما قد أثر عليها كثيرا مما جعلهم ينتقلون الى منزلهم , وفيه تطورت حالتها الى الأسوأ فقد شاهداها بعد منتصف الليل ترقص مرتدية فستان ومشغلة الموسيقى , و أيضا كانت تهذي بعبارات غريبة .. لا تتركني ... أيها الشبح .. أحبك , لقد شخص الطبيب حالتها...

-         لقد أثرت الحادثة القديمة فيها , وعند رحيلكم الى المنزل الجديد , حاولت أن تتغير وان تخرج منها بخلق شخصية مثالية من عالم آخر , شخصية تمنحها ما لم يستطع زوجها السابق منحها إياه , الحنان , سيد عبد المجيد , يقف العلم عاجزا أمام حالة ابنتك الصعبة لقد تفاقمت حالتها , و أنا مضطر الى تحويلها الى مستشفى الأمراض العقلية واحتاج لموافقتك على هذا حالا, و إلا فأنت تقود ابنتك الى نتائج لا تحمد عقباها ومنها الموت أو فعل أي شيء غير متوقع بنفسها ...

-         لا أعرف أيها الطبيب , كما تشاء , إذا كان هذا الأفضل لها فافعله

صرخت فاطمة و ثارت في العيادة , كيف يريدون أخذها لمستشفى المجانين , انه يحبها ذاك الشبح , ولكنهم لا يفهمون ...

-         أنا لست مجنونة يا أبي , أنهم المجانين , أبي أرجوك , أنا أراه أنه يحبني , قل لي أنك تصدقني .. قل لهم أن يدعوني وشأني , أيها الشبح تعال وأنقذني لا تتركني أرجوك

لقد حضر الشبح الى هنا , صار ينظر إليها ويبكي , مد يده لها , لكنها لم تستطع لمسها , هاجت كثيرا وصرخت

   - لا ترحل أخبرهم أني لست مجنونة , وأنك تحبني هيا أيها الشبح , هيا أخبرهم أنت تحب ... وتسقط

حضر الممرضين و أخذوها من العيادة لينقلوها للمصحة , و الأب المصدوم لم يجد سوى الصبر حاجزا يوقف به ثورة على الممرضين الذين يقودون ابنته الوحيدة الى الجنون .